فن وثقافة

الملحمة الكوميدية، في الأيام الكورونية

عبد المجيد فنيش
الجزء الاول
أيام آمل حياتي، و سواح

إذا كانت الحاجة أم الاختراع، فإن المأساة أم الكوميديا،، إذ أن من رحم الهم والغم والكرب، تنبعث أجمل التعبيرات التي تبدل الحزن انشراحا.

و قد أكدت كل النوازل التي عشناها نحن مواليد السنوات الأولى لاستقلال البلاد، أن الهم كلما استشرى في النفوس ، إلا و رافقته في خط متوازي السيدة النكتة الساخرة ، التي تحول لوحة الوجوه العابسة ، إلى سمفونية قهقهات مديدة الصدى الذي لا يتوقف إلا بقولنا : الله يخرج هاذ الضحك بخير….آمين.

هكذا نحن، لنا قدرة خارقة على تحويل المبكى إلى لحظة ابتهاج، حتى أن البعض يقول في مغربنا: جثمان الميت يأبى الخروج من دار المأتم إلا بعد سماع ما يضحك.

مواليد السنوات الأولى من الاستقلال( الذين دشنوا أيامهم الأولى في التقاعد الآن) ، يتذكرون أن بلادنا عاشت استنفارا ضد وباء جلدي بعد حرب 196 ، و الأمر هنا يتعلق ب الجرب, هذا الويل المعدي ، الذي تصبح به الأجساد من الرأس إلى القدمين رقعة دمامل دامية، كلما تم حك إحداها ، إلا وتناسلت العشرات على يمناها و يسراها.

إنها ( الجربة) أو ( الحكة) ، التي تزامن تفشيها مع ظاهرة إرتداء الفتيات ل ( الصاية فوق الركبة)+ Mini jupe+، فتم التخلي بسرعة عن ( الصاية المقزبة) ، و ارتدت البنات السروال.

و قد كان من الطبيعي أن يتحول الغم إلى بسمة، فكان أن أطلق المغاربة اسم( أمل حياتي) على هذا الأرب الذي ظهر متزامنا مع انتشار اغنية (امل حياتي) للسيدة أم كلثوم .

ويتذكر بعضنا ، كيف ونحن صبية ، نردد تلك اللازمة القائلة:..أمل حياتي …حك ..حك بلاتي،
(بلاتي تحريف لتعبير بالتي هي أحسن).

و كم أبدعنا حينها من حركات جماعية -قد تكون رقصة إن وجدت من ينسقها بمهنية- ، نظهر فيها بحس فكاهي ، كيف يحاول الناس إخفاء الحركات غير الإرادية للنبش في الدمامل الموجعة، ما ظهر منها و ماخفي.

و نتذكر كذلك مرض الرمد ، الذي أصاب عيون المغاربة أجمعين، مع بداية سبعينيات القرن الماضي، و كنا قد أطلقنا عليه اسم ( سواح ) ، موازاة مع انتشار الأغنية الشهيرة لعبد الحليم حافظ ( سواح).

غنينا أيامها في أزقة سلا وعيوننا دامعة منهمرة : سواح.. وباش نمسح عيني؟..
سواح.. و باش نغسل يدي؟.

هكذا ، هي المآسي تلد الوجه الآخر من العملة، إنه وجه السخرية من الحدث ، في محاولة للانتصار عليه نفسيا على الأقل.

وإن هذا ما يحدث الآن في زمن كورونا ، و من ثورة التواصل الاجتماعي.

أسأل الله أن ييسر لنا زمنا، للوقوف عند ثنائية المأساة والملهاة في واقعة الكوفيد 19.

نلتقي في لغو قريب إن شاء الله.
سلا / 10 ابريل 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى