الحلقة السابعة عشر من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل9 أبريل 2023آخر تحديث :
 الحلقة السابعة عشر من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

الموسيقى: (الفصل الأول):
لا يعرفون عنك شيئا، ولا يعرفون ما قاسيت وما عانيت، ولا يعرفون شيئا عن صبرك الطويل، والإعياء، وعناء الطريق، ولا يعرفون ما هي ظروفك وماذا تريد، ولكنهم يتدخلون في قراراتك..
موركَان فريمان


فتحت عيني على الطبيعة، وسط بيئة قروية ريفية رعوية بامتياز، بسهل الشاوية ورديغة حيث منبت فن “العيطة المرساوية”، كنت أسمع أهازيج فن العيطة والأغنية الشعبية في كل مكان؛ أثناء الرعي في الحقول حيث الفلاحون يغنون الأغاني الشعبية و”البراويل”، وراء المحراث التقليدي وأثناء الحصاد الجماعي بالمنجل وخلف قطعان الماشية، وشعر “العيطة” هو نشيدي الأول وهو أول صوت فني يصل إلى ذاكرتي ويهز أحاسيسي،كنت أستيقظ باكرا على زقزقة الطيور وحفيف الأشجار وتغاء الغنم وخوار البقر.. وأحيانا كنت أنام ليلا على ركبة أمي على سيمفونية هدير المطحنة التقليدية (الرحى)، التي كانت أمي رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، تشغلها بيديها الناعمتين لطحن حبوب الشعير والقمح والذرة.. وهذه الطاحونة عبارة حجرة صلبة وخشنة من شقين أعلى وأسفل على شكل دائري مسطح تدور يدويا، حيث كنت أستلذ بهديرها وأمي تغني “براويل عيطية” لتحضير وجبة العشاء وحساء الفطور.

إن فن “العيطة” هو الفن الموسيقي الذي فتحت عليه عيني، لم تكن تصلنا موسيقى أخرى حيث لم يكن عندنا في تلك الفترة من سبعينات القرن الماضي جهاز تلفاز، وناذرا ما كنا نستمع للمذياع، وكانت مناسبات الأعراس والعقيقة والختان..وأحيانا خلال مساءات الأعياد الدينية والوطنية، كانت هذه المناسبات تحييها مجموعات الشيخات والثنائيات الشعبية تعزف على آلة لوتار والطارة “البندير” والكمان، والمزمار، وكذا “الزمارة” آلة النفخ المسماة “المكَرونات” مصنوعة من قصب وقرن ثور.. وكانت تأتي المجموعات الغنائية الموسيقية من كافة الإقليم من ضواحي بن احمد وبرشيد وسطات واولاد سعيد والدار البيضاء.. لتنشط حفلات بدوارنا أو بالدواوير المجاورة، وأتذكر من هذه المجموعات: “الشرفاء البهالة، سي أحمد ولد قدور، العونات، أولاد سي عيسى، أولاد شبانة، فاكس والمير، لبصير ومحراش عبد الكبير واللوز، ولد الصغير وولد فاطمة وسي أحمد البهلولي وفرق الشيخات من سطات وغيرهم..”، من المجموعات الغنائية التقليدية، حيث كانت هذه المجموعات تؤدي أغاني العيطة التراثية وأغاني شعبية خفيفة الإيقاع، تدور في فلك الواقع الاجتماعي وتحولاته، وخلال فصل الصيف كانت بعض فرق الشيخات ( المغنية) تتنقل عبر الدواوير على مثن الدواب أو على عربات مجرورة.. وغالبا ما تتكون المجموعة من أربعة أشياخ ذكور وأربعة شيخات إناث، يحملون معهم متاعهم من خيمة وأفرشة وأغطية، يجوبون المنطقة مرتحلين من دوار إلى دوار. وأحيانا كانت فرق منهم إضافة إلى الغناء تقدم عروضا مسرحية وثمتيليات وسكيتشات هزلية..، أتذكر منهم: ( مجموعة أولاد احمر، ومجموعة الربيب مجموعة أولاد الحوز)..وكانت الموسيقى الشعبية والعيطة تنشط مناسبات مختلفة منها: “حفلات النجاح المهني والدراسي، حفلات الأعراس بما فيها الخطوبة والهدية وليلة الزفاف، حفلات الخروج من السجن، حفلات الفوز في الانتخابات، حفلات العقيقة، حفلات الختان، حفلات العودة من الحج…”.
كنت شغوفا ومدمنا على مصادر الفرجة الفنية بالسوق الأسبوعي، مولعا بفن “الحلقة”، حيث كنت أتوسل وأبكي حتى يصحبني أبي معه يوم الجمعة إلى السوق الأسبوعي “سوق جمعة أولاد عبو” وكانت تسمى قديما ب “جمعة فوكو”، وكان هذا السوق به فضاءات للحلقة قرب رحبة البهائم ورحبة الحبوب وأحيانا داخل رحبة الغنم.. هذه الفضاءات المتربة كانت مسرحا لعدة سكيتشات وتمثيليات وأزليات وفرق موسيقية للثنائيات، وفنانين للعيطة بمفردهم.. حيث كانت تمتلئ بالفكاهيين الكوميديين أمثال: الثنائي الربيب والشرقاوي الذي كان يمثل دور “امي الهرنونية” كانا يجلسان متقابلين ويتبادلان حوارا ساخرا مشتركا بينهما، والثنائي لهناوات، وأتذكر جيدا الفنان الكوميدي وعازف الكمان “اخليفة” الذي كان يقدم فنه المسرحي الشعبي وهو يعزف على آلة كمنجة متهالكة، وكنت عاشقا شغوفا لهذا الحلايقي بالخصوص، الذي كان يستطيع أن يجمع الناس من حوله وهم وقوف، ويتنقل بهم من رحبة إلى رحبة وهم يتبعونه أينما حط جرابه بالسوق، وتجد فيهم من يحمل قفته أو حامل لفرخ حمام أو ديك، ولكنه يتوقف ليرى ويسمع ويضحك مع الضاحكين، ويساهم ويعطي من جيبه ما تيسر من نقود لهذا الفنان الضاحك المضحك. كما أذكر فنانين “حلايقية” آخرين منهم : “ولد القردة” و”بوغطاط”، والفنان الكوميدي “ولد فرس” الذي كان يمثل وكأنه أحد رعاة البقر الأمريكيين وكان يشبه كثيرا في ملامحه للممثل الأمريكي “دافييد براوون”، والثنائي العوني والبهلول، والفنان عبد الرحمن المزابي ودميته البلاستيكية التي يحاورها ويتشاجر معها وكأنها عشيقته، والفكاهي “بوشعيب الدكالي”، وحلقة “الرحالية” المرأة البدينة المسنة وابنها في الثلاثينات من عمره، وفرقتهم الموسيقية التي تؤدي وصلات غنائية من “عيطة الساكن” على نغمات المزمار ودقات البنادير والطعريجة، يعزفون موسيقى تتراقص عليها الأفاعي والثعابين” وكان ابن “الرحالية” يشرب الماء الحامي من المقراج..وحلقات الحكواتيين، وسط هذه الفضاءات عشت عالم الموسيقى وتأثرت به، وتشكلت ثقافني الفنية والأدبية، فظل ذلك راسخا في ذاكرتي، بالإضافة إلى دور الإذاعة الوطنية حيث كنت أستمتع عبر الأثير بتمثيليات فرقة البشير لعلج مع بوشعيب البيضاوي، وعبد الله البيضاوي و مسرحية “سيف دويزن” وجحا وحمارو وغيرها.

هذا الجو الفني الطبيعي التقليدي البسيط كون وجداني الفني، إضافة إلى ذلك فإن أبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، كان فنانا هاويا عازفا للبندير ضمن مجموعة فنية غنائية، “مجموعة البهالة”، كل هذا الفضاء الفني جعلني أعشق هذا الفن ( موسيقىالعيطة)، وأرتوي من متونه وموسيقاه، وأتذكر أن أول آلة كمان عزفت عليها كانت تقليدية الصنع عبارة عن مبيد حشرات مشدود بلوحة خشبية منجورة على شكل الكمان الأصلي وبها خيوط فرامل الدراجة الهوائية، وقوس من قضيب الزيتون وشعر ذيل الحصان، حيث كنت أرعى الغنم مع أخي بوشعيب وعمري أنداك تقريبا سبعة سنوات وكنت ألتقي بالراعي حسن المسكيني الملقب (سريويلة) هذا الأخير كان يرعي قطيع غنم المرحوم “الشلخ الحاج أحمد”، وكان في العشرينات من عمره، قصير القامة..كنا خلال فصل الصيف نرعى البهائم مجتمعين أكثر من عشرين راعيا كبارا وصغارا، حيث كنت حينها أرعى ماشيتنا رفقة أخي الكبير “بوشعيب”، وكان المسمى “حسن المسكيني” يعلمني العزف بطريقة عشوائية لأنه هو الآخر تعلمها بالتكرار والاجترار، وقد صرح لي بأنني سوف أكون عازفا ماهرا حيث أتذكر أن أول العيوط التي تعلمت عزفها هي السواكن (لباشاحمو، بن معاشو والعلوة و غيرها).. وكنت فخورا بذلك العزف رغم أنني لم أكن أتقنه، فالألحان التي كنت أوفق في عزفها هي الألحان البسيطة والسهلة..
ومقابل تعليمي كنت أساعد “حسن المسكيني” في رعي الغنم وأساعده حيث كنت أتنقل إلى منزلهم من أجل جلب وجبة الغداء وشراء السجائر من الدكان، وجلب فواكه التين الشوكي، إضافة إلى تعلمي من طرف رعاة آخرين كانت لديهم آلات كمان بدائية تقليدية الصنع، أذكر منهم: ( رحال ولد برحال، سعيد ولد لكبير الطيان، حسن المهداوي وحسن ولد لواهلية..)، وقد كنت آخذ منهم الكمان وأنا طفلا تقريبا في سن العاشرة، وأعزف عليها وبالمقابل كانوا يكلفونني برعي الغنم، إن أردت أن أستفيد من بعض حصص العزف، كانوا يأخذون مني الآلة الموسيقية التقليدية بدعوى أني لا أحسن العزف ويعزفون أمامي وأنا أتفرج عليهم، لكن الراعي حسن المسكيني كان بارعا في العزف ومتمكن من الآلة وهو الذي كنت أرافقه طيلة تواجدي في الحقول، خلال أيام العطل حيث كنت أوازي بين الدراسة وهوايتي الفنية.

ولد لذي هذا الحرمان الفني تعطشا كبيرا في دواخلي، وقد ازددت عشقا لهذا الفن بعدما أدمنت الإنصات إلى الأهازيج من الرعاة والحصادين في الخلاء، وكذا عبر أثير الإذاعة الوطنية التي كانت تذيع أغاني مشاهير العيطة أمثال: الفنانين: (بوشعيب البيضاوي والماريشال قيبو، شيخات سطات، شيخات واد زم، الشيخ صالح السمعلي والشيخة فاطنة بنت الحسين، الشيخة الزروقية والشيخة فاطمة الزحافة والشيخة بنت لوقيد وغيرهم..)، وقد صرت أتفنن في صنع آلتي الموسيقية بنفسي من علب المبيدات وأحيانا أحرق إناء المبيد “الطارو” ليصير صوته أحسن، وكنت أقطع خصلات من ديل الحصان لصناعة القوس، لكن كانت أمي رحمها الله تكسرها لي حينما أثير غضبها..كنت حينما يحالفني الحظ وأذهب إلى السوق الأسبوعي “يوم الجمعة” أتسمر بجانب بائع أشرطة الكاسيت لأحفظ جديد العيطة والأغاني الشعبية، وكان كلما احتاجني أبي أو أحد أصدقائي يجدني بالحلقة أو عند بائع الكاسيت.
وبعد ذلك صرت أقضي العطلة الربيعية والصيفية أرعى الغنم وأعزف الكمان، وقد التقيت بالمسمى “رتيق عبد الرحيم” أحد أبناء الدوار، وكان يرعى غنم عند السيد ” الشلخ بوشعيب”، والذي صنع لي آلة كمان من الخشب وتفنن في صنعها وكأنها آلة كمان حقيقي، رغم رداءة الصوت فكنت أشعر بنشوة وأنا أعزف وكأنني أعزف على آلة كمان حقيقية، ازددت تعلقا وتعلما بالآلة الموسيقية “الكمنجة”، ولما بلغت حوالي السنة الثانية عشر كونت مجموعة من أبناء الدوار (رؤوف سعيد، يعزف على آلة الطعريجية، وكل من “المعقول أحمد، والمعقول محمد ورؤوف المصطفى والمرحوم عمر” يعزفون على البنادر)،كنا نلتقي في الحقول بهدف الرعي ونتمرن وقت مورد البهائم بجانب البئر، أو وقت القيلولة تحت أشجار النخيل بواحة بئر “امخيص”.. ثم نلتقي في الليل ونجتمع بجانب النادر أو بجانب الحانوت وسط الدوار، حيث كنا نجتمع للغناء ويلتف حولنا الجمهور، وأول جمهور شجعني كان من شباب ورجال الدوار، هذا ينوه بأدائنا وآخر يوجه نقدا، وثالث يهدي لنا مشروبا غازيا “مونادا”، ورابع ينفحنا مبلغا ماليا على بساطته.. وأتذكر بحنين بيت المرحومة “رحمة”، بعد وفاتها رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، بقي المنزل شاغرا بوسط الدوار، فصرنا نجتمع به حيث يتكدس الجمهور داخل هذا البيت القصديري، المطر يهطل والقطرات المائية تسيل من ثقب السقف القصديري، غليونات الكيف ” السباسا” تدور بين الحاضرين ،كما تدور كؤوس الشاي وأحيانا الخمر.. ونحن نعزف الأغاني الشعبية والعيطية إلى ما وراء منتصف الليل، وبالموازاة مع هذه الأنشطة الموسيقية التقليدية، كنت أشارك خلال الموسم الدراسي في الأنشطة الفنية خلال المناسبات الوطنية: (عيد العرش، عيد المسيرة الخضراء، عيد الاستقلال)، فكانت هذه الاحتفالات الوطنية بمثابة أعراس ومهرجانات، وصرت خلال الحفلات والأعراس بالدوار أشارك المجموعة المنشطة (الشيخات) العزف والغناء، إذ كان يتدخل لي صاحب العرس عند رئيس المجموعة الغنائية “الشيخ” ويشجعني الجمهور،كما كنت أشارك ضمن مجموعة خلال سهرات الأعياد الوطنية بالمدرسة، وعرفت بالدوار وضواحيه أنني عازف على الكمان.
كانت القاعدة المعتمدة في التدريب على العزف والغناء تعتمد على التكرار والاجترار، وكان التعلم يعتمد على التدرج وخاصة في العيوط الكلاسيكية الصعبة التي كنا نحفظ منها أجزاء فقط، حيث كنا نلقن الغناء أو العزف من طرف الشيوخ رعاة كانوا أو غيرهم، في صورته المبسطة وذلك عن طريق محاكاة الشيخ المعلم، وبعد أن يتقن المتعلم ذلك، كان يلقن الزوائد والزخارف الموسيقية ” الزواق” التي تتطلب مهارة أكبر في الأداء.

كان الجمهور المستهلك لفن العيطة يلقب عازف الكمان الحافظ لبعض العيوط الكلاسيكية من فن العيطة (العبدية، المرساوية، الحوزية، الملالية، الزعرية والجبلية.. )ب” الشيخ”، ويقال في مدحه “شيخ شكارته عامرة” أي أن جعبته مليئة بالفن الموسيقي، وكنت حينها أشعر بنشوة وأنا مازلت شابا وينادون علي في العرس وحتى بالسوق بلقب “الشيخ” .
كانت السلطة تبالغ كثيرا في الاستعداد لحفلات عيد العرش وباقي الأعياد الوطنية، التي كانت بمثابة عرس وطني؛ حفلات موسيقية، فرق غنائية وشيخات في كل مكان، الكل يساهمون في الحفلات : حفلة الخضارين، وحفلة الجزارين، والحرفيين، خيام مبنية بالشوارع ووسط الأزقة.. رايات، لافتات، إنارة الكترونية بألوان الطيف، كانت قريتنا “أولاد عبو” رغم ضعف بنيتها التحتية تتحول إلى عرس كبير يقصدها البديون للترفيه خلال تلك الاحتفالات الوطنية، وكانت مدينة “سطات” تصبح مهرجانا كبيرا مفتوحا على الهواء الطلق، حيث كانت الدراسة تتوقف أياما طويلة قبل يوم الاحتفال ويتم الاكتفاء بالأنشطة الفنية والثقافية، إذ ينهمك الكل في تحضير ما سيقدمه خلال المناسبة من أناشيد مدرسية وطنية من قصائد شعرية، أمسيات أدبية ومباريات رياضية، كما أن بلدتي “أولاد عبو” التي كانت تسمى فيما قبل ب “جمعة فوكو”، كانت حينها تلبس حلة جديدة، الشوارع منظفة، لافتات ورايات على واجهة المتاجر وكان الاستعراض يتم أمام باب القيادة حيث تقام خيمة كبيرة” خيمة القايد”، وإلى جانبها خيام أخرى ويجلس في الصدارة القائد ورئيس المجلس القروي، ومسؤولي الدرك الملكي ورجال القواة المساعدة ورجال السلطة المحلية وباقي المدعويين ليشاهدوا ويتفرجو على وصلات استعراضية من فن الفروسية التقليدية “التوريدة”، واستعراض المؤسسات التعليمية “الديفيلي” الذي يستمر لساعات احتفاء بالمناسبة الوطنية، وكنا نتنافس من أجل أي مدرسة سيتم التنوية بعملها، كان الجميع يتنافس لإظهار حفاوته وترحابه وفرحه بالمناسبة الوطنية السعيدة، حيث كان يتم استدعاء فرق الشيخات، فكانت تغني وترقص أياما قبل يوم العيد الوطني أحيانا دون مقابل، لتكتفي بالمؤونة وأحيانا كانوا يرغمون للعمل المجاني كلما حل العامل أو بعض الضيوف الرسميين ويهددونهم بالسجن إن هم رفضوا الغناء في المناسبة، وأظن أن هذا كان من اجتهاد الرؤساء المحليين كرئيس الجماعة و القائد بدعوى تلفيق تهمة “عدم الفرحة للاستقلال” حيث لا وجود لهذه التهمة بتاتا، وكانت الفرق الغنائية الموسيقية تفتخر وتعتز بذلك. كان الفنانون يفتخرون بشرف استدعائهم لتنشيط هذه المناسبات الوطنية..

– غادين نخدموا في عيد العرش كَدام القايد ولاجودان ديال الجدارمية.
خلال صيف 1987 وأنا أتجول بالسوق الأسبوعي لجمعة أولاد عبو”فوكو قديما”، تقدم إلي المسمى “حسن بزيويطة” وهو من دوار المداحة، وشرع يجاملني ويثني على مهارتي في عزف العيطة وجمال صوتي في الغناء، وأنه معجب بي واقترح علي أن يبتاع لي كمانه و بدعوى أنه يريد شراء آلة جديدة، وبالفعل اشتريت أول آلة كمان حقيقية منه بمبلغ ثلاثمائة درهم (300 درهم)، حيث ذهبت على متن الحمار بعدما بردعته بالبردعة و”الشواري”، إلى دوارهم الذي يبعد عن دوارنا بمسافة ثلاثة كيلومترات تقريبا، ولما تسلمتها منه كانت فرحتي كبيرة ولا توصف، لا أتذكر وأنا على ظهر الحمار عدد المرات التي فتحت فيها الحقيبة وتفقدتها،لكن أمي وأبي لم يرقهما ذلك، و كيلا لي السب والشتم:
و أتذكر من بين ألفاظ سخط أبي علي في ذلك المساء:
– يا المسخوط هزيتي الشواري والبردعة نسحابك غادي تحطب، ساعة مشيتي شريتي كمانجة، باغي تولي شيخ، باغي تبقى سارح، غادا تلفك الكمنجة على قرايتك .
وقد سمعت من الوالدين رحمهما الله مثل هذه العبارات مئات المرات، وضرباني على تعلم الكمان والغناء، لكن عزمي وإصراري كان أقوى، لذلك استسلما وأدعنا في الأخير لرغبتي وتركاني وشأني، كانا رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته يعرفان أن حياة الفن محفوفة بالمخاطر، ولا يمكن للفنان أن يعيش عيشة كريمة من الفن لوحده.

وخلال سنة 1988 جاء أخي “عبد القادر” بمناسبة عيد الأضحى وهو يعمل خياط تقليدي للنساء بمدينة الدار البيضاء،كما أنه يجيد العزف على آلة البندير، وبمناسبة العيد وبعد حصة ركوب الخيل مساءا “احتفال الفروسية التقليدية”، أحضر شباب الدوار مجموعة غنائية موسيقية “رباعة الشيخات”، وقد بدأت الفرقة المنشطة في الغناء ولم تمر سوى ساعتان حتى أعلن أن الشيخ عازف الكمان مريض بالمعى الغليض، ويرجون إن كان شخص يحسن العزف على الكمنجة فتقدمت فرحا وبتشجيع من الجمهور وكانت أول مناسبة أعمل فيها مع مجموعة متكاملة أربعة رجال في الإيقاع وأربعة شيخات، مر الحفل بهيجا بحضور جمهور كثير بسبب تواجد المهاجرين إلى المدن والمهاجرين من الجالية بالخارج بالدوار بمناسبة العيد، وانتهت الحفلة حوالي الساعة الخامسة صباحا سلمني الشيخ مبلغ مائة درهم أتذكرها أوراقا بنكية من فئة عشرة دراهم وعشرون درهما، وقد عددتها مرات عديدة خلال النهار، وكانت صدفة أنني كنت أرعى قطيع غنم المسماة “الشلخ رقية” بنت الحاج عمر مقابل مائة درهم للشهر، هنا تساءلت مع نفسي، ليلة واحدة جميلة ورائعة بنفس ثمن شهر من الرعي وسقي الماء وتعليف الخرفان.. آنذاك عرفت أن الفن ممتع وكريم، من جراء هذا صارحني أخي عبد القادر أنني تمكنت من العزف على الكمان وأكد لي بأن أكون مستعدا للالتحاق به بمدينة الدار البيضاء بسيدي معروف أولاد حدو لتكوين مجموعة غنائية ومساعدته في أعمال الخياطة التقليدية.
كنا حينما نسمع بوجود عرس بالمنطقة تحييه مجموعة للشيخات أو وجود الشيخات المتنقلات “رباعة المغنيات”، ولو لمسافة تصل أحيانا إلى عشرة كيلومترات نقطعها مشيا على الأقدام أو راكبين على الدواب، نذهب للسهر والاستمتاع بموسيقى العيطة والأغاني الشعبية والاستمتاع بفن الشيخات، حيث كنا نعمد بالليل إلى سرقة البهائم (خيل، بغال، حمير)، ونركب عليها نقضي الليل في السهر والسمر الفني مع الشيخات ثم نعود في الصباح الباكر حيث نترك البهائم في الخلاء أو نعيدها إلى مرابطها بالبيادر..
 

الاخبار العاجلة