فن وثقافة

رشيد الياقوتي يكتب : كورونا.. عصر جديد

رشيدالياقوتي
المسؤول عن الصفحة الثقافية بجسر التواصل
لم نكن في حاجة لحجر صحي لأننا في الواقع كنا نعيش حجرا فكريا و نفسيا بسبب حالات الانغلاق والحجر الفكري و العقدي التي تعيشها اغلب المجتمعات المصنفة “مسلمة” بصفة خاصة، كان لابد إذن من رجة نفسية قوية لخلخلة للمفاهيم التي تحجب عنا رؤية العالم بصورة واضحة و واقعية، هذه الرجة لم تجئ في صورة المهدي المنتظر بل بالعكس حلت بنا على نحو غير منتظر ولا هي جاءت في شكل بيان تذيعه حركة ثورية جديدة، ولا هي انقلابات شعبية او عسكرية زلزلت أركان الدول. فلا هذا ولا ذاك الرجة احدثتها كائنات مجهرية نسمع عنها ولا نراها بالعين المجردة، نتهيب خطرها ولا نستطيع محاربتها بكل الاساطيل والجيوش التي تملأ الارض، الرجة شلت قدرات العالم ووضعت الدول أمام تحديات وجودية تتجاوز الهلع الذي تسببه الأزمات الاقتصادية، إذ أضحت البشرية مهددة في وجودها و أضحت في سباق مع الزمن لضمان استمرار النوع البشري في الوجود على اليابسة، الشعوب من جانبها أصبحت تتحسس شبح الموت الفجائعي المرتقب في أي لحظة وحين. إننا أمام تجربة إنسانية وجودية غير مسبوقة، كنا نعتقد دوما أن الكوارث العظيمة تهم الآخرين، وأننا في مأمن منها، محصنين بدولنا ودساتيرنا وسياداتنا واقتصادياتنا… لأول مرة يتهددنا عدو ينجح في اختراق انظمتنا الأكثر حصانة والأكثر مناعة.. لقد بات جليا أن جائحة كورونا وضعت الشعوب كما الأنظمة جميعها في منزلة واحدة وقربت الإنسان من فطرته المشاعية المجبولة على الخوف والتمسك بالحياة، لأول مرة يتخلى الإنسان عن جملة من الكماليات وهوامش رحبة من الحريات التي كانت قبل أسابيع تشكل عصب الحياة بالنسبة له ولا يتصور العيش بدونها. نحن في حال من الاكتفاء بالممكن و المتاح وحال من التوجس حيال المتغيرات والمستقبل الذي صار أقل ضبابية. حال من الانتظارية المقيتة المشوبة بالخوف والحذر. غير أن كل تجربة إنسانية مهما كانت درامية فهي تحمل في طياتها ما ظهر منها وما بطن ملامح مشرقة إذ تجتاح الإنسان حالة من الصفاء الذهني تحمله إلى مدارج عالية من التأمل والتفكر في الذات والوجود. إننا نصبح أكثر عمقا وأكثر هشاشة في آن واحد. ننشغل للحظات بالأشياء التافهة والتفاصيل التي كنا ننشغل عنها ونحن ماخوذون بتقلبات الحياة الضاجة بالجشع والرغبة في التملك والنجاح والاثراء. فنحن بلا شك نجتاز مرحلة حساسة من تاريخ البشرية الحديث، مرحلة ستغير أشياء كثيرة في حيوات وسلوكات البشر كما ستغير موازين القوة في الخريطة السياسية بما يعصف بالقطبية الأحادية التي تجسدها أمريكا وتضيق بها الصين والدول الغربية العظمى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى