
بقلم. عبد العزيز الخطابي
ليست الهرمسية مذهبًا يُطمأن إلى حدوده كما تُطمأن الخرائط إلى خطوطها. بل هي أفقٌ يتسع كلما حاولنا تحديده. ويغتني كلما سعينا إلى اختزاله. إنها ليست “نظرية” بالمعنى الصارم. ولا “عقيدة” بالمعنى المغلق. بل هي نمطٌ في النظر. طريقة في الإنصات إلى العالم. حيث لا تكون الحقيقة معطًى جاهزًا. بل أثرًا يُلتقط. وإشارة تُفكّ. ومسارًا يُعاش. في هذا الأفق. يصبح الفكر نفسه نوعًا من التأويل. وتغدو المعرفة تجربةً تتجاوز حدود البرهان إلى فضاء التحول.
تقوم الهرمسية منذ بدايتها على مفارقة عميقة: فهي تنسب ذاتها إلى أصلٍ أسطوري. إلى شخصية تتجاوز التاريخ. لكنها في الآن ذاته تسعى إلى إنتاج معرفة تُمسّ الواقع وتعيد تشكيله. إن “هرمس الثلاثي العظيم” ليس مجرد اسم. بل هو جهازٌ رمزي يُضفي على الخطاب طابعًا من القِدم والكلّية. وكأن الحقيقة التي تُقال ليست رأيًا بل صدىً لذاكرة كونية سابقة على الأفراد. وهنا لا يكون النسب مجرد زخرف بل وظيفة إبستمولوجية: إذ يخلق شرطًا خاصًا للقراءة. قراءة لا تبحث عن المعنى في سطح النص. بل في عمقه المتعدد. في طبقاته التي تتوالد كما تتوالد المعاني في الحلم.
في قلب هذا البناء. تتأسس رؤية للواقع بوصفه شبكة من العلاقات لا مجرد تراكم من الأشياء. العالم، في المنظور الهرمسي. ليس كتلة صامتة بل نصٌّ مفتوح. تتجاوب فيه المستويات. ويتردد فيه الصدى بين العلو والسفل. بين المرئي والخفي. بين الظاهر والباطن. ليست “المراسلات” هنا استعارة شعرية. بل فرضية أنطولوجية: ما يحدث في مستوى ما يجد تمثله في مستوى آخر. لا على نحو التماثل البسيط. بل على نحو التشابه البنيوي الذي يجعل من الكون كيانًا قابلاً للقراءة. وهكذا يغدو الإنسان. لا بوصفه كائنًا منفصلًا. بل بوصفه موضعًا يتقاطع فيه هذا النسيج. قارئًا ومقروءًا في آن.
من هذا المنظور. لا تعود المعرفة عملية نقلٍ للمعلومات. بل فعلَ تشكّلٍ للذات. إن الحقيقة في الهرمسية لا تُمتلك. بل تُنجز. لا تُقاس بما تضيفه إلى الذاكرة. بل بما تُحدثه في الوعي. إنها معرفة تمرّ عبر التحول. عبر إعادة ترتيب الداخل. بحيث يصبح الإدراك ذاته قادرًا على التقاط ما كان غائبًا عنه. وهنا تتلاشى الحدود التي رسمتها الفلسفة الحديثة بين “معرفة العالم” و”تهذيب الذات” إذ يتبين أن فهم الواقع يستلزم تغيير طريقة النظر إليه. وأن هذا التغيير ليس ذهنيًا فقط. بل وجوديٌّ في عمقه.
ولأن الحقيقة لا تُعطى مباشرة. كان الرمز أداتها الأساسية. الرمز في الهرمسية ليس تزيينًا للقول. بل شرطه. ليس غموضًا يُراد به الإخفاء. بل كثافةٌ تُراد بها الحماية. فهو يفتح المعنى على تعدده، ويمنع انغلاقه في قراءة واحدة، ويضع القارئ أمام مسؤولية التأويل. إن الرمز يطالب قارئه بما هو أكثر من الفهم: يطالبه بالاستعداد. بالقدرة على العبور من المعنى الظاهر إلى ما يتوارى خلفه. من الإشارة إلى ما تشير إليه. ومن هنا. فإن الحقيقة لا تُختزل في ما يُقال. بل فيما يُفهم. وما يُفهم ليس واحدًا بل طبقات تتكشف بحسب عمق النظر.
