( عيد الحب، بضاض يرشي) لشيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل10 فبراير 2023آخر تحديث :
( عيد الحب، بضاض يرشي) لشيخ العيطة الحسين السطاتي

  شيخ العيطة الحسين السطاتي

تفصلنا أيام قليلة على حلول ذكرى عيد الحب، أو عيد العشاق، أو يوم القديس “فلانتاين” وقد نسميه عيد “بضاض” أو عيد “الربطة الزغبية”، إذ صح التعبير بلغتنا الدارجة العربية المغربية “العروبية”، هذا العيد الذي يحتفل به كثير من العشاق عبر العالم في يوم رائع عشر فبراير من كل سنة، يخلدونه برموز حمراء تحمل كل معاني الحب والرومانسية والهيام، ولكل مجتمع طريقة احتفاليته بهذه المناسبة، لكن يبقى اللون الأحمر اللغة الموحدة بين كل الشعوب.
وقد بدأت صور العشق والغرام ورسائل وبرقيات التراسل العشقي تغزو هذه الأيام مواقع التواصل الاجتماعي وعبر تطبيقات التراسل الفوري، كما أخذت بعض المحلات التجارية الكبرى منها والصغرى في بعض المدن تستعد لهذا اليوم بما فيها: دور الأزياء، ومحلات بيع الورود والزهور، ومحلات المجوهرات، وبيع العطور، ومتاجر بيع الهدايا..وزينت واجهات وداخل بعض المطاعم والمقاهي باللون الأحمر الأرجواني..لاستقبال المحتفلين بهذا العيد، وفيه يتبادل المتحابون هدايا تختلف في الأشكال والأنواع والقيمة الرمزية والمادية، ويوحدها اللون الأحمر القاني، ذلك اللون الذي يمثل الإثارة والإغراء، إذ يشكل بالنسبة لهم لون الحب، فكل القلوب المغرمة تنبض في هذه الذكرى حبا بشعور رومانسي رائع يتوج باللون الأحمر القاني المثير للانتباه، احتفاء واحتفالا بتخليد ذكرى الموت، بل القتل بالإعدام وسفك الدماء بطعم الحب، وذلك حسب الأسطورة الروائية التي تُروى من بين روايات أخرى بأن سيدهم القس “الفلانتاين”، كان يعيش تحت حكم الإمبراطور “كلاديوس” الثاني في أواخر القرن الثالث الميلادي، وقد لاحظ الإمبراطور أن الأشخاص العزاب أكثر صبرا وإقبالا على خوض الحروب عكس المتزوجين الذين يرفضون الذهاب إلى المعركة، فأصدر أمرا بمنع عقد أي قران، غير أن القس “فلانتاين” كان له رأيه، فعارض أمر الإمبراطور واستمر في إبرام عقود الزواج بين الأشخاص المتحابين سرا إلى أن تم اكتشاف أمره، وقد حاول الإمبراطور السماح له، ومقابل العفو عنه طلب منه الخروج من إيمانه المسيحي والدخول في الوثنية بعبادة آلهة الرومان، لكن القديس “فلانتاين” رفض ذلك وتشبت بمبادئه وآثر التمسك بدينه، فتُفذ فيه حكم الإعدام بتاريخ رابع عشر فبراير، وكانت هذه بداية الاحتفال بهذا اليوم احتفاء لذكرى القس الذي دافع عن حق المتحابين في الزواج والحب.

ونجد المغاربة يتعاملون بشكل متباين مع هذا العيد، أو بالأحرى مع هذه المناسبة، وتتفاوت وجهات النظر بين مؤيد ومعارض، وبين المدينة والريف، هناك من يذهب بأن هذا العيد بدعة النصارى ولا يحق لأي مسلم أن يحتفل به، وهناك من يرى بأن هذه المناسبة مثل أية مناسبة أخرى تخصص للاحتفال وإدخال البهجة والفرحة على القلوب بدون أية خلفية دينية، وهناك من لا يرى مانعا في الاحتفال بمنسابة “سان فلانتاين” بدعوى أنها ذكرى جميلة يستطيع فيها الناس أن يعبروا عن مشاعرهم ويقدمون الهدايا لمن يكنون لهم الحب والمودة، وتروج التجارة وينتعش الاقتصاد.. كما أن هناك من يجدها فرصة تقرب بين الأصدقاء والأهل والأحباب وتنسيهم لحظة الخلاف وهي مناسبة للصلح.
وبالمناسبة تذكرت نهاية ثمانينيات القرن الماضي، لما اشتغلت “شيخ كومنجي” مع مجموعات للشيخات ( ثلاثي سطات، شيخات سطات، ثلاثي لقصارة…)، حيت كنا نحيي الحفلات والأعراس..فحتى لون طلاء آلة الكمان غالبا ما يكون أحمرا، وقد اختاره العالم الفنان صانع آلة الكمان الشهير الايطالي “ستراديفاريس” ليخلد به حبه، ويُزعم أنه خلط دمه بدم حبيبته وصبغ به آلاته..كما كانت لكل واحدة من الشيخات اللواتي عملن معي قصة حب فاشلة، أو زواج قسري دون حب من شيخ عجوز جعلها تثور على قرار عائلتها، وتتمرد على العادات والتقاليد، وتمتهن حرفة “شيخة”. كارهة للحب وعيده، ورغم أن حناجر الشيخات تصدح بأغاني الحب والغزل والأيروسية.. فهن كالهاربات من الجمر إلى النار، وأغلبهن يجمعن على أنهن كن ضحايا ما يسمى ب”الحب”.
وتعود بي الذاكرة سنين إلى الخلف، واستحضر لما كنت دركيا ضابطا للشرطة القضائية رئيسا للدوريات، باحثا ومحققا في قضايا مختلفة، فكنت أداهم رفقة زملائي في العمل وكرا بل أوكارا للدعارة، حيت كانت كل وسيطة في البغاء “قوادة” تحتجز بمنزلها عدد من النساء منهن القاصرات، يبعن أجسادهن في سوق النخاسة الحديثة، دعارة مقرفة، يمارسن الجنس أحيانا مرغمات ليل نهار، وحتى وهن حائضات، في وضعيات شاذة مرضاة لرغبات زبون مكبوت متعطش لسادية جنسية. كنا نعتقل المتورطين في الجريمة ذكورا وإناثا، كل حسب التهمة المقترفَة، وكانت النساء المعتقلات يصرحن ضمن أقوالهن أثناء الاستماع إليهن، أنهن ولجن عالم الدعارة عن طريق صدمة الحب، بل “كذبة الحب”، عشق فاشل أو ممنوع، كن فتيات حالمات، طائشات، غرر بهن من طرف رجال بل ذكورا أشباه رجال عديمي المسؤولية، أوهموهن بكلمات معسولة ووعود كاذبة، وبحب مزيف لا يفرق بين العاطفة والجنس، كذبوا عليهن، مستغلين يفاعة عقولهن، وضعفهن المادي والمعرفي، وزجوا بهن في مغامرات تكبرهن سنا، حتى نالوا مرادهم وتخلوا عنهن بعدما فقدن شرفهن، وكدن أن يفقدن عقولهن.

وتذكرت وأنا أقوم بتحريات ومعاينات في جرائم العثور على أطفال حديتي الولادة مرميين في أكياس بلاستيكية للأزبال أو في حاويات للقمامة، أو متخلى عنهم على ضفاف أنهار أو مباني مهجورة..منهم من قتلته ومزقته الكلاب والقطط الضالة، ومنهم من وجدناه حيا ونقل إلى مؤسسة خيرية أو دار أيتام..وحينما كنت أصل إلى الأم الفاعلة، كانت تنهار باكية معترفة أنها أحبت من لا يستحق حبها. مقرة أنها انخدعت في شخص كاذب، أوهمها أنه يحبها، وتنكر لها بعدما خفق له قلبها وسلمته جسدها قلبا وقالبا، وحتى الذكور المتهمين كانوا ينكرون علاقتهم بتلك النساء الأمهات العازبات المتورطات في رمي فلذات أكبادهن.
وتذكرت وأنا ضابط أبحاث جنائية ومحقق في جرائم قتل بشعة بسبب الخيانة الزوجية، كان أبطالها عشاق من الجنسين، آمنوا بالحب الممنوع، كان أوله عسل وآخره بصل بل قتل، مصدقين ومؤمنين بعبارة “ومن الحب ما قتل”.ذلك بسبب الفهم الخاطئ للمعنى الحقيقي للحب.
وتذكرت وأنا أجري بحثا بل أبحاثا، وألتقط صورا فوتوغرافية لضحايا جرائم الانتحار من الجنسين، سواء عن طريق الشنق أو تجرع مادة سامة، أو إلقاء الشخص بنفسه من أماكن عالية…، وبعد البحث يتضح أن الانتحار كان نتيجة حب مزيف “صدمة خيانة حب”. وأحيانا يترك المنتحر رسالة يدبجها بعبارات وألفاظ غرامية وجدانية يهديها لمن كان أو كانت سببا في عذابه وموته.
ورغم ذلك نجد أن الناس يعشقون حكايات الحب ويطربون لسماعها، لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا أبطالها الحقيقيون، بل يفضلون أن يكونوا أبطالا حالمين، فأغلبهم يريد أن يعيش الحب لكنه يخشاه، لأنه سر غريب، يتمنى الإنسان أن يعيش الحب إلى الأبد، ويتخوف منه في نفس الوقت، ويستعذب قصصا حالمة رومانسية، لكن الكثيرون لا يلتزمون مع من يحبون، ولأن الحب كذلك، يرتبط لدى الأفراد بفزع عوض أن يتحول إلى فرح، فالكل يخشى زوال الفرح، وليس الحب أن نحصره بين رجل وامرأة، ومنابع الحب كثيرة، علينا أن نحب ذاتنا، أن نحب حياتنا كما هي، أن نحب الآخر في الله.. وقديما قال الفيلسوف هوراس:”أقطف يومك بحب، لأن اليوم يزول، ويتلاشى وقد لا يعقبه يوم آخر”، وقال أيضا الفيلسوف المصري الدكتور إبراهيم الفقي: “عش بالحب، عش بالأمل، عش بالإيمان، عش بالكفاح، عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك وقدر قيمة الحياة”.

وبصفتي حاليا فنان شعبي شيخ للعيطة، كومانجي ومغني ل”رباعة الشيخات”، فإن عبارات وألفاظ الحب الايروتيكي هي الطاغية كثيرا في المتن العيطي، وأستحضر منها مقطعا من عيطة “اللي بغا حبيبو”:
بيني وبين غزالي…جمعنا حب كبير
وبيني وبين العالي…ما نحتاج وزير
ويريد الشاعر الشيخ العيطي أن يوضح أنه صادق في مشاعره أتجاه المحبوب المعشوق، وحبه له كبيرا، كما يبين في البيت الثاني أن تدينه وعلاقته بخالقه تهمه لوحده، ولا يحتاج فيها إلى وسيط أو وصي..وأنا شخصيا لست ضد الحب، فالحب في ديننا الحنيف “الإسلام” حب يتسم بالايجابية ويتحلى بالالتزام، فلا يكفي أن تحب بالمظهر الجميل وبالهدايا الغالية والثمينة والملففة بالأحمر الأرجواني، ولكن ينبغي أن تحب الروح الأخاذة والذات الرائعة، ومن الجميل أن يكون ضمن أجندة مناسبات الشعوب بمختلف أجناسها، ألوانها، عقائدها ودرجات ازدهارها..على الأقل يوم يخلد لأعظم رابطة يمكن أن تجمع بين رجل وامرأة وهي رابطة الحب، وليس الحب مقتصر في كلام معسول أو لون أحمر أو قرمزي، ولا في قطعة قماش بلون الدم نرتديها لهذه المناسبة.. والحب الحقيقي بين الرجل والمرأة هو الذي يكون في الحلال، وهو من شيم الكمال وليس من صفات النقص، ومن شروط الحب أن يكون ضمن رضا الله وتحقيق أوامره، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن يسير هذا الحب في اتجاهه الطبيعي من غير غلو أو مبالغة، كما ينبغي أن نفرق بين الحب والجنس، بين ما هو عاطفي وجداني طاهر وما هو مادي نجس، فالحب مشاعر نبيلة خالصة طاهرة، هذا الرباط المقدس الذي ما فتئت تتغنى به أشعار الشعراء وألحان الموسيقيين وأفلام السينمائيين، وتصدح به حناجر العسكريين بالأناشيد الوطنية الحماسية، وعيوط الشيخات الأيروسية.. ولم يفارق ديننا الحنيف المحبين، ولم يطارد بواعث العشق والهوى في النفوس، ولم يجنح لتجفيف منابع العاطفة، بل على العكس، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “لم ير للمتحابين مثل النكاح” وقال (ص ) في حديث آخر: ” اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك”.
لأجل ما سبق ذكره، فأنا لم، ولا، ولن أحتفل بهذا اليوم، أو بالأحرى هذا العيد “الفلانتان”، بصفتي بدوي قادم من ريف ناء من أرياف الشاوية بسطات، فتنشئتي الاجتماعية وثقافتي الريفية تأسرني رغم محاولاتي تصنع وتمثيل التمدن والعصرنة، أخجل حتى أن أبوح لمن أحب بكلمة “أحبك” “كنبغيك” ولو على سبيل التمثيل، لأن تنشئتي ريفية.. رغم أنني أذوب عشقا وهياما، محبا ومحبوبا، لكني في المقابل أبرهن على ذلك بالأفعال، ومن الجميل في الصدفة أن اسمي العائلي “المحبوب”، وبالنسبة إلي ليس الحب أن أحصره وأتذكره بل أخلده في يوم واحد، ولا بلون أحمر أو بنفسجي ولا حتى القرمزي، الحب هو دوام على سائر الأيام: حنان، وفاء، مودة، تضحية وإخلاص للمحبوب، أعتبر أيامي كلها حب، فليس بالضرورة أن يأتي ما يسمونه “عيد الحب” كي أعيش هذا الشعور، فأنا أعيش الحب دائما مع زوجتي بحسن المعاشرة والمودة والسكينة، ومع أبنائي بالعطف والحنان، ومع أصدقائي بالوفاء والإخلاص..فالحب في نظري يكمن في الشحنة الايجابية التي يحملها الإنسان بداخله، وفي العطاء الذي لا يبخل به عن الآخر….

أجل أنا مغرم: أحب ديني، أحب وطني، أحب ملكي، أحب زوجتي، أحب أبنائي، أحب العيطة، وأحبكم سيداتي، آنساتي وسادتي..وبصفتي شيخ ممارس لفن العيطة، كومنجي لرباعة الشيخات..أستحضر الشيخة وهي تغني أمامي على صوت الكمنجة النادب النائح، وهي تصرخ وتصيح بأعلى صوتها، بألفاظ وعبارات الحب والهيام في عيطة “الحساب الزعري” من العيطة الزعرية، ولا أدري أحبت تلك الشيخة أم كرهت، أغنت أم بكت، وهي تغني والدمع في عينيها يترقق وحبالها الصوتية توشك أن تتمزق وهي تعيط غائبة عما حولها ولا تعي بما تنطق:
خليوني نشرب….من دموع الحب
كيف ندير يا حبـــــــي..ايلا عفى ربـــــي
ايلا شفتي دموع تطيح…عرف الحب صحيح
الربطة الزغبية…..دارتها بيا
كيتي في كَاشوشي…..بضاض يرشي
ونقفل هذا الباب بخاتمة “سدة” من العيطة الحوزية : كتحبني… وكنحبها ..كنتحابو
وعليه لن أقول لكم عيد حب سعيد، لكن سأقول لكم: أنتم الحب لكل عيد، وتحية حب من المحبوب إلى الجمهور الحبيب.

الاخبار العاجلة