الأغنية

نعمان لحلو :وتيمة المكان في الأغنية

 


روما. محمد الصقلي


لعل الأغنية اللبنانية كما وصلت إلينا قبل عقود عبر صوت فيروز ووديع الصافي و الصبوحة، تبقى عمليا هي النموذح الأمثل في ما يتعلق بالاحتفاء بتيمة المكان. لبنان يا قطعة سماء، ثلج ثلج، جبالنا الخضرا، يا هوى بيروت .. يا هوى الأيام .. ترجعي يا بيروت .. لما ترجع الأيام. ولعل هذه التجربة من حيث رهانها على خاصية الحداثة لجهة التركيز على “الأغنية الومضة ” أي الأغرودة و الرسالة السريعة التي تستوفي كل الشروط متنا ومعنى و تعبيرا وتطريبا، وبذلك ساهمت هذه الأغنية في خدمة الصورة الأصيلة المشرقة والحضارية، من خلال الإبداع, هذا الإبداع الذي أنصف لبنان و عوضه عن حيف الجغرافيا والسياسة..
على مستوى آخر يمكن القول بأن التغني بثيمة المكان قد حقق تفوقا بينا وملموسا للأغنية اللبنانية على نظيرتها المصرية.رغم أن كلا النموذجين يحتفظ بخصائصه و مميزاته.وهذا لا يغض من قيمة وعظمة الأغنية المصرية التي يمكن أن نميز فيها بين طابعين أولهما التركيز على أمجاد التاريخ في عهد الملك فاروق من خلال أعمال اتسمت بنفس ملحمي مثل كليوبترا والكرنك لمحمد عبد الوهاب، ثم مصر تتحدث عن نفسها وقصيدة النيل لأم كلثوم من ألحان رياض السنباطي، غير أن تيمة المكان في الأغنية سرعان ما طرأ عليها تغيير جذري إذ التبست بالإيديولوجيا مع بداية العهد الناصري, والإبداع متى ركبته السياسة تدمغ بوصمة الظرفية ويفقد سرمديته.


نعود إلى تيمة المكان في أغنيتنا إذ لا تسعفنا الذاكرة بالوقوف على أكثر من نماذج معدودة لا تفي بالغنى والتنوع الذين حبت بهما الطبيعة هذا البلد الجميل.ففي العقد الأول بعد الاستقلال ظفرت مراكش بإحدى روائع عبد القادر الراشدي والتي تغنى بها الفنان إسماعيل أحمد وهي أغنية يا مراكش يا وريده، فيما تغني العميد عبد الوهاب الدكالي من تلحين أحمد البيضاوي بقصيدة يا فاس حيى الله أرضك من ثرى، لأحد شعراء الأندلس. ثم أغنية محلا جمالك يا طنجة للفنان العربي العوامي، وفرحة طنجة لراحل إدريس العلام وألحان الراحل عبد القادر الراشدي وغناء عبد الواحد التطواني أيضا ربيع الأطلس للثلاثي آمنا ثم محلى إفران ومحلى جمالو لراحل إبراهيم العلمي ناهيك عن ملحمة “القمر الأحمر” للرائعين عبد السلام عامر وعبد الرفيع الجواهري. ومن المعزوفات الموسيقية رقصة الأطلس التي اعتبرها بمثابة بوليرو الراشدي، فرحة ورزازات للجيلالي بالمهدي، ومعزوفة أيت ورير للفنان إبراهيم العلمي.


بعد هذا الجرد المقتضب قد لا نجد كبير عناء في استخلاص ضآلة هذه الحصيلة قياسا إلى مدخرات البلد الطبيعية والجمالية. لكن المؤسف كون هذه المعطيات التي لا يختلف فيها اثنان نجد أنها لفتت انتباه المشارقة قبل المغاربة من خلال رائعة فريد الأطرش التي يقول فيها مراكش فين وتونس فين، وقبله غنى محمد الكحلاوي يا راكبين فوق الجمل والناقة، عاشك مراكش وبعدها عشاكه. وإذا لم تخني الذاكرة فقد سمعت بإحدي الأغاني اليمنية القديمة إشارة لأسواق فاس، كما وأن أبيات أبو الحسن الشسترى، شويخ من أرض مكناس لم تحظ بأي اهتمام من قبل الفنانين المغاربة إلى أن ألتقطها مشكورا أحد فناني الخليج.


لذلك كان لزاما في غياب مشروع رؤيا تكاملية مندمجة للاهتمام بمختلف مناحى و ألوان و أنماط المغنى في بلدنا من حيث التيمة أي الموضوع ومن حيث التوجهات التي يتعين على المبدع و قبله الجهات الوصية أخدها بعين الاعتبار لا يسعنا هنا إلا أن نثمن عاليا تجربة رائدة تفرد بها الفنان الرسالي نعمان الحلو منذ أزيد من عقدين من الزمن، إذ لاحظ بحدسه و ذكائه حجم الخصاص الواضح في هذا المجال من حيث غياب الاهتمام بالمجال في أغنيتنا العصرية بما يعني تيمة المكان وما للمكان من قيمة، حاضرة وبادية من دلالات وإحالات.
وحده نعمان من بين جيل التسعينات من اهتدى لهذا النقص البين في أغنيتنا، ومن ثم عقد العزم على أن تكون خطوته الأولى في اتجاه ما تتألف عليه القلوب قبل أي شيء آخر وهو عشق الأرض و روح الأرض و الارتباط بالوطن و الهوية، وليس العشق الجسداني الذي ينتحر على موائد القصف والمجون في الملاهي الليلية إذن كان لابد لهذا المبدع من أن يحدد مساره بدقة من حيث نبل الهدف الذي هو غاية الفن الرفيع.وكانت الانطلاقة “زين البلدان” التي سرعان ما عانقت القلوب، ثم جبال الأطلس، وبعدها ترسخ هذا التوجه الذي طبع مرحلة البداية ولفت الأنظار على فنان يراهن على التحليق خارج السرب.ليعيد للمغنى نبله وخصائصه وصفاءه و ليكلف نفسه عناء تطهيره مما علق به من شوائب وطحالب، شوهت روحه و معالمه.


و لأن إعلامنا ما عدا استثناءات معدودة، هو إعلام مأجورمسخر لغايات مغرضة إما سياسوية أو ربحية أو انتهازية يوحد بينها طابع الاستهلاك، فقد لاحقت هذا الفنان انتقادات ساخرة، من حيث اهتمامه بثيمة المكان، غير أن هذه العراقيل عرف كيف يواجهها بتحد و إصرار ليواصل مشواره، وليقدم لفئات واسعة من الجمهور غلالة من فنون التغني بمفاتن الوطن ، وعنده من أغاريد حول “شفشاون” و”تافيلالت،” مراكش بهجت ليام” ثم “وزان” و بعدها “زاكورة” “طنجة” والبقية تأتي.


لكن يجدر هنا التنويه استدراكا بأن هذا التوجه لم يكن السمة الوحيدة التي تطبع تجربة نعمان الحلو إذ تتعدد الاهتمامات لتضعه بحق في موقع ريادة من حيث العمق والتنوع بحيث لم يغفل الطفل ” لاله راضية يا مولاتي” كما الأغنية التي تعبر عن انتظارات المواطن “سيدي الوزير” و” وآدم الإنسان” وغيرها كثير مما لا يتسع له المقام. وسأكتفي بهذاالقدرحتى لا يطول الحديث بحيث ينآى بنا عن صلب الموضوع الذي أفردته لثيمة المكان في تجربة مبدع كبير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى