محمد الفايد وابن رشد: حين يصبح السؤال خطراً

جسر التواصلمنذ 10 دقائقآخر تحديث :
محمد الفايد وابن رشد: حين يصبح السؤال خطراً

بقلم ـ عبد العزيز الخطابي
͏ أحياناً لا تكشف قضيةٌ ما عن حقيقة الشخص الذي أثارها بقدر ما تكشف عن حقيقة المجتمع الذي استقبلها. وقضية الدكتور محمد الفايد. بما رافقها من جدل حول مفهوم «أمية الرسول» ﷺ. وما أعقبها من ردود دينية وإعلامية حادة، تتجاوز في دلالتها حدود الخلاف حول تفسير لفظ أو قراءة نص؟ لأنها تضعنا أمام سؤال أقدم من القضية نفسها وأخطر منها: ماذا نفعل عندما يصبح السؤال الديني مختلفاً عن السؤال الذي اعتدنا سماعه؟
طرح الفايد قراءة أثارت اعتراضاً واسعاً. واستخدم في سياق الجدل عبارات رأى فيها منتقدوه إساءة أو تجاوزاً، ثم قدم توضيحات بشأن مقصده. ومن حق العلماء والباحثين أن يرفضوا قراءته. وأن يبينوا خطأها إن رأوا فيها خطأ، وأن يردوا عليه بالنص واللغة والتفسير والسيرة. بل إن الاختلاف معه ليس فقط حقاً. وإنما هو ضرورة إذا كان الكلام يتعلق بمسألة دينية ذات حمولة تاريخية وعقدية كبيرة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتوقف النقاش عند الفكرة وينتقل إلى الشخص.
هناك مسافة هائلة بين أن نقول للإنسان: أنت مخطئ. وبين أن نقول له: أنت خارج دائرة الإيمان.
الأولى لغة الحوار.

والثانية قد تصبح. إذا تحولت إلى أداة اجتماعية للتحريض. بداية لطريق آخر.
وقد ازدادت القضية حساسية مع ظهور مواقف دينية شديدة اللهجة ضد الفايد. ومع تداول مواد تنسب إلى الدكتور رشيد نافع موقفاً يصل إلى الدعوة إلى قتله. وهنا تحديداً ينبغي أن تكون الصحافة أكثر حذراً من مواقع التواصل الاجتماعي: لا يجوز تحويل مقطع مجتزأ أو عنوان مثير إلى حقيقة نهائية. ولا يجوز نسبة قول خطير إلى شخص من دون الرجوع إلى مصدره الأصلي وسياقه الكامل.
لكن حتى بعيداً عن صحة كل ما يُتداول. فإن مجرد وصول النقاش إلى لغة الموت يكشف أزمة لا ينبغي تجاهلها.
كيف يمكن لخلاف في تفسير مفهوم ديني أن يتحول إلى سؤال عن حياة الإنسان؟
وهل يكفي أن يختلف المرء في فهم نص مقدس حتى يصبح مستحقاً للإقصاء أو التهديد؟
هنا لا تعود القضية قضية الفايد وحده.
إنها قضية الدولة.
ففي الدولة الحديثة لا توجد عقوبة خارج القانون. ولا توجد محكمة في الشارع. ولا يملك الفرد سلطة تنفيذ حكم يراه صحيحاً. يمكن للعالم أن يفتي. ويمكن للباحث أن يجتهد. ويمكن للمواطن أن يعترض. لكن إذا رأى أحد أن فعلاً ما يشكل جريمة. فإن الطريق هو القانون ومؤسساته.
الدستور المغربي نفسه يجمع بين تثبيت مكانة الإسلام وضمان منظومة من الحقوق والحريات. فهو ينص على أن الإسلام دين الدولة. وفي الوقت نفسه يقرر حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية. وضمان المحاكمة العادلة. وحرية الفكر والرأي والتعبير.[1]
وهذه ليست مفارقة.
بل هي جوهر الدولة الحديثة.
الدولة لا تطلب من مواطنيها أن يتفقوا في كل شيء؟ إنها تطلب منهم أن يختلفوا داخل إطار القانون.
وهذا هو الفارق بين المجتمع الذي تحكمه المؤسسات والمجتمع الذي تحكمه الانفعالات.
فالفتوى. مهما كانت مكانة صاحبها. ليست حكماً قضائياً. والمفتي ليس قاضياً. والقاضي ليس جلاداً. والعقوبة ليست حقاً شخصياً.
ومن الخطير أن تختلط هذه المجالات حتى يصبح الرأي الديني سلطة تنفيذية.
لأن اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يعاقب خصمه خارج القانون هي اللحظة التي تبدأ فيها الدولة بالتراجع لمصلحة منطق القوة.
وليس في هذا انتصار للدين على حساب القانون أو انتصار للقانون على حساب الدين.
إنه دفاع عن الاثنين معاً.
فالدين لا يحتاج إلى الفوضى كي يُصان. والدولة لا تحتاج إلى إلغاء الدين كي تحمي القانون.
وإذا كان الفايد قد أخطأ. فليُناقش خطؤه.
وإذا كان قد أساء التعبير. فليُنقد تعبيره.
وإذا رأى القانون أن هناك مخالفة تستوجب المتابعة. فلتأخذ المؤسسات المختصة مجراها.
أما أن تتحول المسألة إلى تكفير أو تهديد أو دعوة إلى العقاب الفردي. فهنا نغادر مجال الفكر وندخل مجالاً آخر أكثر خطورة.
واللافت أن تاريخ الحضارة الإسلامية نفسه يقدم لنا ما يكفي لندرك خطورة هذا المنزلق.
حين نستحضر ابن رشد. لا ينبغي أن نستعمله كشعار جاهز. ولا أن نحول محنته إلى قصة مبسطة عن «رجال دين ضد فيلسوف» فمحنته كانت جزءاً من سياق سياسي وفكري معقد في العصر الموحدي. تداخلت فيه السياسة بالسلطة وبالفقه وبالتحولات الاجتماعية.
لكن ابن رشد يظل حاضراً لأن سؤاله كان عميقاً: هل يمكن للعقل أن يبحث دون أن يصبح عدواً للإيمان؟
في «فصل المقال» حاول ابن رشد الدفاع عن مشروعية النظر العقلي. ورأى أن البرهان لا ينبغي أن يكون في خصومة ضرورية مع الشريعة.[2] وفي «تهافت التهافت» دخل في حوار نقدي عميق مع الغزالي. مدافعاً عن المنهج البرهاني ومناقشاً اعتراضاته على الفلاسفة.[3]
وفي الجهة الأخرى. كان الغزالي نفسه أكثر تعقيداً مما توحي به الصورة الشائعة عنه؟ ففي «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» ناقش مسألة التكفير وضوابطها. وهو ما يكشف أن التراث الإسلامي لم يكن مجرد فضاء لإطلاق الأحكام. بل كان أيضاً فضاءً واسعاً للنقاش حول حدود الحكم على الناس ومآلاته.[4]
وهنا تظهر المفارقة.
نحن اليوم نعيش في عصر العلم والجامعة والإنترنت والدولة الحديثة. لكن بعض طرق إدارة الاختلاف تعيد إنتاج أسئلة قديمة بلغة جديدة.
لم يعد الحاكم وحده قادراً على إسكات الإنسان.
تكفي أحياناً حملة إلكترونية.
لم تعد المحاكمة تحتاج إلى قاعة.
قد تكفي منصة اجتماعية.
ولم يعد الاتهام يحتاج إلى تحقيق.
يكفي أن يصبح مقطع قصير «ترنداً»
لقد أصبحنا نعيش في زمن يُدان فيه الإنسان أحياناً قبل أن يُسمع. ويُشهَّر به قبل أن يُسأل. ويُختزل فكره كله في جملة واحدة اقتُطعت من سياقها.
وهذا أخطر ما في الثقافة الرقمية حين تلتقي بالغضب الديني.
لأن المقدس. عندما يدخل فضاء الانفعال. قد يتحول من قيمة روحية إلى أداة لتعبئة الجماهير.
لكن حماية المقدس لا تكون بإلغاء العقل.
ولا تكون بتخويف الباحث.
ولا تكون بتحويل الاختلاف إلى تهمة.
بل تكون بالقدرة على تقديم الحجة.
الدين الواثق من حجته لا يخاف السؤال.
والعلم الواثق من منهجه لا يخاف النقد.
والمجتمع الواثق من نفسه لا يخاف الاختلاف.
والدولة الواثقة من مؤسساتها لا تسمح لأحد بأن يصبح قاضياً وجلاداً في الوقت نفسه.
وهنا أيضاً يجب أن نكون منصفين تجاه محمد الفايد نفسه.
فالحرية لا تعني أن الباحث فوق النقد. والاجتهاد لا يعني الاستفزاز. والاشتغال على النصوص الدينية لا يعفي صاحبه من مسؤولية الكلمة.
إذا اختار الفايد أن يدخل إلى منطقة شديدة الحساسية في الوعي الديني. فعليه أن يتحمل النقد العلمي. وأن يميز بين السؤال الذي يفتح المعرفة والعبارة التي قد تغلقها.
لكن مسؤولية الفايد لا تلغي مسؤولية خصومه.
فإذا كان خطؤه في القول. فالرد عليه بالقول.
وإذا كان خطؤه في الاستدلال، فالرد عليه بالدليل.
وإذا كانت هناك مخالفة قانونية، فالرد عليها بالقانون.
أما أن يصبح التكفير بديلاً عن البرهان. والتهديد بديلاً عن الحوار. والفتوى بديلاً عن القضاء. فذلك لا يحمي الدين؟ بل يضعف فكرة الدولة ويعرض المجتمع كله لمنطق لا يمكن التحكم في نتائجه.
لأن السؤال الأخطر ليس: هل الفايد على حق؟
السؤال الأخطر هو: هل يحق لمجتمع أن يعاقب إنساناً لأنه طرح سؤالاً لا يعجبه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإننا لا نحمي الحقيقة؟ بل نحمي الخوف منها.
أما إذا كانت الإجابة لا. فذلك لا يعني أن كل قول صحيح، ولا أن كل اجتهاد مقبول. وإنما يعني أن الاختلاف له أدواته. والجريمة لها أدواتها. والعقوبة لها مؤسساتها.
وهذا هو الحد الفاصل بين المجتمع الحديث ومجتمع الفتوى المنفلتة.
إن استحضار ابن رشد في قضية الفايد ليس دعوة إلى تقديس الفيلسوف. ولا إلى مساواة الرجلين. ولا إلى إعادة إنتاج التاريخ. إنما هو تذكير بأن السؤال الفكري لا يموت بسهولة. وأن الأفكار التي حاولت السلطات في لحظة تاريخية أن تحاصرها قد تعود بعد قرون لتصبح جزءاً من تاريخ الإنسانية.
ربما يخطئ الفايد.
وربما يخطئ منتقدوه.
وربما تكون بعض اعتراضاتهم صحيحة، وبعض ردوده غير موفقة.
وهذا كله طبيعي في عالم الفكر.
غير الطبيعي هو أن ننتقل من «أنت مخطئ» إلى «أنت تستحق الموت»
بين الجملتين تقع الحضارة كلها.
ولهذا فإن قضية محمد الفايد لا ينبغي أن تنتهي بانتصار طرف على طرف.
ينبغي أن تترك لنا درساً.
درساً في الدين.
وفي الفكر.
وفي القانون.
وفي معنى الدولة.
وفي معنى الاختلاف.
فليس المطلوب أن نتفق مع الفايد.
ولا أن نختلف مع رشيد نافع.
المطلوب أن نصل إلى مرحلة يستطيع فيها الإنسان أن يختلف مع هذا وذاك. دون أن يتحول اختلافه إلى جريمة اجتماعية أو رخصة للعنف.
لقد تغير الزمن.
لكن السؤال القديم ما زال يطاردنا:
ماذا نفعل بمن يطرح السؤال الذي لا نريد سماعه؟
الجواب الذي يليق بعصرنا ينبغي ألا يكون السيف، ولا التكفير، ولا التشهير.
بل الحوار.
والعلم.
والقانون.
لأن الحقيقة التي تخاف من السؤال ليست حقيقة قوية.
ولأن الإيمان الذي يحتاج إلى إسكات الآخرين كي يبقى إيماناً. قد تحول من قوة روحية إلى خوف.
ولأن الدولة التي تسمح للأفراد بأن يحكموا على بعضهم خارج القانون. مهما كانت نواياهم. تفتح الباب أمام عودة منطق لا مكان له في دولة المؤسسات.
ربما كان ابن رشد ضحية عصره.
وربما يكون الفايد. اليوم. أسيراً لصخب عصرنا.
لكن بين الرجلين. رغم اختلاف الزمن والسياق. يظل سؤال واحد قائماً:
هل نريد مجتمعاً يحمي الحقيقة من السؤال. أم مجتمعاً يجعل الحقيقة قادرة على مواجهة السؤال؟
إن اختيارنا لهذا الجواب هو. في النهاية. اختيارنا لنوع المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.
مراجع المعتمد.
[1] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 3. 20. 22. 23. 25 و28.
[2] ابن رشد. فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.
[3] ابن رشد، تهافت التهافت.
[4] أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.

 
 
 

Views: 1

الاخبار العاجلة