التراث الشعبي

فن القول التراثي :عبيدات الرمى نموذجا

كثيرا ما أفاضت كلمة فن القول التراثي كؤوس المهتمين والباحثين وأسالت مدادهم بين مؤيد وعارض فيما يتعلق بتصنيف هذا الجنس الإبداعي ضمن منظومة الشعر,مع طرح ثنائية الإنتماء (الشعر الشعبي الشفهي في علاقته بالمتداول شفاهيا/والشعرالفصيح بشتى أنماطه في علاقته بالثقافة العالمة).

ومن خلال تتبعنا لمسار كلمة فن القول نجدها تطلق على كل نظم عامي سواء كان ملحونا أو نصوصا تراثية شفاهية تغنى بها الفلاح وهو يحصد حقوله أو مرددات المرأة القروية وهي تغزل الصوف أو تدير دواليب الرحى لطحن الحبوب أو في الأعراس ضمن فن لمزوكي والسلامات,أولعيوط أو الكلام الرباعي الذي يدخل ضمن منظومة كلام الرمى,وحتى لانتيه في سراديب التعاريف,سأحاول ملامسة بعض جوانب فن القول انطلاقا من منظومة الرمى,عبر استقراء بعض النصوص الشفاهية لعبيدات الرمى,تنوعت ضروبها بين الحماسة الوطنية فيما يتعلق بأدب المقاومة والتغني بالطبيعة أو الحبيب.(لكلام الرباعي)

1-فن القول التراثي: يدخل فن القول عند الرمى ضمن منظومة الأدب الشعبي الشفهي,تناقلته الأجيال ورممت معالمه باعتباره نتاجا قبليا جماعيا,حفظ ذاكرتهم ولازال مجسدا لآمالهم ومآسيهم,بل يتعدى ذلك إلى حد تبني مواقف اجتماعية ووطنية ذات بعد إنساني نبيل.ولعل ما ميزهذا المتن لغته العامية الشعبية البسيطة التي تنفذ بسرعة إلى أعماق المتلقي,إلا أن هذا المكون ظل مهمشاومنسيا,واعتبر النبش في حطامه نكوصا ثقافيا من خلال صراع مفتعل بين الثقافة العالمة والشعبية.وقد تعمدنا في هذه المداخلة ربط فن القول بمنظومة الرمى في شموليتها كوعاء حاضن لنظم كلام شيوخ الرمى,للمرورإليه في شكله المغنى والمجسد حركيا لدى عبيدات الرمى.ورفعا لكل لبس مفاهيمي بين الرمى وعبيدات الرمى لابد من تأطير النقاش كالآتي:

2- المنظومةالتراثية للرمى : يجب التمييز بين الرمى كتنظيم اجتماعي وعبيدات الرمى كعنصرأساسي ضمن هرم المنطومة:أ- كلمة الرمى: معناها الرماة,من فعل رمى يرمي رميا ورماية بمعنى”سدد”وأصاب الهدف,سواء تعلق الأمر بالقنص أوالمعنى بشتى ضروب الحياة,فالإنسان “رام” بطبعه(إسم فاعل)إلى التحصيل –النجاح-السعادة…أما على المستوى الإجتماعي,فالرمى تنظيم اجتماعي ثقافي مهيكل ارتبط قديما بالمؤسسة العسكرية عهد السلطان مولاي إسماعيل,(عبيد البخاري) يضم الرماة-الفرسان- الكسابة- الفلاحة- الحرفيين(صناع السروج,السيوف,البنادق-صفائح الخيول..) وشيوخ لكلام..ويعتبر التنظيم أقدم جمعيات المجتمع المدني بالمغرب , أطرت القبائل, قبل ظهير1958 .

ولايمكن الحديث عن عبيدات الرمى كنموذج لإنتاج فن القول وصون الذاكرة دون الحديث عن تمفصلات التنظيم الاجتماعي للرمى بشكل مفصل: 3- الهرم الإجتماعي للرمى: ياتي على رأس الهرم 1-:القايد:قايد الرمى,وهي أعلى مرتبة في التنظيم لايمثل سلطة مخزنية بل رمزية ,له مواصفات تؤهله لذلك من بينها : الكرم والجود والإجماع,مستعد لخدمة الناس تحت شعار:”خديم الناس سيدهم” 2- الشيوخ: وهم أنواع من صفاتهم الكرم والجود والأمانة,إعادة الإنتاج والمحافظة على النظم(الألغاز-الحكايات-الأمثال الشعبية من بينهم :

أ-شيوخ الطعام: مهمتهم إكرام الضيف سواء من الرمى أو عابري السبيل, وإحقاق الحق (النصاف),والمساهمة في أفراح القبيلة وأتراحها .

ب-شيوخ الخيل: الباردية أصحاب السروت,ومرافقيهم من أصحاب البارود والحبة- الصينية-والصنايعية (الحرفيين: تصفيح الخيول-صناعة السروج-والخناجر……)

ج-شيوخ الذراع: يحيلنا هذا النمط على ظاهرة في تاريخ المغرب وهي”الزطاطة” فالزطاط حاليا هو نوع من الرصاص يعول عليه في إصابة الوحيش ذو البنية القوية مثل الرث(الخنزير البري), وتراثيا تعني مجموعة من الشباب مفتولي العضلات يؤمنون النزلات وتحركات السلطان على خط( مكناس- زكوطة- دار سالم- المهدية-الرباط).(السطات/الزطاط…..)

د-شيوخ لكلام: وهو نموذج يهمنا كثيرا باعتبارهم منتجين لفن القول,والساهرين على صون ذاكرة القبيلة الشفاهية,لتمريرها للأجيال القادمة,كي يصبحوا شعراء محنكين.

ه- عبيدات الرمى : آخر حلقة في أسفل الهرم,عبيدات /جمع مصغر لكلمة/عبد/وهي مبتدأ لخبر محذوف,تقديره هؤلاء عبيدات الرمى,وهو مضاف /الرمى مضاف إليه. يبدو المصطلح قدحيا إلا أن حمولته التراثية وازنة بشكل كبير.يتجلى دورهم قديما في:عملية التحياح(الإحاشة)ومساعدة الرماة في إعداد الوجبات بفضاءات الغابة- التسلية والتنشيط .

إلا أن هذه الظاهرة كانت من ضحايا خوصصة الغابات واستحواذ البرجوازية على ثرواتها,بعدما كانت مجالا للرعي والإبداع والكسب,فضاق المجال وأصبحنا نشاهد عبيدات الرمى يمارسون الاسترزاق والإستجداء في الأسواق والمواسم وقد عبروا عن ذلك بقولهم:

“الغابة ولات حدود**ماليها راهم شهود**ما بقات لاقنية لاكنفوذ** الصيد والفاخر قالوا مفقود** تبقاي بخير آالغابة وماليها……”

و-لمتارف: يمكن الحديث عن فرع لعبيدات الرمى ,باعتباره منبتا للقبيلة قد ينتج كوادرا للهرم الاجتماعي لمنظومة الرمى.وهم شباب منخرطون بشكل تلقائي في التنظيم مهمتهم “تأطير الاعراس ,وتقمص شخصية الوزراء المرافقين لمولاي السلطان .

3-التحولات السوسيولوجية والاقتصادية بالبادية المغربية وازع للإبداع الشعبي:

عاش المغرب تحولات اجتماعية عميقة قبيل الاستقلال وبعده,وساهمت ظروف الجفاف في تغير أحوال البادية والحظيرة.واكب هذا التحول إبداع شعبي عبر عن سخطه وتذمره ,وأبدع الرمى في جميع ضروب الحياة,وكان لشيوخ لكلام/لمعاينية/ مواقف هزلية اتجاه قضايا كانت تبدو غريبة على مجتمعنا,وتتنافى مع سلوكات وقيم المجتمع,وعبروا عن ذلك في زجلياتهم:” النموذج الأول: لكلام الرباعي: إلى سواتيني على لمحبة /راني جيت نسال / لمحبة كاس حليب/ عليه قلبي كيتشوى /مجمع الرجال كاع زين / إلى خطاوه لخلواضا / كاس لمحبة مر /شربوه لعطاشة/ عييت ف قلبي ما نصر,وحلوه الفتاشا…..”

*النموذج الثاني: الغابة كتيمة أساسية في منظومة الرمى: إلى كنت نظام/ جيب على الغابة / ذيب الغابة نباح/ /بوعميرة هو الشطاح/ كولو لغابة يلا ربحتي قلبي سماح /فيها الطير لروش /عندو بيضة ف العش /ما ياكل غي لحنش/فيها حبار اللقلاق/ ف الندهة ما عندو صحاب /لحكيم مع النجار صنعتو محلاها /ورايت الغابة مقلقة/من حر المنشار خايفة /تعيط ها رماتي وسخيتو بي /شوف النيحاف منين حاف وحطيتهالو بين لكتاف /ويلا زكلتو نعطي النصاف/ حتى أنا بشهودي ويا الرامي…………………………………………………..

*النموذج الثالث: الغزل: غادي نموت نموت /والليلة خير/ غادي نقابل شي عيون دعاوني .

*النموذج الرابع: أدب المقاومة في فن القول لدى عبيدات الرمى: وأعطي هنا نموذجا غير بعيد عن المنطقة,لأحداث وقعت بجهة الشاوية ورديغة من خلال قصيدة الشجعان أو الخيل,وهما عنوانان يصبان في اتجاه واحد: الشجاعة والفروسية,هذه القصيدة تتضمن حوالي 213 بيت لشاعرة من آيت عتاب تدعى مباركة لبهيشية,أو النيرية كما وردت في عدة قصائد تروي أحداث واد زم إبان الحرب العالمية2 وهي قصيدة مثخنة برجالات ونساء المقاومة مثل: بنداود-لهلالي- سي عبو ووواسمعلية…

*قصيدة رفود الخاميس: تعد هذه القصيدة من أجمل ما تغنى به عبيدات الرمى حينما نفى الاستعمار الفرنسي المرحوم محمد الخامس لجزيرة كرسيكا: رفود الخاميس يا خوتي كاع بكينا عليه/ هزو سيدي ف الثلاثة وتمو سايرين بيه / لاديرو حنى فقدام/راه الموتى كيف الذبان/آغريبة يابنتي سكتي لاتبكي /جيبومول الكرسي وحيدو مول السبسي/شوف ولاد الوطن مفرقين فالطرقان/جناه جناه فالغربة ما خليناه/جا مول التاج حيدو مول العكاز/راه المغرب ما فيه خماج/سعدي زيانت ليام خرجت لعدوة بنت لحرام/طيارة الشبيك فا شجا المليك/سعدي بالخميس خرج لمحابيس/ الشعب الوافي مسخن كتافي.

وو* ذ.إدريس الكرش/باحث في التراث الشعبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى