عبد العزيز حنان
اكتملت بالدار البيضاء في 20 أكتوبر 2022
هو نص يتمرد على الميكانيزمات النقدية الجاهزة ، لينطلق كغضب بركان ضاق بسجنه الطويل برحِم الأرض ، ليعانق الفضاء الرحب بكل سَعَته ….
نص يتجاوز صرامة النظريات النقدية و مساطرها المقننة سلفا ، و كأنها أكفان جاهزة لأي نص إبداعي نلبسه إياه ، قصد تشييعه إلى مثواه الأخير بعد التشريح الآلي الجامد .
إنه سِفر الجنون ، يترنح على إيقاع مزاميره السبعة .
و هذا ما كنت أذهب إليه في أكثر من قراءة لإبداع المبدعين . إن النص الإبداعي يخلق فضاءه النقدي ، و يؤسس معالم مدرسته النقدية مع الاستفادة من بعض الآليات التي اعتمدتها أو توصلّت إليها المدارس النقدية السابقة شريطة أن تخدم النص ، لا أن تخنقه .
مع التنبيه ، هذا إذا كان النص الإبداعي حيّا متجددا في مبناه و معناه ، و ليس نصا مستنسخا من تحارب سابقة . فهذا الأخير لا جِدّة فيه ، و لْتُقرأ على حروفه أدعية الدفن و النسيان .
مزامير من سِفْر الحنون
من يستطيع كبْح جماح ثورة الجنون ؟؟؟
من يستطيع تقييد مسار غضب الجنون و حتى مساراته إيجابا و سليا ، و توقع انفلاتاته و اندفاعاته ؟؟؟
لا شيء .
الجنون هو اللّامُتوقّع ….
مزامير من سِفْر الحنون
أهم خصائص هذا النص :
1 – اعتماد الدفق الروحي كإيقاع مميّز لنفَس الامتداد .
2 – الجمل الفعلية ، و زمن أفعالها و دلالتهما .
3 – المزامير السبع لسِفر الجنون .
…….
1 – اعتماد الدفق الروحي كإيقاع مميّز لنفَس الامتداد .
و أنت تقرأ النص أو تسمعه بصوت الشاعر ، تحس بانسيابية مرنة و سلسة . هو التدفق الذي يجرف في طريقه كل ما يعترضه ، ليعطي للسيل حرية المُضيّ قدما …
نعم ، إيقاع سلس بالرغم من أسلوب الأمر الذي يؤثث كل مفاصله . إذ نجد ذلك الأمر العذب المُحبَّب .
و هنا أسجل و أكرر بلا نهاية : الإبداع الإنساني وُجد قبل النقد ، و المدارس النقدية ، من مرحلة التذوق البسيط وصولا إلى النظريات …و على النقاد أن يلامسوا النص الإبداعي في بنيته الخاصة و عوالمه التي أنجبته و ترعرع فيها …، في تجدّده اللغوي و الإيقاعي و البلاغي و الفكري ، لا أن يقيموا عليه الحجر في زنزانة الذي كان . فمن اجتهاد و عبقرية السابقين ، أنهم قعّدوا للإبداع الذي كان في عصرهم و عبروا من خلاله و من خلال قواعده هموم الزمن الذي تواجدوا فيه و عاشوه .
هذا النص الذي بين أيدينا يؤسس إيقاعه الخاص المنسجم مع الموضوع الذي يشتعل بدواخله فكرا و إحساسا ، تساعده في ذلك اللغة و الأسلوب المناسبين و اللذان يعتمدان على الجمل الفعلية و زمنها .
2 – الجمل الفعلية ، و زمن أفعالها و دلالتهما .
من المعلوم أن الجمل الفعلية تمثل الحركة و تكسير الثابت الممتد كخط مستقيم . الجمل الفعلية توحي بتلك الذبذبات و الموجات الدّالة على الحركية المتتالية دون توقف . و هذه سمة نص المجنون حسن عبيدو في أسفار مزاميره .
إذ تمثل الأفعال في هذا النص ما يقارب نصف المفردات المُشكّلة له ، مع غلبة فعل الأمر ، الممتد من زمن صدوره إلى ما لا نهاية بلا توقف . بمعنى أن الأمر متجدد في معناه المراد له إلا في حالة مجيء ما يوقف امتداده بالحصر .
و الأمر تتعدد دلالاته و المراد به ، و هو في النص ليس ذاك الأمر بمعنى الزجر و الامتثال ، و إنما هو الدعوة إلى ممارسة فعل الجنون الحر في صور و أشكال متعددة . تروم كلها تكسير المتعارف و المتعاقد عليه عرفيا ، و الذي أخذ الوثن المقدس في حياتنا .
الأمر في أن ينصت الإنسان لأناه، أن يتصالح مع ذاته و الانعتاق من زيف قوانين اختلقها الأقوياء لاستعباد الضعفاء و الخانعين لأوامر النصوص التي لا ينضبط لها من أخرجوها و فرضوها .
الأمر في هذا النص ؛ تحريض على حبّ الذات بعيدا عن النرجسية حميميا مع طوق الإنسان إلى الحرية المطلقة ترتكز على قانون الحب و المحبّة التي تتسامى فوق كل شيء .
الحب و المحبة ، خارج طقوس المألوف المقيّد .
إنه الجنون ……
هو إعادة تشكيل معاني الأمر من مجرد طلب الإذعان والاستجابة الغبية للأوامر إلى معاندة الانكفاء و الاستسلام الجبان .
3 – المزامير السبع لسِفر الجنون .
الجنون …
قبل البدء .
هذا التقسيم إلى سبعة مزامير ليس تعسّفا و لا تقطيعا قسريا له ، و إنما هو ملامسة لأنفاس الشاعر ، و مرافقة الدفقة الشعرية فيه حتى بلوغها منتهاها .
الدفقة الشعرية هي من تحدد المقاطع .من شهْقة النّفَس الشعري ، حتى آخر زفرة منه .
هي سبعة .
هل اعتباطا كانت بهذا العدد أم أن الرقم يسكننا لا شعوريا ؟؟؟
الحِسّ الصوفي في تجربة الشاعر تجد مبررا للوقوف عند الرقم سبعة . لن أطيل في الوقوف عند هذا الرقم و دلالاته و رمزيتها . فذاك موضوع آخر .
المزمار الأول .
مزمار الحب و الجنون
…
((( فاستقم على الجنون
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس
اجر )))
أول ما يُلاحظ هذه المسحة الإنجيلية في النص كله و بشكل كبير في هذا المزمار . و ذاك من خلال الألفاظ : “”” استقم / كما أمر / على نهجه “”” سواء كان ذاك عن وعي و سبق إصرار أو دونه . فكثير من إصحاحات الكتاب المقدس عند المسيحيين ( الإنجيل ) تأخذ هذا المسار باستعمال هذه الألفاظ في تعاطيها مع أوامر ( الرّبّ ) . و قد اعتمدتها بعض فرق الصوفية في تراتيلهم و ابتهالاتهم . الشاعر هنا لم ينفصل عن عن هذين الركيزتين . إذ عــبّ من معينهما ليقدم لنا النص كما يراه هو و يشتهيه ….
هل الحب جنون ؟؟؟
فليكن الحب هو الآمر . و الحب عند الصوفية كما عند الرهبان هو أصدق مراتب التجلي .في الارتقاء نحو مدارج التقرب إلى الله لأجل بلوغ مرتبة الحلول .الشاعر التقط هذا الخيط ليعطيه سمة الجنون . و ربما استعار اللفظ من نظرة العوامّ لهؤلاء ( العُبّاد ) لقصور فهمهم ، و استعصاء ملامسة عقولهم لحالة تخلص هؤلاء من الجاذبية الأرضية إلى جاذبية أرقى و أقوى فينسلخون عن العالم الحسي إلى العالم الروحي ….
“”” استقم على الجنون “””
الأمر الجميل = الطلب الواجب + التنفيد + الاستقامة .
لنحاول المجاوزة بين المعنيين في هذا اللفظ . الاستقامة على الجنون . لكن أي جنون هذا ؟ إنه أمر الحب . الأمر باتخاذ جنون الحب نهجا لحياة المحب من خلال ترادف أفعال الأمر : ابك … اجلس … اجر … أفعال لم تأت عيثا و لا مجرد حشو و إنما هي الدّالة على المراد من المدلول .
ابك ، خشية …
اضحك ، شكرا …
اجلس ، تأمّلا …
اجر ، سعيا …
هذه هي المعادلة المسكوت عنها و التي تبوح بها الأفعال ، لكنها تحتاج إلى الانخراط في جذبة الجنون للارتقاء إلى مدارج دلالاتها .
المزمار الثاني
مزمار الفداء و الانعتاق
لا يختلف هذا المزمار عن سابقه من حيث دينامية الحركة ، من خلال تواتر الجمل الفعلية التي تتأسس على الأمر البعيد عن الزجر و القريب من الارتقاء لمسرى الفداء و الانعتاق .
دلالة أفعال الأمر ، تكاد تقول للمتلقي أعِد حساباتك و تصوّرك للأمر . ( أبسِطْ /اِرْم / اِحزمْ / أدرِك ) أمر محبّب تستسيغه النفس و تتجاوب معه الروح .
((( أبسط دراعيك كنسر )))
حذف وجه الشبه ، و بقيت عناصر التشبيه ، على المستوى البلاغي كلما حذفنا أحد عناصر التشبيه الممكن إلا و ارتقى الأسلوب في جمالية و رمزية الصورة . حذف وجه الشبه هنا، يمنح للمتلقي اختيار صورة وجه الشبه أو تمثُّله بقدر إدراكه و معرفته .
النسر ؛ رمز القوة في المخيلة الإنسانية منذ القدم . و هو رمز التعالي ، لا يقبل السكن في المنخفض . مسكنه دوما أعالي الجبال الوعرة و اليابسة تحت قدميه . مما أّهله للرمزية التي احتفظ بها على مرّ العصور كما نجده رمزا في أعلام كثير من الدول في عصرنا هذا .
للنسر منظر مهيب ، عند انطلاقه من الأعالي باسطا جناحيه محلقا سابحا أو نازلا بسرعته الفائقة، ليصبح أكثر مهابة و جمالية و رهبة … تلكم لحظة اكتساح ما تحته بناظريه الثاقبين قبل الانقضاض .
لكنّا نجد الشاعر يخلق الرّجة لدى المتلقي حين يأتي بأمر قد يكون مناقضا لما رسمه هذا المتلقي في مخياله في الصورة قبله .
هناك رمزية النسر المضمرة في وجه الشبه المسكوت عنه ، ليعقبه هذا الفعل الذي قد يحيل إلى الاستسلام للآخر :
((( ارم عشقك لأول مفترس )))
هل منح العشق لأول محتاج نهِمٍ ينسجم مع التشبيه بالنسر ؟؟؟ و هذا التشكيل العجائبي للصورة
((( تشهق أنيابه بالشهوة )))
من يستطيع رسمها و تجسيدها بالريشة ؟؟؟
إنه المزج بين النقيضين ليعطيا إمكانية الحدوث في حالة الجنون التي بدأ بها الشاعر . هي الممكن في المستحيل .
هذا التقابل بين العطاء اللامحدود ، و الافتراس الشرّس ، يشكّل معادلة جنون من نوع آخر غير مألوف و لا متوقَّع . إنه الارتقاء في مدارج العشق نحو مصافّ طالبي درجة الحلول .
قد تبدو الصورة قاتمة عند الوهلة الأولى أو هي نوع من الانتحار . لكن المفترس هنا كناية عن العاشق المتيّم حين تهاجمه لواعج الصبابة ، فيغدو عشقه فِعل متوحش . هي صورة متداخلة لو وجدت فنانا تشكيليا ، لأبدع فيها .
أنياب تشهق بالشهوة لافتراس الحبيب و حدّد الشاعر العضو المرغوب بافتراسه . إنه العنق بكل جماليته و إغراءاته و مكوناته الوظيفية و الحِسّيّة .
لوحة تشكيلية مركّبة ليست فقط من حيث الرسم ، و إنما تداخل عناصرها التي تذيب التناقضات بين اللغوي و الرمزي .
المزمار الثالث
مزمار الرحيل و الخلاص
بين دلالة الحدثين في فعلي ( أبسط و احزم ) تتلخص حكاية هذا المزمار . بين الافتراس و الرحيل يتحقق الخلاص ، لا يهم إلى أين يكون الرحيل ، المهم أن يحدث .
((( اِحْزم حقائبك )))
و الحقيبة رمزيتها السفر و الرحيل ، مما يحيلنا أن الافتراس في المزمار الثاني ليس افتراس الذات / الشخص ، لكنه افتراس لهذا العشق الكبير ، والتخلص من وطأته أو في أقلّ الاحتمالات التخفيف منه . فالذي شهقت أنيابه بالشهوة ، سيأخذ من العشق كل ما يطفئ و يشبع اشتعال شهوته .
في هذا المزمار ، الأمر بجمع الحقائب ، جمع و ليس حقيبة مفردة . و كأنما هي رحلة طويلة بلا عودة . و الحقيبة تجمع في طياتها الكثير ، و منه الذكريات و المطامح و الأماني الممكنة و حتى المستحيلة ….
لا يهم إلى أين ، ففي السفر حرية بطعم خاص ، انعتاق من التدقيق في كل شيء حتى في الشهيق و الزفير . هو سفر فيه رغبة التحرّر من أي قيد قد يعيد المسافر للمربع الأول .
معرفة اتجاه السفر ليست ضرورية ، المهم أن تشعر أنك تتخلص من هـمّ ، و حتى من زمن . عدم التركيز على وجهة السفر إعلان للانطلاق و بكل حرية بمفهومها المطلق نحو تغيير المكان و حتى الزمان بل و حتى انضباط مسارات التفكير و الاستنتاج . إنها الانطلاق من عالم حسي ، إلى عوالم هلامية ينعدم فيها كل إحساس بالضوابط التي فرضها الإنسان على كُلْيَته .
(((احزم حقائبك و ادرك
أقرب قطار حتى
و لو لم تعرف الاتجاه )))
المزمار الرابع
مزمار الرحيل و الخلاص
يقول عمر الخيام في رباعياته من ترجمة الشاعر أحمد رامي :
و لا بآت العيش قبل الأوان لا تشغل البال بماضي الزمان
فليس في طبع الليالي الأمان و اغنم من الحاضر لذاته
الشاعر حسن عبيدو ينحُو نفس المنحى و إن اختلف الزمان و المكان و الطرح ، لكن يجمعهما هذا التميّز في الأنا المتصلة بعوالم قد لا يفقهها العوامّ ، و لا يستشعر سحرها و حلاوتها إلا المريدون على قدر ارتقاءهم في مدارج التخلص من جاذبية القعر ، و العمل على الانفلات منه طلبا للأعلى …
في هذا المزمار نوع من تمثّل الطقس المسيحي في الاعتراف . لكنه ذو بُعد صوفي يتجاوز النسخة المسيحية في مفهومها. الشاعر هنا لا يسميه اعترافا ، و إنما يعلنه بوحا أو فضفةَ طريق . و المتحدَّث إليه ليس القسيس أو من يقوم مقامه ، و إنما هو المرأة .
المرأة رمز الاحتضان الرحيم . مهما اشتدّت قسوتها فبقلبها تظل حيّة و حاضرة هذه القدرة على الاحتواء كأم ، ثم الإصغاء . و قد أخطأ من تبنى فكرة كون المرأة أكثر كلاما من الرجل . فقدرة المرأة على الإصغاء تتجاوز بمسافات قدرة الرجل في ذلك .
الاحتضان مع الإنصات يمنحان للآخر الأمان و هو مطلب الإنسان بشكل عام و مريدي الطرق الصوفية بشكل خاص . و من تمّ كان أمر الشاعر
((( احك لامرأة
لا يجمع بينك و بينها
إلا الطريق
بلواك
و فارقها بعد أول عناق )))
المرأة أينما كانت ، و كيفما كانت ، و بأي عمر كانت تبقى هي الأرض التي تستر بنيها .هي ليس القسيس الذي يبيع صكوك الغفران بعد جلسة الاعتراف ، و إنما هي بغريزة الأمومة فيها ، بتكوينها الفطري تستمع ، تحتضن و تصغي . فقط ( احك ) . و الحكي يستلهم ما هو مدفون في الأغوار لينتفض حيّا على اللسان مرة أخرى . إنه تجدُّد الحياة وهذا ما يرمز إليه الشاعر حسن عبيدو بالأمر .
احك لامرأة . ليس بالضرورة أن تكون على سابق معرفة بها ، يكفي أن يجمعكما السفر إلى حيث لا تدريان …
و كأني بأبي القاسم الشابي يسائل الأرض :
يـا أم هل تكرهـن البـشــر قالت لي الأرض لما سألت
و من يستلذ ركوب الخطـر أبارك في الناس أهل الطموح
ويقنع بالعيش عيش الحفر و ألعن من لا يماشي الزمان
و يحتقر الميت مهما كبر هو الكون حي يحب الحياة
الترحال ، حياة … و السفر لا يهم إلى أين ، حياة … و البوح بأية طريقة و شكل ممارسة لهذه الحياة . و المرأة هي الشحنة و الطاقة الكفيلة بمواصلة فِعْل الحياة .
و ماذا بعد الحكي ؟؟؟
لا تتورّط فيما هو أكثر . كل تورّط فيما زاد عن الحكي ، هو سقوط في المحظور لأنه بعد أول عناق يكون المريد في مفترق الطرق . إما الارتقاء في مدارج طلب مراتب أعلى بالاستفاقة من نشوة العناق أو البقاء سجينا ضمن حظيرة عامة المجاذيب ، الذين لا فرق بينهم و بين العوامّ غير الأوردة التي يرددونها ضمن الطقوس اليومية . و حتى لا تحصل تلك الألفة التي تعيدك للحجر ثانية ، فارقها عند أول عناق ، و ليكن عناق الوداع و استمرار الرحلة ….
المزمار الخامس
مزمار البدل السخي ، و خلود المحبة الحارقة
((( تصدق بملابسك
و اعلن عن عريك
فمن أحبك سيرمي عليك
جسده و يلفك
كما تلف النار سيجارتها
تشتعلان معا
تنطفئان
تغدوان رمادا
تؤبنه القصائد بعد فوات الأوان )))
هي مرتبة التسامي إلى البدل السخي . و درجة من درجات بلوغ مرتبة الإحسان . الصدقة … استمرار الأمر ( تصدّق ) بكل شيء . فآخر ما يتبقى للإ نسان تلك الملابس التي تستره فليتصدق بها . هل المقصود هنا الملابس التي نعرفها ؟
السؤال يجيب عنه ما يأتي : ( و اعلن عريك ) هي ليست الملابس بل كل ما يمكنك أن تتصدق به . اطرح عنك كل شيء و منها ( بلواك ) / ما يفضحك .هو قدر الشاعر حين يتعرى بكل ما فيه أمام الملأ كاشفا فرحه و حزنه ، واصفا نجاحاته و إخفاقاته ، معترفا بحسناته و زلاته … يتقدم نحو المتلقين بكل عُريه … دون أن يحْني رأسه في الرمل كالنعام . و حين يلامس من أحبوك صدقك و صفاءك و محبّتك ، سيحضنوك بأنفسهم بأجسادهم و بكل ما يستطيعون . عندما ينكشف المرء بكل صِدْقيته ، لا خوف عليه .فالذي يجهر بالحق و الصدق سيجد امتداداته في الخيّرين من الخلق . فيلتفوا حوله و يؤازروه و يحموه من كل شيء . و هو ما يعبر عنه التشبيه الجميل .
(((كما تلف النار سيجارتها
تشتعلان معا
تنطفئان
تغدوان رمادا
تؤبنه القصائد بعد فوات الأوان )))
المُشبَّه / المنكشف بكل ما فيه .
المشبَّه به / من أحبوك ، من صدّقوا فعلك . / كما تلف النار سجارتها
وجه الشبه / تشتعلان – تنطفئان – تغدوان رمادا
لوحة تشكيلية أخّاذة . فليرسمها من تشرّب أبعادها و ظلالها و ألوانها و مآلات شخوصها .
المزمار السادس
مزمار الجنون و التطهر
(((فاستقم على الجنون
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس )))
الجنون عند الشاعر هو مخالفة العوام ، و عندما يقع لتشبه بالعوامّ ، يرتد إلى منزلة أدنى . لأنهك حين يعجزون عن تفسير هذا الاختلاف و أسبابه و دوافعه و مرجعته و المراد به ، فإنهم يعمدون إلى خلق تفسيرات على قدر سداجتهم ، مثلما فسر الأقدمون في الميثولوجيا الزلزال كون الأرض محمولة على قرني ثور عندما عجزوا عن تفسير الظاهرة .
الجنون عند الشاعر هو هذا الارتقاء عن تمثلات العوام العاجزة ، نحو مدارج التميّز الروحي و العقلي .
الاستقامة على الجنون ، أي التفرد في الفهم ، في السلوك ، في العلائق ، في تفسير الأشياء كما ( أمر الحب ) و الحب صفاء و سماحة .تعالي عن السفاسف و الصغائر . الحب هو التطهر من الدرائن و الخبث ، لتكون جديرا بالمحبة الخالصة و الارتقاء نحو مدارج الصفاء العلوي . نهج الحب و مدارج الحب عن الصوفية تبدأ بالعلاقة ، أي تعلق القلب بالمحبوب .و هي المرتبة الأولى لتمر بعد ذلك بثمانية مراتب لتصل إلى المرتبة العاشرة ، و هي الخلة: و التي انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب .
هذا هو أمر المزمار السادس و تلك وصية الشاعر حين يمتلئ القلب حبا بهذا الحجم .
و بعد ذلك :
ثلاثة أفعال أمر متواترة … مطلوب القيام بها .
( ابك ) ندما و استغفارا و تطهّرا ، فالدمع يغسل القلوب من غمّها و همّها و دَنسها .
( اضحك ) الفرحة بعد التطهّر . الضحك رديف الفرج هنا .
( اجلي ) لحظة الهدوء و الاطمئنان ليكون العقل كما الروح صافيا استعدادا لمعانقة الخطوة الأخيرة .
(((المزمار السابع
مزمار العناق و الذوبان ….
((( و على حين غرة اجر
عانق أول امرأة
و اسكب في فنجانها بلواك
ثم اصمت ،
الصمت ،
الصمت…
و ارقص ،
ارقص ،
ارقص …)))
هي درجة الانعتاق ، و التخلص من كل متعلقات الذي مضى ببياضها و سوادها و حتى بمختلف ألوان الطيف فيها . يصل بنا الشاعر إلى مرحلة العودة للأصل . حيث التصالح مع الذات ، و بداية أول خطوة في المشوار الجديد بالعناق .
( اِجْرِ )
ضدا عن مسببات العجز ، اِجْرِ . كما أمر الله نبيه سيدنا أيوب عليك السلام <<< ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ>>>
الانطلاق مُحرّرا من السوابق . ليكون العناق الذي ستكتشف فيه الذات من جديد .
(عانق أول امرأة ) المرأة رمز الأمان و الاستقرار و الاستمرارية . أيّا كانت هذه المرأة فهن تتقاسمن نفس المواصفات . تبدأ بالحب و تنتهي بالحب .
( و اسكب في فنجانها بلواك )
و كما حكيتَ لامرأة لا تعرفها سوى الطريق يجمعكما ، بلواك ، ثم فارقتها عند أول عناق . فالآن مطلوب منك بعد كل هذه الرحلة العودة لِذات العناق لتسكب في فنجانها ، نفس البلوى . اختر للبلوى أي تفسير يروق لك أو يأتي فجأة إلى دماغك . كما اخترْ للفنجان الدلالة التي تجدها مناسبة للبلوى التي اخترتها .
و بعد كل هذا المجهود ، يعود الشاعر للأمر :
(ثم اصمت ،
الصمت ،
الصمت…
و ارقص ،
ارقص ،
ارقص … )
الصمت = الهدوء = يساوي استرجاع الأنفاس .
ثم :
الرقص = الفرحة = الحبور = يساوي عودة الحياة .
و بعد حوالي ستة أشهر ، آن لهذه القراءة أن تكتمل . فاحضنها أيها القارئ بما يليق بها و عانق فيها الشاعر و المُحتضن لها …… ثم أعد قراءة النص بطريقتك الخاصة .
/////////////////////////////////
مزامير من سفر الحنون
*******
فاستقم على الجنون
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس
اجر
…..
أبسط ذراعيك كنسر
ارم عنقك لأول مفترس
تشهق أنيابه بالشهوة
احزم حقائبك و ادرك
أقرب قطار حتى
و لو لم تعرف الاتجاه
…..
احك لامرأة
لا يجمع بينك و بينها
إلا الطريق
بلواك
و فارقها بعد أول عناق
…..
تصدق بملابسك
و اعلن عن عريك
فمن أحبك سيرمي عليك
جسده و يلفك
كما تلف النار سيجارتها
تشتعلان معا
تنطفئان
تغدوان رمادا
تؤبنه القصائد بعد فوات الأوان
فاستقم على الجنون
…..
كما أمر الحب
و على نهجه
ابك
اضحك
اجلس
…..
و على حين غرة اجر
عانق أول امرأة
و اسكب في فنجانها بلواك
ثم اصمت ،
الصمت ،
الصمت…
و ارقص ،
ارقص ،
ارقص …
الشاعر حسن عبيدو
Views: 16
























