“مزامير من سِفْر الحنون رحلة في محطات من جنون الشاعر حسن عبيدو” للكاتب والشاعرعبد العزيز حنان

جسر التواصل26 أكتوبر 2022آخر تحديث :
“مزامير من سِفْر الحنون رحلة في محطات من جنون الشاعر حسن عبيدو” للكاتب والشاعرعبد العزيز حنان

عبد العزيز حنان
اكتملت بالدار البيضاء في 20 أكتوبر 2022

 
هو نص يتمرد على الميكانيزمات النقدية الجاهزة ، لينطلق كغضب بركان ضاق بسجنه الطويل برحِم الأرض ، ليعانق الفضاء الرحب بكل سَعَته ….
نص يتجاوز صرامة النظريات النقدية و مساطرها المقننة سلفا ، و كأنها أكفان جاهزة لأي نص إبداعي نلبسه إياه ، قصد تشييعه إلى مثواه الأخير بعد التشريح الآلي الجامد .
إنه سِفر الجنون ، يترنح على إيقاع مزاميره السبعة .
و هذا ما كنت أذهب إليه في أكثر من قراءة لإبداع المبدعين . إن النص الإبداعي يخلق فضاءه النقدي ، و يؤسس معالم مدرسته النقدية مع الاستفادة من بعض الآليات التي اعتمدتها أو توصلّت إليها المدارس النقدية السابقة شريطة أن تخدم النص ، لا أن تخنقه .
مع التنبيه ، هذا إذا كان النص الإبداعي حيّا متجددا في مبناه و معناه ، و ليس نصا مستنسخا من تحارب سابقة . فهذا الأخير لا جِدّة فيه ، و لْتُقرأ على حروفه أدعية الدفن و النسيان .

مزامير من سِفْر الحنون
من يستطيع كبْح جماح ثورة الجنون ؟؟؟
من يستطيع تقييد مسار غضب الجنون و حتى مساراته إيجابا و سليا ، و توقع انفلاتاته و اندفاعاته ؟؟؟
لا شيء .
الجنون هو اللّامُتوقّع ….

مزامير من سِفْر الحنون
أهم خصائص هذا النص :
1 – اعتماد الدفق الروحي كإيقاع مميّز لنفَس الامتداد .
2 – الجمل الفعلية ، و زمن أفعالها و دلالتهما .
3 – المزامير السبع لسِفر الجنون .

…….
1 – اعتماد الدفق الروحي كإيقاع مميّز لنفَس الامتداد .
و أنت تقرأ النص أو تسمعه بصوت الشاعر ، تحس بانسيابية مرنة و سلسة . هو التدفق الذي يجرف في طريقه كل ما يعترضه ، ليعطي للسيل حرية المُضيّ قدما …
نعم ، إيقاع سلس بالرغم من أسلوب الأمر الذي يؤثث كل مفاصله . إذ نجد ذلك الأمر العذب المُحبَّب .
و هنا أسجل و أكرر بلا نهاية : الإبداع الإنساني وُجد قبل النقد ، و المدارس النقدية ، من مرحلة التذوق البسيط وصولا إلى النظريات …و على النقاد أن يلامسوا النص الإبداعي في بنيته الخاصة و عوالمه التي أنجبته و ترعرع فيها …، في تجدّده اللغوي و الإيقاعي و البلاغي و الفكري ، لا أن يقيموا عليه الحجر في زنزانة الذي كان . فمن اجتهاد و عبقرية السابقين ، أنهم قعّدوا للإبداع الذي كان في عصرهم و عبروا من خلاله و من خلال قواعده هموم الزمن الذي تواجدوا فيه و عاشوه .
هذا النص الذي بين أيدينا يؤسس إيقاعه الخاص المنسجم مع الموضوع الذي يشتعل بدواخله فكرا و إحساسا ، تساعده في ذلك اللغة و الأسلوب المناسبين و اللذان يعتمدان على الجمل الفعلية و زمنها .

2 – الجمل الفعلية ، و زمن أفعالها و دلالتهما .
من المعلوم أن الجمل الفعلية تمثل الحركة و تكسير الثابت الممتد كخط مستقيم . الجمل الفعلية توحي بتلك الذبذبات و الموجات الدّالة على الحركية المتتالية دون توقف . و هذه سمة نص المجنون حسن عبيدو في أسفار مزاميره .
إذ تمثل الأفعال في هذا النص ما يقارب نصف المفردات المُشكّلة له ، مع غلبة فعل الأمر ، الممتد من زمن صدوره إلى ما لا نهاية بلا توقف . بمعنى أن الأمر متجدد في معناه المراد له إلا في حالة مجيء ما يوقف امتداده بالحصر .
و الأمر تتعدد دلالاته و المراد به ، و هو في النص ليس ذاك الأمر بمعنى الزجر و الامتثال ، و إنما هو الدعوة إلى ممارسة فعل الجنون الحر في صور و أشكال متعددة . تروم كلها تكسير المتعارف و المتعاقد عليه عرفيا ، و الذي أخذ الوثن المقدس في حياتنا .
الأمر في أن ينصت الإنسان لأناه، أن يتصالح مع ذاته و الانعتاق من زيف قوانين اختلقها الأقوياء لاستعباد الضعفاء و الخانعين لأوامر النصوص التي لا ينضبط لها من أخرجوها و فرضوها .
الأمر في هذا النص ؛ تحريض على حبّ الذات بعيدا عن النرجسية حميميا مع طوق الإنسان إلى الحرية المطلقة ترتكز على قانون الحب و المحبّة التي تتسامى فوق كل شيء .
الحب و المحبة ، خارج طقوس المألوف المقيّد .
إنه الجنون ……
هو إعادة تشكيل معاني الأمر من مجرد طلب الإذعان والاستجابة الغبية للأوامر إلى معاندة الانكفاء و الاستسلام الجبان .

3 – المزامير السبع لسِفر الجنون .

الجنون …
قبل البدء .
هذا التقسيم إلى سبعة مزامير ليس تعسّفا و لا تقطيعا قسريا له ، و إنما هو ملامسة لأنفاس الشاعر ، و مرافقة الدفقة الشعرية فيه حتى بلوغها منتهاها .
الدفقة الشعرية هي من تحدد المقاطع .من شهْقة النّفَس الشعري ، حتى آخر زفرة منه .
هي سبعة .
هل اعتباطا كانت بهذا العدد أم أن الرقم يسكننا لا شعوريا ؟؟؟
الحِسّ الصوفي في تجربة الشاعر تجد مبررا للوقوف عند الرقم سبعة . لن أطيل في الوقوف عند هذا الرقم و دلالاته و رمزيتها . فذاك موضوع آخر .

المزمار الأول .
مزمار الحب و الجنون

((( فاستقم على الجنون
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس
اجر )))
أول ما يُلاحظ هذه المسحة الإنجيلية في النص كله و بشكل كبير في هذا المزمار . و ذاك من خلال الألفاظ : “”” استقم / كما أمر / على نهجه “”” سواء كان ذاك عن وعي و سبق إصرار أو دونه . فكثير من إصحاحات الكتاب المقدس عند المسيحيين ( الإنجيل ) تأخذ هذا المسار باستعمال هذه الألفاظ في تعاطيها مع أوامر ( الرّبّ ) . و قد اعتمدتها بعض فرق الصوفية في تراتيلهم و ابتهالاتهم . الشاعر هنا لم ينفصل عن عن هذين الركيزتين . إذ عــبّ من معينهما ليقدم لنا النص كما يراه هو و يشتهيه ….
هل الحب جنون ؟؟؟
فليكن الحب هو الآمر . و الحب عند الصوفية كما عند الرهبان هو أصدق مراتب التجلي .في الارتقاء نحو مدارج التقرب إلى الله لأجل بلوغ مرتبة الحلول .الشاعر التقط هذا الخيط ليعطيه سمة الجنون . و ربما استعار اللفظ من نظرة العوامّ لهؤلاء ( العُبّاد ) لقصور فهمهم ، و استعصاء ملامسة عقولهم لحالة تخلص هؤلاء من الجاذبية الأرضية إلى جاذبية أرقى و أقوى فينسلخون عن العالم الحسي إلى العالم الروحي ….
“”” استقم على الجنون “””
الأمر الجميل = الطلب الواجب + التنفيد + الاستقامة .
لنحاول المجاوزة بين المعنيين في هذا اللفظ . الاستقامة على الجنون . لكن أي جنون هذا ؟ إنه أمر الحب . الأمر باتخاذ جنون الحب نهجا لحياة المحب من خلال ترادف أفعال الأمر : ابك … اجلس … اجر … أفعال لم تأت عيثا و لا مجرد حشو و إنما هي الدّالة على المراد من المدلول .
ابك ، خشية …
اضحك ، شكرا …
اجلس ، تأمّلا …
اجر ، سعيا …
هذه هي المعادلة المسكوت عنها و التي تبوح بها الأفعال ، لكنها تحتاج إلى الانخراط في جذبة الجنون للارتقاء إلى مدارج دلالاتها .

المزمار الثاني
مزمار الفداء و الانعتاق

لا يختلف هذا المزمار عن سابقه من حيث دينامية الحركة ، من خلال تواتر الجمل الفعلية التي تتأسس على الأمر البعيد عن الزجر و القريب من الارتقاء لمسرى الفداء و الانعتاق .
دلالة أفعال الأمر ، تكاد تقول للمتلقي أعِد حساباتك و تصوّرك للأمر . ( أبسِطْ /اِرْم / اِحزمْ / أدرِك ) أمر محبّب تستسيغه النفس و تتجاوب معه الروح .

((( أبسط دراعيك كنسر )))
حذف وجه الشبه ، و بقيت عناصر التشبيه ، على المستوى البلاغي كلما حذفنا أحد عناصر التشبيه الممكن إلا و ارتقى الأسلوب في جمالية و رمزية الصورة . حذف وجه الشبه هنا، يمنح للمتلقي اختيار صورة وجه الشبه أو تمثُّله بقدر إدراكه و معرفته .
النسر ؛ رمز القوة في المخيلة الإنسانية منذ القدم . و هو رمز التعالي ، لا يقبل السكن في المنخفض . مسكنه دوما أعالي الجبال الوعرة و اليابسة تحت قدميه . مما أّهله للرمزية التي احتفظ بها على مرّ العصور كما نجده رمزا في أعلام كثير من الدول في عصرنا هذا .
للنسر منظر مهيب ، عند انطلاقه من الأعالي باسطا جناحيه محلقا سابحا أو نازلا بسرعته الفائقة، ليصبح أكثر مهابة و جمالية و رهبة … تلكم لحظة اكتساح ما تحته بناظريه الثاقبين قبل الانقضاض .
لكنّا نجد الشاعر يخلق الرّجة لدى المتلقي حين يأتي بأمر قد يكون مناقضا لما رسمه هذا المتلقي في مخياله في الصورة قبله .
هناك رمزية النسر المضمرة في وجه الشبه المسكوت عنه ، ليعقبه هذا الفعل الذي قد يحيل إلى الاستسلام للآخر :
((( ارم عشقك لأول مفترس )))
هل منح العشق لأول محتاج نهِمٍ ينسجم مع التشبيه بالنسر ؟؟؟ و هذا التشكيل العجائبي للصورة
((( تشهق أنيابه بالشهوة )))
من يستطيع رسمها و تجسيدها بالريشة ؟؟؟
إنه المزج بين النقيضين ليعطيا إمكانية الحدوث في حالة الجنون التي بدأ بها الشاعر . هي الممكن في المستحيل .
هذا التقابل بين العطاء اللامحدود ، و الافتراس الشرّس ، يشكّل معادلة جنون من نوع آخر غير مألوف و لا متوقَّع . إنه الارتقاء في مدارج العشق نحو مصافّ طالبي درجة الحلول .
قد تبدو الصورة قاتمة عند الوهلة الأولى أو هي نوع من الانتحار . لكن المفترس هنا كناية عن العاشق المتيّم حين تهاجمه لواعج الصبابة ، فيغدو عشقه فِعل متوحش . هي صورة متداخلة لو وجدت فنانا تشكيليا ، لأبدع فيها .
أنياب تشهق بالشهوة لافتراس الحبيب و حدّد الشاعر العضو المرغوب بافتراسه . إنه العنق بكل جماليته و إغراءاته و مكوناته الوظيفية و الحِسّيّة .
لوحة تشكيلية مركّبة ليست فقط من حيث الرسم ، و إنما تداخل عناصرها التي تذيب التناقضات بين اللغوي و الرمزي .

المزمار الثالث
مزمار الرحيل و الخلاص

بين دلالة الحدثين في فعلي ( أبسط و احزم ) تتلخص حكاية هذا المزمار . بين الافتراس و الرحيل يتحقق الخلاص ، لا يهم إلى أين يكون الرحيل ، المهم أن يحدث .
((( اِحْزم حقائبك )))
و الحقيبة رمزيتها السفر و الرحيل ، مما يحيلنا أن الافتراس في المزمار الثاني ليس افتراس الذات / الشخص ، لكنه افتراس لهذا العشق الكبير ، والتخلص من وطأته أو في أقلّ الاحتمالات التخفيف منه . فالذي شهقت أنيابه بالشهوة ، سيأخذ من العشق كل ما يطفئ و يشبع اشتعال شهوته .
في هذا المزمار ، الأمر بجمع الحقائب ، جمع و ليس حقيبة مفردة . و كأنما هي رحلة طويلة بلا عودة . و الحقيبة تجمع في طياتها الكثير ، و منه الذكريات و المطامح و الأماني الممكنة و حتى المستحيلة ….
لا يهم إلى أين ، ففي السفر حرية بطعم خاص ، انعتاق من التدقيق في كل شيء حتى في الشهيق و الزفير . هو سفر فيه رغبة التحرّر من أي قيد قد يعيد المسافر للمربع الأول .
معرفة اتجاه السفر ليست ضرورية ، المهم أن تشعر أنك تتخلص من هـمّ ، و حتى من زمن . عدم التركيز على وجهة السفر إعلان للانطلاق و بكل حرية بمفهومها المطلق نحو تغيير المكان و حتى الزمان بل و حتى انضباط مسارات التفكير و الاستنتاج . إنها الانطلاق من عالم حسي ، إلى عوالم هلامية ينعدم فيها كل إحساس بالضوابط التي فرضها الإنسان على كُلْيَته .

(((احزم حقائبك و ادرك
أقرب قطار حتى
و لو لم تعرف الاتجاه )))

 

المزمار الرابع
مزمار الرحيل و الخلاص

يقول عمر الخيام في رباعياته من ترجمة الشاعر أحمد رامي :
و لا بآت العيش قبل الأوان لا تشغل البال بماضي الزمان
فليس في طبع الليالي الأمان و اغنم من الحاضر لذاته
الشاعر حسن عبيدو ينحُو نفس المنحى و إن اختلف الزمان و المكان و الطرح ، لكن يجمعهما هذا التميّز في الأنا المتصلة بعوالم قد لا يفقهها العوامّ ، و لا يستشعر سحرها و حلاوتها إلا المريدون على قدر ارتقاءهم في مدارج التخلص من جاذبية القعر ، و العمل على الانفلات منه طلبا للأعلى …
في هذا المزمار نوع من تمثّل الطقس المسيحي في الاعتراف . لكنه ذو بُعد صوفي يتجاوز النسخة المسيحية في مفهومها. الشاعر هنا لا يسميه اعترافا ، و إنما يعلنه بوحا أو فضفةَ طريق . و المتحدَّث إليه ليس القسيس أو من يقوم مقامه ، و إنما هو المرأة .
المرأة رمز الاحتضان الرحيم . مهما اشتدّت قسوتها فبقلبها تظل حيّة و حاضرة هذه القدرة على الاحتواء كأم ، ثم الإصغاء . و قد أخطأ من تبنى فكرة كون المرأة أكثر كلاما من الرجل . فقدرة المرأة على الإصغاء تتجاوز بمسافات قدرة الرجل في ذلك .
الاحتضان مع الإنصات يمنحان للآخر الأمان و هو مطلب الإنسان بشكل عام و مريدي الطرق الصوفية بشكل خاص . و من تمّ كان أمر الشاعر
((( احك لامرأة
لا يجمع بينك و بينها
إلا الطريق
بلواك
و فارقها بعد أول عناق )))
المرأة أينما كانت ، و كيفما كانت ، و بأي عمر كانت تبقى هي الأرض التي تستر بنيها .هي ليس القسيس الذي يبيع صكوك الغفران بعد جلسة الاعتراف ، و إنما هي بغريزة الأمومة فيها ، بتكوينها الفطري تستمع ، تحتضن و تصغي . فقط ( احك ) . و الحكي يستلهم ما هو مدفون في الأغوار لينتفض حيّا على اللسان مرة أخرى . إنه تجدُّد الحياة وهذا ما يرمز إليه الشاعر حسن عبيدو بالأمر .
احك لامرأة . ليس بالضرورة أن تكون على سابق معرفة بها ، يكفي أن يجمعكما السفر إلى حيث لا تدريان …
و كأني بأبي القاسم الشابي يسائل الأرض :
يـا أم هل تكرهـن البـشــر قالت لي الأرض لما سألت
و من يستلذ ركوب الخطـر أبارك في الناس أهل الطموح
ويقنع بالعيش عيش الحفر و ألعن من لا يماشي الزمان
و يحتقر الميت مهما كبر هو الكون حي يحب الحياة
الترحال ، حياة … و السفر لا يهم إلى أين ، حياة … و البوح بأية طريقة و شكل ممارسة لهذه الحياة . و المرأة هي الشحنة و الطاقة الكفيلة بمواصلة فِعْل الحياة .
و ماذا بعد الحكي ؟؟؟
لا تتورّط فيما هو أكثر . كل تورّط فيما زاد عن الحكي ، هو سقوط في المحظور لأنه بعد أول عناق يكون المريد في مفترق الطرق . إما الارتقاء في مدارج طلب مراتب أعلى بالاستفاقة من نشوة العناق أو البقاء سجينا ضمن حظيرة عامة المجاذيب ، الذين لا فرق بينهم و بين العوامّ غير الأوردة التي يرددونها ضمن الطقوس اليومية . و حتى لا تحصل تلك الألفة التي تعيدك للحجر ثانية ، فارقها عند أول عناق ، و ليكن عناق الوداع و استمرار الرحلة ….

المزمار الخامس
مزمار البدل السخي ، و خلود المحبة الحارقة

((( تصدق بملابسك
و اعلن عن عريك
فمن أحبك سيرمي عليك
جسده و يلفك
كما تلف النار سيجارتها
تشتعلان معا
تنطفئان
تغدوان رمادا
تؤبنه القصائد بعد فوات الأوان )))

هي مرتبة التسامي إلى البدل السخي . و درجة من درجات بلوغ مرتبة الإحسان . الصدقة … استمرار الأمر ( تصدّق ) بكل شيء . فآخر ما يتبقى للإ نسان تلك الملابس التي تستره فليتصدق بها . هل المقصود هنا الملابس التي نعرفها ؟
السؤال يجيب عنه ما يأتي : ( و اعلن عريك ) هي ليست الملابس بل كل ما يمكنك أن تتصدق به . اطرح عنك كل شيء و منها ( بلواك ) / ما يفضحك .هو قدر الشاعر حين يتعرى بكل ما فيه أمام الملأ كاشفا فرحه و حزنه ، واصفا نجاحاته و إخفاقاته ، معترفا بحسناته و زلاته … يتقدم نحو المتلقين بكل عُريه … دون أن يحْني رأسه في الرمل كالنعام . و حين يلامس من أحبوك صدقك و صفاءك و محبّتك ، سيحضنوك بأنفسهم بأجسادهم و بكل ما يستطيعون . عندما ينكشف المرء بكل صِدْقيته ، لا خوف عليه .فالذي يجهر بالحق و الصدق سيجد امتداداته في الخيّرين من الخلق . فيلتفوا حوله و يؤازروه و يحموه من كل شيء . و هو ما يعبر عنه التشبيه الجميل .
(((كما تلف النار سيجارتها
تشتعلان معا
تنطفئان
تغدوان رمادا
تؤبنه القصائد بعد فوات الأوان )))
المُشبَّه / المنكشف بكل ما فيه .
المشبَّه به / من أحبوك ، من صدّقوا فعلك . / كما تلف النار سجارتها
وجه الشبه / تشتعلان – تنطفئان – تغدوان رمادا
لوحة تشكيلية أخّاذة . فليرسمها من تشرّب أبعادها و ظلالها و ألوانها و مآلات شخوصها .

المزمار السادس
مزمار الجنون و التطهر

(((فاستقم على الجنون
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس )))

الجنون عند الشاعر هو مخالفة العوام ، و عندما يقع لتشبه بالعوامّ ، يرتد إلى منزلة أدنى . لأنهك حين يعجزون عن تفسير هذا الاختلاف و أسبابه و دوافعه و مرجعته و المراد به ، فإنهم يعمدون إلى خلق تفسيرات على قدر سداجتهم ، مثلما فسر الأقدمون في الميثولوجيا الزلزال كون الأرض محمولة على قرني ثور عندما عجزوا عن تفسير الظاهرة .
الجنون عند الشاعر هو هذا الارتقاء عن تمثلات العوام العاجزة ، نحو مدارج التميّز الروحي و العقلي .
الاستقامة على الجنون ، أي التفرد في الفهم ، في السلوك ، في العلائق ، في تفسير الأشياء كما ( أمر الحب ) و الحب صفاء و سماحة .تعالي عن السفاسف و الصغائر . الحب هو التطهر من الدرائن و الخبث ، لتكون جديرا بالمحبة الخالصة و الارتقاء نحو مدارج الصفاء العلوي . نهج الحب و مدارج الحب عن الصوفية تبدأ بالعلاقة ، أي تعلق القلب بالمحبوب .و هي المرتبة الأولى لتمر بعد ذلك بثمانية مراتب لتصل إلى المرتبة العاشرة ، و هي الخلة: و التي انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب .
هذا هو أمر المزمار السادس و تلك وصية الشاعر حين يمتلئ القلب حبا بهذا الحجم .
و بعد ذلك :
ثلاثة أفعال أمر متواترة … مطلوب القيام بها .
( ابك ) ندما و استغفارا و تطهّرا ، فالدمع يغسل القلوب من غمّها و همّها و دَنسها .
( اضحك ) الفرحة بعد التطهّر . الضحك رديف الفرج هنا .
( اجلي ) لحظة الهدوء و الاطمئنان ليكون العقل كما الروح صافيا استعدادا لمعانقة الخطوة الأخيرة .

(((المزمار السابع
مزمار العناق و الذوبان ….

((( و على حين غرة اجر
عانق أول امرأة
و اسكب في فنجانها بلواك
ثم اصمت ،
الصمت ،
الصمت…
و ارقص ،
ارقص ،
ارقص …)))

هي درجة الانعتاق ، و التخلص من كل متعلقات الذي مضى ببياضها و سوادها و حتى بمختلف ألوان الطيف فيها . يصل بنا الشاعر إلى مرحلة العودة للأصل . حيث التصالح مع الذات ، و بداية أول خطوة في المشوار الجديد بالعناق .
( اِجْرِ )
ضدا عن مسببات العجز ، اِجْرِ . كما أمر الله نبيه سيدنا أيوب عليك السلام <<< ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ>>>
الانطلاق مُحرّرا من السوابق . ليكون العناق الذي ستكتشف فيه الذات من جديد .
(عانق أول امرأة ) المرأة رمز الأمان و الاستقرار و الاستمرارية . أيّا كانت هذه المرأة فهن تتقاسمن نفس المواصفات . تبدأ بالحب و تنتهي بالحب .
( و اسكب في فنجانها بلواك )
و كما حكيتَ لامرأة لا تعرفها سوى الطريق يجمعكما ، بلواك ، ثم فارقتها عند أول عناق . فالآن مطلوب منك بعد كل هذه الرحلة العودة لِذات العناق لتسكب في فنجانها ، نفس البلوى . اختر للبلوى أي تفسير يروق لك أو يأتي فجأة إلى دماغك . كما اخترْ للفنجان الدلالة التي تجدها مناسبة للبلوى التي اخترتها .
و بعد كل هذا المجهود ، يعود الشاعر للأمر :
(ثم اصمت ،
الصمت ،
الصمت…
و ارقص ،
ارقص ،
ارقص … )
الصمت = الهدوء = يساوي استرجاع الأنفاس .
ثم :
الرقص = الفرحة = الحبور = يساوي عودة الحياة .

و بعد حوالي ستة أشهر ، آن لهذه القراءة أن تكتمل . فاحضنها أيها القارئ بما يليق بها و عانق فيها الشاعر و المُحتضن لها …… ثم أعد قراءة النص بطريقتك الخاصة .

/////////////////////////////////

مزامير من سفر الحنون
*******
فاستقم على الجنون
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس
اجر
…..
أبسط ذراعيك كنسر
ارم عنقك لأول مفترس
تشهق أنيابه بالشهوة
احزم حقائبك و ادرك
أقرب قطار حتى
و لو لم تعرف الاتجاه
…..
احك لامرأة
لا يجمع بينك و بينها
إلا الطريق
بلواك
و فارقها بعد أول عناق
…..
تصدق بملابسك
و اعلن عن عريك
فمن أحبك سيرمي عليك
جسده و يلفك
كما تلف النار سيجارتها
تشتعلان معا
تنطفئان
تغدوان رمادا
تؤبنه القصائد بعد فوات الأوان
فاستقم على الجنون
…..
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس
…..
و على حين غرة اجر
عانق أول امرأة
و اسكب في فنجانها بلواك
ثم اصمت ،
الصمت ،
الصمت…
و ارقص ،
ارقص ،
ارقص …
الشاعر حسن عبيدو
 

Views: 16

الاخبار العاجلة