
طارق المعروفي
كثيرًا ما يُساء فهم مفهوم “المثقف”، فيُختزل أحيانًا في امتلاك رصيد معرفي ضخم، أو في إتقان لغات أجنبية، أو في معرفة تفاصيل عن الفنون والموسيقى والآداب العالمية. غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتمنح صاحبها صفة المثقف. فالمثقف الحقيقي لا يُقاس بما يحمله من معلومات فقط، بل بما يقوم به من دور في الارتقاء بوعيه ووعي مجتمعه.
المثقف ليس بالضرورة كاتبًا أو باحثًا أو أكاديميًا متخصصًا. إن شرط الثقافة هو قدرته على تحويل وعيه إلى سلوك إيجابي يسهم في خدمة الناس، والحد من السلبيات، وتوسيع دائرة الإيجابيات. فالثقافة الحقيقية ليست حكرًا على النخبة، بل هي إمكانية متاحة لكل فرد يمتلك وعيًا نقديًا ويترجم هذا الوعي إلى أفعال.
المثقف الحقيقي هو الذي يمارس دوره كمصباح هادٍ وسط الظلام. و هو الذي يسعى إلى تحرير العقول لا إلى تزيينها بالمعلومات. وظيفته أن يفتح نوافذ للتفكير الحر، أن ينشر قيم التسامح،و أن يرسخ أسس العدالة، و يحفّز على الإبداع والعمل. كما يملك المثقف القدرة على التشخيص والنقد، و الأهم من ذلك أن يملك الجرأة على طرح البدائل وتقديم حلول.
الثقافة إذن ليست ترفًا معرفيًا ولا لقبًا اجتماعيًا، بل هي التزام ومسؤولية. و المثقف الحق هو الذي لا ينعزل في برجه العاجي، بل ينغمس في قضايا مجتمعه، باحثًا عن طرق لتقليص مساحات الجهل والظلم، وتوسيع فضاءات الوعي والعدل والجمال. و بهذا المعنى، يكون المثقف صوت ضمير المجتمع، لا مجرد حافظ لمعارف متناثرة.
الثقافة إذن ليست ترفًا نخبويًا ولا زخرفًا معرفيًا، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
في النهاية، يمكن القول إن المثقف ليس عنوانًا يزين بطاقة الهوية، ولا صفة تُمنح بالوراثة أو بالشهادات. لأن المثقف هو ذلك الفاعل الواعي الذي يجعل من فكره جسرًا يعبر عليه الآخرون نحو وعيٍ أوسع وحياةٍ أعدل. ومن هنا، يصبح المثقف ضرورة وجودية لكل مجتمع يريد أن يحيا بالحرية، لا أن يكتفي بالعيش في الهامش.
Views: 59







