الحلقة الواحدة والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل13 أبريل 2023آخر تحديث :
الحلقة الواحدة والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

الموسيقى: (الفصل الخامس):
“إن الحياة لا تحتفظ بنوع واحد من الفرص، بل هي تختزن العشرات، ومن الأفضل إذا ضيعت واحدة أن تبحث عن الأخرى، وفي مجالات عديدة”
اد باركـــر


أول أجر فني :
في بداية مشواري الفني الموسيقي، كونت مجموعة غنائية تقليدية من أربعة إلى خمسة أشخاص، بآلات موسيقية بسيطة ” الكمنجة، والبنادير والطعريجة”، على شاكلة نمط مجموعة “نجوم بوركَون”، كنا نذهب إلى الأعراس بالمنطقة “أولاد عبو، أولاد سعيد..والنواحي”، فقط من أجل الفن الذي يسكننا، من أجل الفرجة والتمتع بجو الحفل والأكل، وكان الأجر هو وجبة العرس الدسمة (كسكس باللحم البقري أو الغنمي، سفة أرز بالكاكاو، مرق باللحم البقري أو الغنمي أو بالدجاج، مشروبات غازية “ليمونادا”، فواكه..”، وما يجود به علينا الجمهور القليل بالحفلة من إكراميات نقتسمه بالتساوي بيننا.

رغم بساطة العائد الفني في تلك الفترة، كنا نشعر بأننا فنانين وتغمرنا سعادة، لكن ثمنا مغريا تسلمته من عائدات الموسيقى والغناء وأنا في سن المراهقة، ظل وسيظل راسخا في ذاكرتي، وذلك أنه خلال العطلة الدراسية لفصل الربيع سنة ألف وتسعمائة وواحد وتسعون، عملت بعرس بالمنطقة عند المسمى “حسن بن الواهلية” يتعلق الأمر بحفل زفاف أخته “حياة”، كان اليوم سبت، الجو ربيعي معتدل وجميل، قضيت النهار أشتغل بمنزل جدي رحمه الله بدوار “المهداوة”، حيث كلفت بتجييره من طرف خالي المرحوم “المرشود الحاج بوشعيب” الذي رممه وحافظ عليه، وقد سلمني مقابل ذلك مبلغ خمسون درهما، بدأت الجير من الساعة التاسعة صباحا إلى الخامسة مساء، ومن جراء هذا العمل سقطت بعيني قطرات الجير، ولما عدت إلى منزلنا استحميت وأكلت وكحلت لي أمي عيناي، واستسلمت للنوم باكرا، وحوالي الساعة التاسعة مساء قدم عندي المسمى “الشلخ مراد” وهو من سكان دوارنا وفي مثل سني، جاء رفقة ابن خالته “عبد الرحيم بن الواهلية”، على متن سيارته “سيارة الأجرة”، فأخبرني المسمى “مراد” أنه أتى عندي رغبة في مرافقتهم للمشاركة في حفل زفاف المسماة “حياة” ابنة خالته، اعتذرت له بدعوى أنني متعب والوقت ليل لجمع أفراد المجموعة، فألح علي أنهم يرغبون أن أحضر الكمان وأرافقهم لوحدي، فقبلت الطلب ولم أحدد معهما أي ثمن كون “مراد” ابن الدوار وصديقا لي، إلا أن “عبد الرحيم” مرافقه سلمني مبلغ مائة درهم، كانت بداية سعيدة ومبشرة بالخير، وكان أنداك مبلغا مهما بالنسبة لي كتلميذ بمستوى الثانوي، دخلت المنزل وغيرت ملابسي وغسلت وجهي وتأنقت ومشطت شعري الطويل الأسود، وحملت الكمنجة ورافقتهم إلى العرس، كان الحفل بمنزل ريفي منعزل يبعد عن دوارنا بمسافة خمسة كيلومترات تقريبا، وكانت الحفل مقام في مستودع حبوب “مكًازة”، كبيرة المساحة، وجدت الحفلة مملوءة بالنساء من مختلف الأعمار وبضعة رجال من أهل العرس، تقدمت إلى مجموعة من البنات اللواتي كن منشطات للعرس وبأيديهن آلات إيقاعية “بنادير وطعارج”، جلست وسط الحفل محاطا بالنساء، وبعد التحية والترحيب، أخرجت الكمان من جرابها، وسويت أوتارها، وشرعنا في التنشيط بمجموعة من الأغاني الشعبية، براويل عيطية من المرددات النسائية، “عيوط سواكن”، أغاني شعبية خفيفة الإيقاع سهلة العزف، وكان الجمهور كريما وسخيا معي حيث كانت الهدايا المالية تعلق لي بعنقي وعلى الكمان كالعادة، وكنت الوحيد المستفيد من إكراميات الجمهور كون مرافقاتي في الغناء لسن شيخات، أخذنا فترة استراحة تناولنا خلالها وجبة عشاء دسمة، واستأنفنا السمر والسهر الفني، وقد انتهت السهرة حوالي الساعة الرابعة صباحا، حيث نقلني المسمى “عبد الرحيم” على متن سيارته للأجرة إلى أن أوصلني أمام باب منزلنا، مباشرة جلست أمام باب منزلنا، وكان الصبح قد بزغ، فأخرجت الأوراق البنكية المالية والنقدية التي جمعتها من الحفل وسويتها ورتبتها، وبعد عدّها وجدت مبلغ تسع مائة وثلاثون درهما “930 درهم”، وكان هذا أول أجر مغري بالنسبة لي في ذلك الوقت، ويعد ثروة لشاب مراهق يدرس بسلك الثانوي، ومنذ ذلك الحين عرفت أن الفن كريم، كانت سعادتي كبيرة بهذا المبلغ سلمت مبلغ مائة درهم لأمي واحتفظت بالباقي، كفاني هذا المبلغ لأيام عديدة خلال فترة الدراسة بمدينة برشيد، بعد ذلك توالت مبالغ مالية فنية أخرى من مشاركاتي في السهرات الكبرى والمهرجانات والمواسم الفلاحية.

وأنا في بداية مراهقتي وريعان شبابي، كنت أقوم بأعمال موسمية شاقة متعبة بثمن مادي زهيدة، مثل : “المشاركة في عملية الحصاد بالمنجل للمحاصيل الزراعية “الفول، الجلبان، الذرة..” بمبلغ ثلاثون درهما حيث يبدأ العمل من الساعة الخامسة صباحا إلى ما بعد صلاة الظهر، وكنا نسميها ب”الظهرية”، وكنت أعمل في البناء وفي حفر الآبار بمبلغ خمسون إلى ستون درهما في اليوم، كما كنت أقوم بمهن موسمية بالسوق الأسبوعي؛ بيع تمار التين الشوكي، بيع الأكياس البلاستيكية والسجائر بالتقسيط، بيع الماء.. كل هذا كانت عائداته قليلة، لكنها كانت تساعدني في مصروف الجيب وشراء الكتب والملابس، وكان الوالدان سعيدان بي ويفرحان لهذه الأعمال، وفي المقابل كنت أعمل ليلة واحدة في الموسيقى والغناء مع المجموعة الموسيقية الرجالية أو مجموعة الشيخات، ليلة ممتعة ومدخولها مغري من مأتي درهم إلى خمسمائة درهم، ومع ذلك كان والداي لا يرغبان لي أن أكون فنانا مغنيا وموسيقيا. رحم الله والداي وأسكنهما فسيح جناته، كانا يعرفان أن الفن الموسيقي لا يضمن حياة كريمة للفنان، وخاصة فن الشيخات، كانا يفكران في مصلحتي، يريدان لي أن أتعلم حرفة أو صنعة أو أتابع دراستي من أجل الحصول على وظيفة أومهنة مشرفة محترمة اجتماعيا، وبالفعل تعلمت الخياطة، والكمنجة، والفلاحة والتجارة..ودرست واشتغلت موظفا بالدرك الملكي إلى أن حصلت على التقاعد النسبي وعدت من جديد لمزاولة هوايتي الموسيقية في فن العيطة، واستنتجت من تجربتي الحياتية أن أغلب الناس تحب المظاهر وتعبد المال، لا يهمها الحلال أو الحرام، ولا يهمها أن تكون صالحا أو طالحا، راشيا أو مرتشيا.. المهم عندهم أن تكون لك سلطة ويكون عندك المال، آنذاك يمكنك أن تكون فنانا وأن تعيش حياتك كما تشاء، لذلك تركت لأبنائي الثلاثة “محمد وبذرة وريحانة”، حرية اختياراتهم، وأدخلتهم إلى المعاهد الموسيقية ودرسوا الموسيقى حتى صاروا راشدين بالغين في سن الزواج، لكنهم رفضوا أن يكونوا فنانين موسيقيين وكل واحد له هواياته واهتماماته، وهم أحرار في توجهاتهم واتخاذ قراراتهم.

لم أعتبر نفسي يوما محترفا للفن والموسيقى بقدر ما أنا هاو إلى درجة العشق، عشق الفن والجمال والحرية والتعبير، فالفن بالنسبة إلي لم ولن يكن مهنة لكسب القوت بقدر ما هو مصدر للجمال، ومسيرة لإثبات الذات والنضال والاحتجاج والتمتع بالحياة.

Views: 8

الاخبار العاجلة