
طارق المعروفي

أَحْيَانِي الله حتى رأيت ذلك الذين يقولون عنه ” المغني الشعبي” ،”بُوصْبَعْ”، و هو يَهُمُّ بالدخول إلى منصة العرض لِيَصْهَل، و هو محاط بعشرات من الحراس الشخصيين بالزي الكلاسيكي الأسود ” ڭَرْدْكُورَات”، و كأنهم يحرسون شخصية بارزة، يلتفتون يمينا و شمالا ،يتحركون من هنا و هناك، و يدفعون الصحافة الرخيصة ليفسحوا الطريق للعبقري ، و لم تبق لهذه الترتيبات الشكلية إلا الدراجات النارية و هي تصاحب الموكب مع صفارات الإنذار . نعم من حقه أن يخلق لنفسه هذه الطقوس، سيما و أن التلفزة تدعمه و تروج له كل سهرة سبت، و كأن المغرب لا يعرف إلا تلك الوجوه المفروضة على المشاهد .
أَحْيَانِي الله كذلك حتى رأيت تلك المغنية التي كانت تغني في بداية مشوارها الأغاني الطربية، فغيرت الخطة، و اتجهت إلى منبع المال و الغنى، و هو الغناء في الأعراس و ما شابهها .و هكذا كلما تريد أن تدخل تلك المغنية إلى عرس ما ،إلا و هي محاطة ب”الڭَرْدْكُورَات” و هي الموضة التي أصبحت عند بعض ممتهني هذه المهنة .
سألت نفسي و سؤالي المطروح، ما إذا سمعتم أو رأيتم كبار الفنانين بل أهرام الفن في المغرب محاطين بالحراس ؟
هل سبق لكم أن رأيتم عبد الوهاب الدكالي أو عبد الهادي بلخياط على سبيل المثال لا الحصر يستعملون هذه الطقوس الغريبة على الميدان الفني ؟
هؤلاء الأهرام، لا ينظرون إلى الشكل، ولا إلى إثارة مشاعر الناس، بقدر ما يهمهم ما يقدمون من إنتاج فني راقي و أصيل و جيد و هادف.
ربما سوف تقولون إنني لا أهوى الأغاني الشعبية، و لهذا أتحامل على هؤلاء المتسلطين على الميدان الفني. و الجواب هو أن الأغاني الشعبية الحقيقية التي تروقني و أعتز بها، و هي الخالدة و الراسخة في عقول جميع المغاربة، لما تحمله من تراث أصيل و تعابير مغربية هادفة و ممتعة في آن واحد ، وهي على سبيل المثال :
أغاني الحسين السلاوي.
أغاني بوشعيب البيضاوي.
أغاني حميد الزاهر.
أغاني إبراهيم العلمي.
أغاني بنعمر الزياني.
أغاني الحاجة الحمداوية .
أغني الفنان فيصل .
أغاني مصطفى بوركون.
و اللائحة طويلة.
لقد كانت للأغنية الشعبية معنى بكلماتها الهادفة الموزونة، و اللحن المتميز، و الإيقاع الأصيل. أما ما يسمى اليوم ب” الأغنية الشعبية ” ، فإنها تفتقد للحن و للكلام الموزون ، و تظل تسمع سوى صهيل: “إِيوَا هَايْوَا” .فأين نحن من الأغنية الشعبية التي دنسوها هؤلاء الذين احتكروا الساحة الفنية بتواطؤ مع الصحافة الرخيصة البليدة، بالإضافة لترويج التلفزة لهذا النمط من الغناء .
و على هذا الأساس، و حتى نزيد في الطين بلة ، طالب سعادة الوزير أن يتم تدريس “علم الشيخات” لأطفالنا في المدارس العمومية ، كما أن الوزير الآخر يدعم و يدافع على الأنماط التي تروقه مثل “طوطو” و ما شابهه . و المواطن المغربي يظل أمام هذا الهول المخيف الذي ينخر أصالته و تراثه و حتى هويته، و نبقى مكفوفي الأيدي نشاهد و نسمع و نتأسف على ما آلت إليه الأوضاع الفنية في هذا البلد .
لقد تحاملوا على المواطن المسكين من كل الجهات ،بإفساد الذوق الرفيع، و العمل على انحطاط الفن في هذا البلد ،الذي كان يضرب به المثل في الميدان الفني الأصيل و الجميل .
فإلى أين يريدون أن ننزلق و نتعثر أكثر مما نحن عليه؟
Views: 15