غير أن هذا الانفتاح التأويلي يطرح سؤالًا لا مفر منه: ما الذي يمنع المعنى من الانزلاق إلى الاعتباط؟ إذا كان كل شيء قابلًا للتأويل. فأين يقف الحد بين الفهم والاختلاق؟ لا تقدم الهرمسية جوابًا بالمعنى التجريبي، لكنها تقترح نوعًا من المعيارية الداخلية. حيث يُقاس التأويل بمدى انسجامه مع بنية الكون كما تُتصور. وبقدرته على الحفاظ على التوازن بين صورة العالم وصورة النفس. وبآثاره في تحويل التجربة. فليس كل تأويل صحيحًا. بل ذلك الذي يندرج في نسق. ويتناغم مع شبكة المراسلات. ويُثمر تحولًا لا مجرد تفسير.
وفي هذا السياق. تتقاطع الهرمسية مع تيارات فكرية أخرى سعت إلى تجاوز ظاهر العالم نحو عمقه. لكنها تظل محتفظة بفرادتها: فهي لا ترفض العالم بل تعيد قراءته. لا تنكر الظاهر بل تعتبره قناعًا لمعنى أعمق. وحتى حين تلامس مجالات كالكيمياء القديمة أو التنجيم. فإنها لا تتوقف عند بعدها التقني. بل تدمجها في أفق رمزي يجعل من التحول المادي صورةً لتحول داخلي. ومن حركة النجوم استعارةً لنظام أوسع يضم الإنسان ضمن إيقاعه.
بهذا المعنى. لا يمكن اختزال الهرمسية في تراث غامض أو في ممارسات باطنية. بل ينبغي فهمها بوصفها محاولة لتأسيس معرفة بديلة. معرفة لا تفصل بين الفكر والوجود. ولا بين اللغة والعالم. ولا بين الإنسان والكون. إنها إبستمولوجيا رمزية. تجعل من التأويل أداة للفهم. ومن التحول معيارًا للحقيقة، ومن الرمز جسرًا بين ما يُقال وما لا يمكن قوله.
إن الهرمسية. في جوهرها. ليست دعوة إلى الإيمان بقدر ما هي دعوة إلى الرؤية؟ ليست تعليمًا لما يجب أن نعتقده. بل تدريبٌ على كيف ننظر. وفي زمنٍ تميل فيه المعرفة إلى الاختزال والوضوح القاطع. تذكّرنا هذه الرؤية بأن الحقيقة قد تكون أوسع من أن تُحاط، وأعمق من أن تُختزل. وأن ما لا يُقال مباشرة قد يكون أصدق مما يُقال بوضوح. هكذا، لا تعود الفلسفة بحثًا عن إجابة نهائية. بل تمرينًا دائمًا على قراءة العالم. حيث كل شيء علامة. وكل علامة بداية طريق.
غير أن هذه الرؤية. في امتدادها الأعمق. لا تقف عند حدود بناء تصور للكون أو إعادة تعريف المعرفة. بل تتسلل إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ما موقع الإنسان داخل هذا النسيج الرمزي؟ هل هو مجرد قارئ للنص الكوني. أم أنه جزء من كتابته؟ هنا تنفتح الهرمسية على توتر خفي بين الاكتشاف والخلق. بين الفهم والتشكيل. حيث لا يعود الإنسان كائنًا سلبيًا يتلقى المعنى. بل يصبح موضعًا تتجلى فيه إمكانية إنتاجه. إن الوعي. في هذا السياق. لا يعكس العالم فحسب. بل يشارك في ظهوره. وكأن الإدراك ذاته فعلٌ من أفعال التكوين.
هذا التداخل بين الذات والعالم يقود إلى إعادة التفكير في مفهوم الحقيقة نفسها. فإذا كانت المعرفة ليست مجرد مطابقة بين الفكر والواقع. بل عملية انخراط في شبكة المعنى. فإن الحقيقة لا تكون شيئًا قائمًا خارج التجربة، بل حدثًا يقع داخلها. إنها لحظة انكشاف، لا يمكن فصلها عن الشروط التي تجعلها ممكنة. ولا عن الذات التي تختبرها. وهنا تغدو الحقيقة أقل صلابة مما تصوره النماذج الوضعية، لكنها في المقابل أكثر حيوية، لأنها لا تُختزل في معادلة، بل تتجدد مع كل تجربة تأويلية.
ومن هذا المنطلق. يمكن فهم الصمت الذي يحيط بكثير من النصوص الهرمسية. لا بوصفه نقصًا في البيان. بل بوصفه شرطًا من شروطه. فالصمت ليس غيابًا للمعنى، بل فائضًا فيه؛ هو المسافة التي تتيح للرمز أن يعمل. وللتأويل أن يتحرك، وللقارئ أن يشارك في إنتاج الدلالة. إن ما لا يُقال مباشرة يفتح المجال لما يمكن أن يُفهم بطرق متعددة. وكأن الحقيقة، لكي تظل حية. تحتاج إلى هذا الهامش من الغموض الذي يمنعها من التحول إلى يقين جامد.
لكن هذا الغموض لا يعني الفوضى. بل يفترض نوعًا من الانضباط الداخلي. حيث يصبح على القارئ أن يتعلم كيف يقرأ. لا فقط ماذا يقرأ. القراءة هنا ليست مهارة تقنية. بل تمرين وجودي. يتطلب يقظةً معينة. وقدرة على التمييز بين المستويات. واستعدادًا لقبول أن المعنى لا يُمنح دفعة واحدة. إن القارئ الهرمسي لا يبحث عن جواب نهائي. بل يدخل في حوار مع النص. حوار يتغير فيه الطرفان: النص يكشف عن إمكاناته، والقارئ يعيد تشكيل أدواته.
وفي هذا الأفق، تكتسب اللغة نفسها بعدًا جديدًا. فهي لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأفكار. بل فضاءً تتشكل فيه الحقيقة. الكلمات لا تشير فقط. بل تُحدث أثرًا؟ لا تصف العالم فحسب. بل تعيد ترتيبه داخل الوعي. وهكذا تصبح اللغة. في بعدها الرمزي. نوعًا من الفعل. حيث لا يكون القول محايدًا، بل حاملًا لإمكانية التحول. إن العبارة الهرمسية لا تُفهم فقط. بل تُعاش، لأنها تحمل في بنيتها إمكانية تغيير من يقترب منها.
غير أن هذا التصور يضعنا أمام مفارقة أخرى: إذا كانت المعرفة مرتبطة بالتحول. فهل يمكن نقلها؟ هل يمكن تعليمها كما تُعلّم المعارف الأخرى؟ يبدو أن الهرمسية تميل إلى الإجابة بالنفي الجزئي. إذ تعتبر أن ما يمكن نقله هو الإشارة. أما الفهم الحقيقي فلا يتحقق إلا بالتجربة. يمكن للنص أن يدل، أن يوجه. أن يفتح الطريق، لكنه لا يستطيع أن يسير فيه بدل القارئ. وهكذا تبقى المعرفة. في جوهرها. تجربة فردية. رغم أنها تنتمي إلى أفق كوني مشترك.
ومن هنا أيضًا ينبع الطابع النخبوي الذي كثيرًا ما يُنسب إلى الهرمسية. لا بمعنى الإقصاء الاجتماعي. بل بمعنى أن الفهم يتطلب استعدادًا خاصًا. لا يتوفر بالضرورة للجميع في اللحظة نفسها. هذا الاستعداد ليس امتيازًا فطريًا. بل حالة من الانتباه. من الانخراط. من الرغبة في تجاوز الظاهر. إن من يكتفي بالمعنى المباشر قد لا يرى في النص الهرمسي سوى غموض، بينما من ينخرط في عملية التأويل قد يكتشف فيه بنية عميقة من الدلالات.
وفي امتداد هذا التصور. يمكن النظر إلى الهرمسية بوصفها نقدًا ضمنيًا للنزعة الاختزالية في الفكر. فهي ترفض أن يُختزل العالم في بعد واحد. أو أن تُحصر الحقيقة في منهج واحد. لا لأنها تنكر قيمة المناهج الأخرى. بل لأنها ترى أن الواقع أكثر تعقيدًا من أن يُستوعب في إطار واحد. إنها تفتح المجال لتعدد طرق المعرفة. دون أن تتخلى عن مطلب المعنى. وكأنها تقول إن الحقيقة لا تُدرك من زاوية واحدة. بل من تقاطع زوايا متعددة.
وهكذا. حين نعيد النظر في الهرمسية من هذا المنظور. لا نعود أمام تراث قديم فحسب. بل أمام سؤال لا يزال حيًا: كيف نعرف؟ وكيف نعيش ما نعرف؟ إنها تذكير بأن المعرفة ليست فقط ما نملكه من معلومات. بل ما نصير إليه عبرها؟ وأن الفهم، في أعمق مستوياته. ليس نهاية الطريق. بل بدايته. ففي كل تأويل جديد. ينفتح أفق آخر، وفي كل أفق. يتجدد السؤال. وكأن الحقيقة. في جوهرها. ليست نقطة وصول. بل حركة لا تنتهي.
Views: 23







