قصة…. “شيخ الشيخات في محطة الحافلات” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جسر التواصل7 ديسمبر 2022آخر تحديث : منذ شهرين
جسر التواصل
الأغنيةالتراث الشعبيشعر وروايةفن وثقافة
قصة…. “شيخ الشيخات في محطة الحافلات” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

شيخ العيطة الحسين السطاتي.

317153701 2063495837177517 2221996350339659362 n  - جريدة جسر التواصل

الفصل شتاء، الطقس قارس وقارص، الصغار مازالوا يغطون في نوم عميق، أجسادهم متحاضنة، أرجلهم وأيديهم متشابكة. أسند “العربي المسكيني”، رأسه إلى الجدار، فنان شعبي”شيخ”، في الخمسين من العمر، أسمر البشرة، نحيل البنية الجسدية، طويل القامة..ظل يحدق إلى الأجساد الصغيرة، في الفراش الرث يردد في نفسه: “لو أنني لم أتزوج، كنت رحلت من بلد إلى بلد، من عرس إلى عرس، من حانة إلى حانة، ومن شيخة إلى شيخة..” ، تنهد في عمق و زفر زفرة طويلة، ثم همهم في غيظ :
– ” هذي ماشي حياة، شيخ الشيخات ما خاصوش يتزوج”.
من شقوق الباب القصديري تسربت الريح باردة، فارتجف، انحنى، سحب الغطاء، ووارى أجساد الصغار، وأراح رؤوسهم على الوسائد.
منذ الرابعة عشر من عمره وهو يرعى الغنم وراءها تعلم العزف على الكمنجة، إذ صار يحي الحفلات والأعراس بالدواوير والقرى، إلا أن بلية الكيف والخمر كانت سببا في أزمته المادية وعلته الجسدية.
سمع صرير الباب الخارجي فتنبهت حواسه، دخلت حزينة، حافية القدمين، ثوبها كالح رث، يكاد يذوب عن جسدها، امرأة بدينة في الأربعين من العمر، ملامحها توحي لناظرها بأنها أكبر من عمرها بكثير، ترتدي جلابية زرقاء بهت لونها..نظر إليها نظرة شزراء، وتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعه، ثم سألها بلهفة :
– ألم تقترضي من والديك؟
عدلت من وضع المنديل فوق شعر رأسها، وأجابته بصوت واهن :
– والله يا ابن الناس ما معهم نقود، ولا سكر ولا زيت، والدي مريض طريح الفراش ولا يكذب.
أطلق آهة ثقيلة، وأخرج سيجارة رديئة، أشعلها وراح يدخنها في صمت، ولكنها هزت عينيها الذابلتين إليه، وقالت في تأفف:
– ولكن أمي كانت تدخر هذه الخمسون درهما.

318076076 1151602192227740 8481533596242605273 n  - جريدة جسر التواصل

ومدت يدها بورقة الخمسين درهما الخضراء، فأخذها منها وقلب الورقة البنكية بين يديه، ثم دسها في جيبه ببطء، وظلت يده مع الورقة البنكية في جيبه، كأنما يخاف أن تهرب، وأخذ أنفاسا متلاحقة من سيجارته، ونفث الدخان بشكل نافوري إلى الأعلى وقال:
– أنا مسافر.
قالت في دهشة : إلى أين ؟
أجابها بعدما دخن من سيجارته:
– أرض الله واسعة وعريضة، سأفعل مثلما يفعل الفنانون الشعبيون أمثالي خلال فصل الشتاء، سأذهب إلى مدينة الدار البيضاء، وكماني معي، كما أغني في الأعراس والحَفلات سوف أغني في المقاهي وفي الحافِلات.
ضربت براحة يديها على وجهها مولولة :
– هاويلي عليك يا لعريبي، يا ويلي، باغي تولي تطلب في الكيران، باغي تشوهنا في الدوار، والدار البيضا غول، كري تبات شري تمضغ .
تنفست بعمق، وتنهدت تنهيدة عميقة بنغمة النحيب، وأردفت:
– أخر أيامك باغي تولـي طلاب، رانا خايفة عليك يا لعريبي.
مرر يده اليسرى على شعر رأسه وحك قفاه، وقال:
– الدار البيضا بلادنا، وهازا هبالنا، وعاري على سيدي بليوط.
هوت جاثمة على الأرض وهي تلوح برأسها:
-ياك كتكَولها يا العريبي ” كازا يا كازا اللي مشى ما جا”.
مج أنفاس من سيجارته في تتابع واعتدل في مكانه، وقال :
– أتضنين بهذه الخمسون درهما سنشتري خروف العيد، وعيد الأضحى على الأبواب، هل ستكفيك للتبضع من السوق والوقت شتاء، اتركيني وشأني سوف أتسول وسأبحث عن عمل.
حمل متاعه بحقيبة جلديةكبيرة قديمة، ووسطها دس كمانه الغجرية، استقل الحافلة، بحثا عن عمل ما. قرص الشمس يميل إلى الغروب، توقفت به الحافلة بالمحطة الطرقية “أولاد زيان” بمدينة الدار البيضاء، هذه المدينة التي سمع عنها الكثير من الحكايات المقلقة.
شرع يتفقد المكان، أمام باب المحطة الطريقة لاحظ شباب وجوههم مخربشة يتسابقون إلى المسافرين يحملون أمتعتهم، يتصايحون بأسماء المدن، حسبهم في بادئ الأمر قابضين مساعدي السائقين، فجأة سمع إحدى المسافرات يبدو من مظهرها أنها بدوية، في الأربعين من العمر ترتدي جلابية حمراء، وتغطي شعر رأسها بمنديل أصفر، تنوح وتخبط براحة يديها على فخديها :
– “هاويلي ها ناري على ولد الحرام دا الموزيط والفريرجات”.
توجه صوب المقهى الموجود بالمحطة، أخرج الكمان وسواها ليشرع في عمله الجديد، تقدم إلى أول طاولة اجتمع حولها شخصين أنيقين، شرع يعزف أوقفه أكبرهم سنا رافعا يده وهو ينظر إليه نظرة احتقار واستصغار:
– الله يجيب، هاد الشي اللي بقى لينا غير الزهو و النشاط.
أجال ببصره، شاهد امرأة لا تبدو عليها حالة الفقر تمد يدها لرواد المقهى، ينهرها النادل، فتبتعد منه لتنهال بكلمات نابية بدت غريبة عليه.
حمل متاعه على ظهره وآلة الكمان بيديه، يُقسم عليها تقاسيمه العيطية، توجه من جديد داخل المحطة الطرقية للحافلات، لمح حافلة توشك أن تنطلق صعد إليها، وجد أمامه بممر الراجلين شاب في مقتبل العمر يعرض يديه المبتورتين على مستوى المرفقين، ويمدهما للمسافرين ويتسولهم، وأمامه طفلة صغيرة تسرد قصتها بأنها يتيمة وأمها المريضة تقوم بعملية تصفية الدم مرتين في الأسبوع، ليفاجأ بمساعد السائق يرمي الثلاثة خارج الحافلة صارخا في تدمر :
– “نزلوا را حنا بغينا نزيدو، وليتو أكثر من مالين الديطاي”.
الوقت ليل خرج أمام المحطة عله يتسول ما يتعشى به، قرب المطعم الشعبي شاهد سيارات فاخرة تجوب الشارع بحثا عن شيء ما، خمن ربما تكون فتيات الليل، أو صفقات مشبوهة أو نساءا هاربات يبحثن عن مأوى….

317833272 1264552117741041 6716393736443139056 n  - جريدة جسر التواصل301121542 609220483936128 6554008159708015559 n  - جريدة جسر التواصل317385375 1482008762285289 3618541813955076601 n  - جريدة جسر التواصل

جلس فوق كرسي خشبي، طلب من نادل المطعم صحن حساء الفول ( البيصارة) وخبز، أخد يلتهم بشراهة من شدة الجوع وبرودة الجو، لحظة شاهد مجموعة من المتشردين، يبحثون في قمامات المطاعم المتراصة، عن فتات يقيهم حر الجوع، أو أماكن تحوي أجسامهم المتعبة، أدى ثمن الوجبة المتمثل في خمسة دراهم، وهو أمام باب المحطة شاهد فتيات في عمر الزهور، شبه عاريات، يرتدين ملابس تفضح أكثر ما تستر..يتمايلن وسط الشارع بحركات مثيرة وعيونهم لا تفارق السيارات العابرة.
دراجة نارية بصوت عال تكسر الصمت، تمتد يد منها، لتنزع حقيبة إحداهن التي صرخت بأعلى صوتها:
– “الله ينعل باباك يا الشفار، دابا يجي سيدك ويشري ليا أحسن منها، اتفووو…”.
منتصف الليل، لم يساعده بالتحرك في أرجاء المدينة، ففضل الجلوس قرب المحطة، حتى يضمن سلامته، ومتاعه القليل من السرقة إلى يوم الغد ليستأنف عمله الجديد في التسول.
أحس بالاطمئنان، خلع حذاءه وتمدد قرب متاعه بعدما أدخل كمانه بالحقيبة، ليشرع في تدخين سيجارته بلهفة متابعا دخانها الذي ينتشر في الفضاء الباهت.
بدأ النوم يداعب عيناه فصرفهما، شرع يتخيل شريط أحداث يومه، ويفكر في زوجته وأبنائه، أفاق من غفوته، ليجد أن متاعه قد سرق مع حذائه.
انتفض من مكانه فزعا، وعيناه تدوران في محجريهما، بحث عن أي شيء، لم يجد إلا يداه ليضربهما على الكرسي الأسمنتي بقوة، وهو يصيح :
– “شفروني أولاد لكلاب، داو الكويمينجة والحويجات..”
التف حوله بعض من المارة وسائقي الحافلات، وهم يشاهدون شخصا مجهولا، حافيا وقميصه شبه مفتوح، وحزام سرواله يتدلى من وسطه، ينبس بكلام غير مفهوم:
– داو الكويمينجة أولاد لكلاب، الدار البيضا بلادنا، عاري على سيدي بليوط..
– “سعدي بالطلاب غضروه أولاد لكلاب؛
-كازا يا كازا واللي مشى ما جا.
حيث علق أحد السائقين للحافلة وهو يتابع حركاته.
– هاهو مجنون أخر لفظته إحدى الحافلات.
ليرد عليه صديقه مساعده في الحافلة:
– خليه حتى نديوه معانا في الكار، ونلوحوه في برشيد، باش يرجع لسبيطار المهابيل.
القصة مستلهمة من خيال الكاتب من المجموعة القصصية بعنوان “العيطة والغيطة”.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة