فن وثقافة

طقوس التفكير والكتابة في ظل طقوس كورونا وما بعدها…

محمد اديب السلاوي

-1-

اعتدت منذ سنوات بعيدة الامتثال للقواعد الاجتماعية في بيتي. اقضي بعض الوقت في الصباحات مع أبنائي وأحفادي، وأقضي الوقت الأكبر في المساء بمكتبتي، وأحيانا أخرى مع أصدقائي بالمقاهي أو بالأنشطة الثقافية والإبداعية بالمدينة، لذلك لم أشعر خلال الأيام الأولى من الإجراءات التي جاءت بها جائحة كورونا بالتعب أو القلق،/ “الحجر الصحي” يعني قضاء كل الوقت بالبيت مع الأسرة وعدم الاختلاط بالناس / لم اشعر بقساوة هذه الإجراءات، لأنها لم تحرمني من ممارسة نشاطي الفكري، فالحجر الصحفي بالبيت مع الأسرة، مع الإعلام السمعي البصري، مع منصات التواصل الاجتماعي كان يعني لي تنشيط الذاكرة،، تنشيط الخيال والتخيل والتأمل والعمل.

في اعتقادي أن الحجر الصحي، كما جاءت به قوانين كورونا، كان فرصة للعديد من الناس للتخلص من الضجر والفراغ عبر ابتكار أشياء مفيدة للبيت والأسرة والأبناء، إنها مناسبة مثلى لتقوية الروابط العائلية، وفرصة لتعديل هندستها، كما أنها مناسبة للكتاب والمبدعين لإنتاج ما يخلد في التاريخ.

يذكرنا التاريخ أن العديد من العلماء والمبدعين أنتجوا في فترات الحجر والعزلة والنفي إبداعات ونظريات لا يمكن للثقافة الإنسانية تجاهلها، نذكر من الذين أبدعوا خلال فترة الحجر والعزلة وليام شكسبير/فيكتو هيكو/ جيوفاني بوكاشر/ سالفدور روزا/ إسحاق نيوتن/ابن الوردي/علال الفاسي وغيرهم كثير.

ومنذ الأيام الأولى لهذا الحجر لاحظت انه نادرا ما احتل الخطر الناجم عن أي مرض عرفته بلادنا خلال العقود الستة الماضية هذا القدر من تفكير الناس واهتمامهم، لربما كان الإعلام السمعي البصري ومنصات التواصل الاجتماعي هي السبب..إنها تنشر أخبار كورونا على مدار الساعة، كلها تكرس تغطياتها الإخبارية وتحقيقاتها وتعاليقها للجائحة، وهو ما أدى /يؤدي إلي زيادة القلق بين الأسر التي كنت أتواصل معها بين الحين والآخر، إذ لاحظت ردة فعلها بالخيبة والخوف والاشمئزاز.

-2-

في الأسبوع الثالث من الحجر الصحي تغير شعوري تماما، أن الحجر ليس هو البقاء بالبيت كل الوقت، إنه يتجاوز تقاليدي الخاصة، إنه يعني أيضا حرماني من الأنشطة الفنية والثقافية التي تغدي العقل، أي المعارض التشكيلية، معارض الكتب، العروض المسرحية والموسيقية، المنتديات واللقاءات التي تبعت الحيوية في شرايين الذاكرة والعقل.

نعم، إن الحجر الصحي في أيامه الأولى نشط لي الذاكرة، نشط لي الخيال والتخيل، ولكنه عندما طال أمده أشعرني بقلق لم أعهده من قبل، أشعرني بالحرمان من متعة التذوق الإبداعي/حرمان البصر والبصيرة.

إذا كان البقاء في البيت إلى حين زوال الخطر الذي تشكله جائحة كورونا ضرورة يفرضها الواقع، أخاف أن يصاب عقلي في هذا الظرف الاستثنائي بالكسل، ذلك لان ما ينشط خلاياه وبصيرته بالقراءة والتفكير والإنتاج هو التواصل المستمر مع الثقافة والإبداع، هو التجاذب معهما، هو التواصل مع المبدعين والمفكرين والمثقفين، لذلك فان جائحة كورونا لا تشكل فقط خطرا على الصحة البدنية، ولكنها بالنسبة لي تمس الصحة العقلية والشعورية للكتاب والمبدعين وأهل الفكر أيضا، وهو اخطر بكثير من مس صحتهم البدنية.

كان سؤالي اليومي طيلة هذه الفترة القاسية، أي طريقة ستكون على الحكومة التي جاءت بقوانين الحجر الصحي لرفع قيود هذه القوانين والعودة بالحياة إلى وضعها الطبيعي
شخصيا أرى أن رفع القيود وإعلان نهاية الأزمة لن تكون قريبة أو سريعة بالقدر الذي اتخذت فيه قرارات الحجر والإغلاق والالتزام بشروط السلاَمة. أن الأمر يتعلق في نظر الأطباء وأهل الاختصاص بتطوير لقاح ضد فيروس كورونا القاتل، مما يتطلب الوقت الكافي.

يعني ذلك أن الأمر في هذه الحالة يتعلق أيضا بتخليص عباد الله من العادات الجديدة / عادات الحجر الصحي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى