يحاصرني الفقرُ من كلِّ الجهات.

جسر التواصلمنذ 42 ثانيةآخر تحديث :
يحاصرني الفقرُ من كلِّ الجهات.

عبد العزيز الخطابي

يحاصرني الفقرُ من كلِّ الجهات
وحين أحاول الهربَ منه
يركضُ خلفي
وهو يبتسم:
— إلى أين. يا صديقي؟
أنا لا أريدُ منك شيئًا…
أريدُ فقط
أن أبقى معك
إلى الأبد.
أقول له:
— لكنني تعبتُ منك!
فيضحك:
— وأنا أيضًا تعبتُ منك.
لكن ماذا نفعل؟
لقد جمعتنا السياسةُ منذُ زمن.
وأنتَ لم تكن تملكُ
خيارًا آخر.
أغيّرُ الطريق،
فيغيّرُ الطريقَ معي.
أغلقُ بابَ البيت.
فيجلسُ خلفَ الباب.
أطفئُ الضوء.
فيتمدّدُ في الظلام.
أفتحُ الثلاجة.
فأجدهُ واقفًا هناك،
أكثرَ امتلاءً مني.
وأكثرَ خبرةً بالجوع.
قلتُ له ذاتَ مساء:
— ألا تملُّ من ملاحقتي؟
قال:
— أنا لا ألاحقك.
أنا أسكنك.
ثم ضحكَ طويلًا.
كأنّه يعرفُ سرًّا
لا أعرفه.
ذهبتُ إلى المسؤول
وحملتُ إليه شكواي
كما يحملُ الفقيرُ آخرَ ما تبقّى
من كرامته.
قلت:
— سيدي.
الفقرُ يسكنُ بيتي.
ويأكلُ من مائدتي.
ويشربُ من كأسِي.
ويأخذُ راتبي
قبل أن يصلَ إلى جيبي.
نظرَ إليّ المسؤولُ بحزنٍ رسمي.
وعدّلَ ربطةَ عنقه.
ثم قال:
— أفهمُ معاناتك.
لكننا لا نستطيعُ اعتقالَ الفقر.
قلت:
— لماذا؟
قال:
— لأنه ليسَ من المعارضة!
قلت:
— إذن حاربوه.
قال:
— حاربناه فعلًا.
قلت:
— وأينَ انتصرتم؟
قال:
— في المؤتمراتِ الصحفية.
قلت:
— وأينَ انهزمَ الفقر؟
قال:
— في جيبِ المواطن.
خرجتُ من مكتبه
وأنا أضحك.
لم أعد أعرفُ
من الذي يسخرُ من الآخر:
أنا من الحكومة.
أم الحكومةُ من فقري.
كلما اقتربَ موعدُ الانتخابات.
استيقظَ الفقرُ في نشراتِ الأخبار.
فجأةً
يصبحُ الفقيرُ مواطنًا مهمًّا.
وتصبحُ كرامتُه عنوانًا كبيرًا.
ويصبحُ رغيفُ الخبز
قضيةً وطنية.
تأتي الأحزابُ إلينا
محملةً بالوعود:
سنقضي على الفقر!
سنحاربُ البطالة!
سنرفعُ القدرةَ الشرائية!
سنحققُ العدالةَ الاجتماعية!
سنفتحُ أبوابَ المستقبل!
فنصفّق.
نصدّق.
ننتخب.
ثم تُغلقُ صناديقُ الاقتراع.
وتُفتحُ أبوابُ المكاتب.
نعودُ إلى بيوتنا.
وتعودُ الأحزابُ إلى مقاعدها.
ويعودُ الفقرُ إلى مكانه المعتاد:
إلى جيبي.
إلى مطبخي.
إلى وجوهِ أطفالي.
إلى آخرِ الشهر.
وكأننا اتفقنا سرًّا
على أن يبقى كلُّ واحدٍ منا
في مكانه.
سألتُ سياسيًّا ذاتَ يوم:
— لماذا لم تقضوا على الفقر
بعد كلِّ هذه السنوات؟
ابتسمَ بثقةٍ كبيرة
تشبهُ ثقةَ من يملكُ الإجابةَ
ولا يملكُ الحل.
قال:
— لأننا لا نريدُ قراراتٍ متسرعة.
الفقرُ قضيةٌ وطنية
تحتاجُ إلى استراتيجيةٍ
طويلةِ المدى.
قلت:
— وكم تحتاجُ هذه الاستراتيجية؟
أجاب:
— حتى إشعارٍ آخر.
عدتُ إلى بيتي
وأنا أفكر:
ما أذكى الفقر!
لقد أصبحَ أقدمَ من الحكومات.
وأبقى من الوزراء.
وأوفى من الأحزاب.
السياسيُّ يتغير.
الحكومةُ تتغير.
البرلمانُ يتغير.
الخطابُ يتغير.
حتى الوجوهُ التي تبتسمُ لنا
تتغير…
أما الفقرُ؟
فلا يغيّرُ برنامجهُ الانتخابي.
يأتي صباحًا إلى العامل.
ومساءً إلى الفلاح.
وفي الليلِ إلى المتقاعد.
وفي نهايةِ الشهر
يجلسُ إلى جانبِ الموظف
وينتظرُ معهُ الراتب.
ولا يحتاجُ إلى حملةٍ انتخابية.
فالناسُ تعرفه.
لا يحتاجُ إلى ملصقاتٍ
تعلّقُ على الجدران.
وجهُهُ معلّقٌ
على جدرانِ البيوت.
ولا يحتاجُ إلى مكبّراتِ الصوت.
يكفي أن تفتحَ الثلاجة
لتسمعَهُ يتكلم.
قلتُ له ذاتَ ليلة:
— يا فقر،
لماذا لا ترحل؟
ضحكَ.
ثم قال:
— لو رحلتُ.
فمن سيمنحهم مادةً للخطابات؟
ومن سيجعلهم
يعدونكَ بالجنة
قبلَ الانتخابات؟
ومن سيمنحهم
فرصةَ الظهور
بمظهرِ المنقذ؟
سكتُّ.
اقتربَ مني أكثر،
وهمسَ في أذني:
— لا تكن ساذجًا، يا صديقي.
أنا لستُ المشكلة.
أنا الموضوعُ الذي يتحدثون عنه
حين يحتاجون إلى أصواتك.
أنا الصورةُ التي يرفعونها
في مواسمِ الحملات.
أنا الخبزُ الذي يعدونكَ به
ثم ينسونه
بعد أن تضعَ ورقتكَ في الصندوق.
أنا الجوعُ الذي يحتاجونه
كي يظلَّ خطابُهم حيًّا.
ثم ابتعدَ قليلًا
وقال:
— أنتَ تخافُ مني،
وهم يخافونَ أن تختفي.
عندها فقط
فهمتُ اللعبة.
لم يكن الفقرُ يلاحقني.
كان هناكَ من يحرصُ
على ألا أفقده.
لم يكن الفقرُ عدوًّا للسياسة.
ربما كانت السياسةُ
قد وجدت فيه
أطولَ عمرٍ لوعودها.
وفي صباحِ الانتخابات.
رأيتُ الفقرَ واقفًا أمامَ مركزِ الاقتراع.
قلتُ له:
— هل جئتَ لتصوّت؟
ضحكَ وقال:
— لا.
قلتُ:
— فلماذا أنت هنا؟
قال:
— جئتُ لأتأكدَ
أنكم ستنتخبونَ
من يحتاجُ إليّ.
قلتُ:
— ومن سيفوز؟
أشارَ إلى الصندوق
وقال:
— أنا.
قلتُ:
— لكنك لا تملكُ حزبًا!
قال:
— لا أحتاجُ إلى حزب.
قلتُ:
— ولا برنامجًا انتخابيًا!
قال:
— أنا البرنامج.
قلتُ:
— ولا حملةً انتخابية!
قال:
— أنا الحملة.
قلتُ:
— ولا ناخبين!
ضحكَ حتى كادَ يسقطُ من شدةِ الضحك:
— بل أنتم ناخبيَّ منذُ سنوات.
ثم دخلَ إلى الصندوقِ معي.
دونَ أن يضعَ ورقةً واحدة.
وحين خرجنا.
كان قد فازَ بالأغلبية.
أما أنا.
فعدتُ إلى بيتي
أحملُ وعودًا جديدةد
وجيبًا قديمًا،
وثلاجةً تعرفُ الحقيقة.
جلستُ أمامَ المرآة.
وسألتُ نفسي:
من الذي انتخبتهُ اليوم؟
لم أجدْ جوابًا.
لكنني وجدتُ الفقرَ خلفي
يبتسم.
قال:
— لا تقلق.
سنلتقي
في الانتخاباتِ القادمة.
فأنا، يا صديقي،
لا أخسرُ أبدًا.
أنا الفقرُ الذي لا ينتخب…
ومع ذلك
يفوزُ دائمًا.

Views: 0

الاخبار العاجلة