كون على بال

كورونا وضميس الكارطة

طارق المعروفي

يعيش العالم اليوم لحظة تاريخية و حرجة مع انتشار هذا الوباء.
لحظة تجعلنا نتساءل عما سيحدث بعد هذه الأزمة.
إنتهى “الطرح” ،و سوف يكون بعد ذلك “ضمس الكارطة” لنبدأ “طرحا” آخر .
سيعرف العالم تحولات ملموسة و غريبة، خصوصا إذا علمنا أن التقارير التي نشرت قبل ظهور فيروس كورونا، كانت تفيد بأن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية قبل سنة 2050 ، لتصبح صاحبة أكبر و أقوى اقتصاد في العالم . أما الدول المتقدمة الأخرى، فمن المتوقع حسب التقارير، أن تتفوق عليها الدول الصاعدة من الناحية الاقتصادية. و لهذا سنصبح ربما أمام حاكم جديد لهذا العالم و من يدور في فلكه .
من ناحية الاتحاد الأوربي، فإن أمريكا التي هي زعيمة العالم الغربي “الحر” ، و شريكة الدول الأوربية في حلف الناتو، يتساءل المرء ما إذا كانت قد قدمت أية مساعدة لهؤلاء الحلفاء، حيث عزلت نفسها كليا ،بل حاولت احتكار تجارب واعدة لشركة ألمانية توشك أن تنتج علاجا لهذا الوباء، لكن الوطنية الألمانية أحبطت هذه المؤامرة اللا أخلاقية و اللا إنسانية. و من المفارقة أن دولا غير أوربية ،ساعدت ايطاليا في محنتها مثل روسيا التي مدتها بالمواد الطبية إلى جانب الأطباء و الممرضين، كما وصل فريق من الأطباء الكوبيين لتقديم يد العون للطواقم الطبية الايطالية ،و كذلك دولة الصين التي وقفت بجانب إيطاليا في هذه المحنة الكبيرة . و مع هذه الأزمة ظهر الاتحاد الأوربي فاشلا في سياسة الوقاية الصحية، فشل تحدثت عنه رئيسة المفوضية الأوربية . أين التضامن الأوربي و صلاحيات مؤسسات الاتحاد؟ لقد تعثر الاتحاد الأوربي في التضامن مع إيطاليا ،مما يدق المسمار الأخير في نعش الاتحاد .
و كما يقول المثل” راسي يا راسي”. و من هنا ربما سترجع دول أوربا كما كانت في السابق، كل دولة تسعى لمصلحتها فقط، و ربما ستنضم إلى القوة الجديدة بعدما تخلت عنها أمريكا، انضمام متعلق بالمصالح الاقتصادية فقط ،لأن الصين لها نظام منضبط و يختلف عن الثقافة الغربية .
لمواجهة هذا الفيروس ،اتخذت الصين إجراءات صارمة غير مسبوقة في العالم .فبعض الناس يقولون إن تلك الإجراءات، تعد انتهاكا لحقوق الإنسان و الحد من حريتهم. و لكن حسب نظرية الصينيين ،فإن سلامة المجتمع تعد أكثر أهمية من حقوق الإنسان .
و الدليل على ذلك أنه بعد أحداث 11 شتنبر، أصبحت الصرامة في المطارات لتفتيش الركاب من أجل سلامتهم، و قد تقبل المجتمع تلك الإجراءات لأنها تصب في المصلحة العليا . كذلك الصين، طبقت أكبر حجر عرفه التاريخ ،و الذي كان قاسيا و صارما من أجل الحد من انتشار الوباء.فالمصلحة العامة تقتضي موافقة الطرفين، أي صانعي القرار و متلقيه .

أما نحن في المغرب، علينا أن” نضمس الكارطة ” ، و نعيد النظر في الأولويات ،و نقرأ قراءة جديدة لحاجيات البلاد و مستلزماتها . لقد تعرف المغاربة في هذه المحنة على الفئات التي يجب الاهتمام بها و تشجيعها . كما أن هذا الظرف يحتم علينا أن نقاوم بحزم و عزم كل من يسئ إلى هذا الوطن .
بعد كورونا من الواجب أن نبقى حريصين على النظافة و التعقيم للمرافق .
بعد كورونا علينا أن نحترم الصف و النظام و المسافة بيننا.
بعد كورونا علينا أن نتضامن أكثر، و نساعد بعضنا البعض ،لأننا في سفينة واحدة .
بعد كورونا علينا أن نتجنب العناق المبالغ فيه و البوسان و التجمعات الغير مجدية .
بعد كورونا علينا أن نحافظ على المال العام و لا نصرفه إلا للمصلحة العامة .نحن في أمس الحاجة إليه لبناء المدارس و معاهد البحث العلمي و المستشفيات .
بعد كورونا علينا أن نعيد النظر في مجال التعليم ، حتى نبني جيلا واعيا و مثقفا ، حتى إذا قلت له: ادخل إلى بيتك من أجل مصلحتك ،يستوعب ما قلته، و لا “يبرق” في عينيه جهلا و “كلخا” ، و حتى لا نسمع مرة أخرى:” كورونا سيري فحالك”.
علينا أن نعطي الاهتمام للبحث العلمي، و تشجيع الكفاءات و الأدمغة التي يتوفر عليها البلد، عوض أن تهاجر إلى الخارج و يستفيد منها الآخرون .
كما علينا أن نعيد النظر في التعليم الخصوصي الذي أبان عن جشعه في هذه المحنة ،
و أن نجعله مكملا للتعليم العمومي.و نغير مناهج التعليم حتى نكون جيلا صالحا نافعا متمكنا وواعدا .
بعد كورونا علينا أن ندعم مجال الصحة العمومية ،نبني المستشفيات بجميع مستلزماتها، و نحفز الموارد البشرية بتحويل اعتمادات غير مجدية إلى هذا القطاع الهام .
بعد كورونا علينا ثم علينا أن نعطي الميكروفون للطاقات الإبداعية ،و أن تكون هناك قطيعة لا رجعة فيها مع برامج “الكلخ” و السهرات “الركزية” ،و ما إلى ذلك من مواد الجهل و العبث بعقول المواطنين.
كما حان الوقت لإعطاء الفرصة و القيمة و الاهتمام لمن يريد الخير لهذا الوطن ،مع إعداد برامج تهم المواطنين و ترفع من مستواهم و تفكيرهم .
لنركز إذن على الايجابيات و نتجنب السلبيات ،و نحاول أن نستفيد من هذا الدرس العالمي لنغير سلوكنا و طريقة عيشنا نحو الأفضل، و علاقتنا فيما بيننا حتى يعم الوعي و المحبة و التآزر ، عوض الكراهية و النهب و الأنانية .
بعد كورونا علينا أن “نضمس الكارطة” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى