فن وثقافة

مملكة الصلحاء في مواجهة البلاء

الدكتور خالد التوزاني

لم تكن مملكة الصلحاء، المملكة المغربية، عبر تاريخها الطويل، في عزلة عن الوباء أو مفرّ من الزلازل والفيضانات، ولم تكن دولة الأشراف في مأمن من سنوات الجفاف وموجات الغلاء، وفتن الحروب والنزاعات، بحكم موقع المغرب الجغرافي المتميّز في أقصى شمال إفريقيا، وطابع الانفتاح الذي اشتهر به، فكان في فترات عديدة، من تاريخه الحافل بالأحداث العظيمة، عرضةً لهزّات عنيفة، لو ضَرَبَت شعباً آخر لما قامت له قائمة أبداً، ولكن توالي الصدمات، أكسبت المغرب قوة هائلة، وقدرة فائقة على التحمّل، وإدارة الأزمات بجدية وحزم، واتخاذ الاحتياطات دون تردد أو تريث، وهذا ما جعل المغرب في زمن وباء كوفيد 19، أو فيروس كورونا المستجد، يكون سبّاقاً لاتخاذ ما يلزم من سبل الوقاية والحماية، حتى تم تصنيفه الأول عبر العالم من حيث اليقظة الوبائية والتعامل بجدية عالية مع خطر انتشار فيروس كورونا المستجد، ولعل هذه الفعالية كانت نتيجة الخبرات التي راكمها المغرب عبر تاريخه الطويل في تدبير الأزمات، والخروج منها بسلام أو بأقل الخسائر الممكنة. وفي هذا المقال نقلّب صفحات من تاريخ الأوبئة والزلازل والمجاعات في مملكة الشرفاء المغاربة وسلاطينهم الصلحاء، حتى نقف على سر يقظتهم الحالية في مواجهة وباء كورونا الجديد، وكيف لم يتردّد كبار رجال الدولة المغربية اليوم في التبرع بأموالهم بسخاء وتقديم كل ما يستطيعون من أجل توفير الوسائل الكفيلة بصد هجوم فيروس كورونا المستجد في أيامنا الحالية، وكيف تجنّد الشعب المغربي لمواجهة خطر الوباء، بالتزام التعليمات، والبقاء في البيوت، وإحياء قيم التضامن بينهم.

نعود للوراء أربعة قرون ماضية، لاستنطاق كتب التاريخ والرحلات، عن بعض ما شهده المغرب من حروب مع الطاعون وأخواته.

تميز القرن الحادي عشر الهجري بأحداث تدعو للعجب؛ ففي سنة تسع وثلاثين وألف اجتاح مكة سيل عظيم هدم معظم بناء الكعبة، ووصف الرحالة أبو سالم العياشي المشهد في رحلته ماء الموائد بعبارة: “سجدت لله فيه الكعبة”. وفي سنة ثلاث وسبعين وألف، هجم السيل مرة ثانية “فخرب غالب أسواق مكة، وهد دورا كثيرة وأتلف أموالا عظيمة، ومات فيه الناس، وهدم دار بعض أرباب الدولة (…) ودخل المسجد الحرام (…) حتى امتلأ المسجد كله، وارتفع الماء فيه إلى أن ذهب بقناديل المطاف كلها وما في المسجد من دواريق وبسط، وارتفع على قبة المقام (…) وملأ كل بيت وخزانة في المسجد (…) وطاف بعض الناس بالبيت عوما ممن يحسن السباحة، وكان ذلك الماء أمرا مهولا”. وفي سنة أربع وسبعين وألف، “وقعت أمور هائلة بإقليم أصفهان، وخسفت الأرض بمدن وقرى وجبال، ووقع تحويل لبعض القرى من مكان إلى مكان، وخسف بأكثر مدينة تبريز، وهي من قواعد ذلك الإقليم (…) وكون الخراب فيها أتم”. وفي مدينة بسكرة من بلاد المغرب الأوسط قتل الوباء سبعين ألف نفس، وقد دخلها أبو سالم العياشي عقب الوباء فوجد أكثر حوماتها خاليا ومساجدها داثرة، يقول أبو سالم: “ولما رجعت من الحجاز في سنة ستين وجدته (أحد الصالحين) قد توفي بالوباء الواقع في تلك السنة، وكان وباءا مفرطا، مات به في بسكرة على ما قيل لنا نحو من سبعين ألف نفس، وقد دخلنا المدينة عقبه، فوجدنا أكثر حوماتها خاليا، ومساجدها داثرة”.

كان السلطان المغربي المنصور الذهبي من أعظم الملوك السعديين وبطل معركة وادي المخازن، ملكاً مهاباً، استمر في الملك ستا وعشرين سنة، “بعدما ذهب إلى فاس لتأديب ابنه الثائر عليه محمد الشيخ المامون فأخمد الثورة وأودع ابنه السجن، ولكن الوباء حل بالناحية فمات المنصور دون أن يبت في أمر ولاية العهد”، وعلى الرغم من وجود رواية أخرى تقول إنه مات مسموماً، حيث وضعت له السم زوجته عائشة بنت أبي بكر الشيبانية أم ابنه زيدان لأنه أوصى ببيعة ابنه أبي فارس، إلا أنَّ الوباء كان منتشرا في مدينة فاس إبان زيارته لها، وهكذا مات فجأة رحمه الله، وبويع ابنه الأول بفاس والثاني بمراكش فأدت النزاعات بين أبنائه “في طلب العرش والفوز بصولجان الملك”، إلى قطيعة رحم وانقسامات أضعفت الدولة، وأثارت بعض الأطماع الخارجية التي بدأت تتربص بالبلاد الدوائر وتنتظر الفرصة للاستحواذ على بعض الحدود والثغور وخاصة في الشمال المغربي.

إنَّ أسوأ مشهد عرفه المغرب في هذا القرن هو ما عرفه من انقسامات عندما وَهِيَ أمر الدولة السعدية، و”اختل نظامها وتساوت فيها الأسافيل والأعالي، نبغ في كل جهة قائم، وصاح في كل كدية ديك، وتقاسم الثوار البلاد، وصاروا كملوك الطوائف في الأندلس”، وقد “بلغت هذه الحالة السيئة منتهاها عندما كادت تستقل كل جهة بملك، حتى إن ناحية تازا قام فيها اليهودي ابن مشعل وبنى حصنا منيعا له وجعله مقر إمارته (…) كما أن أتراك الجزائر استطاعوا في هذه الحقبة المظلمة من تاريخنا، أن يدخلوا إلى وجدة وهي على الحدود ويسعوا في الاستيلاء عليها وضمها إلى ممتلكاتهم”، وقام الثوار في كل ناحية، حيث تذكر كتب التاريخ بعض الثائرين مثل: أبي فارس ومحمد الشيخ وابن أبي محلي وأبي حسون السملالي وغيرهم، وبعض الزعماء مثل المجاهد أبي عبد الله العياشي ومحمد الحاج الدلائي، والأمير محمد بن الشريف وأخيه الرشيد، وقد استولى الأجانب من اسبان وبرتغال وانكليز على مراسي المغرب وطمعهم في داخله. ولم تستقر الأوضاع إلا مع السلطان المولى الرشيد بعد خوضه لحروب استمرت سبع سنوات وهي المدة التي قضاها في الحكم، فحقق بذلك للمغرب وحدته واستقراره.

إذا كانت أزمات الحكم والنزاع على السلطة، أمرا متوقعا في كثير من الدول، فإن المشهد يبدو صعبا ومقلقا، عندما تضاف إليه أزمات نقص الغذاء وانتشار الوباء وسيادة الغلاء، وما يترتب عن ذلك كله، من ظهور للفتن وانهيار للقيم؛ حيث زاد من أزمة البلاد اجتياح وباء الطاعون للمغرب من سنة 1007هـ إلى 1016هـ، وبين عامي1072هـ و1089هـ، وساعد على انتشاره بفاس، فيضان عظيم خرّب المنازل والقناطر والأسواق، حتى وصل الماء إلى باب البرادعيين. وكذلك سنوات الجفاف، التي ضربت المغرب في الأعوام: 1022هـ و 1044هـ و1063هـ و1072هـ، وأيضا موجات الغلاء، حسب كتاب الاستقصا للناصري، ونشر المثاني للقادري، حيث تعددت أسباب الغلاء في هذا القرن، منها ثورات القبائل التي قطعت سبل المسافرين وقوافل التجارة، فقلَّتْ المواد الغذائية في المدن، وتسببت الحروب في فساد الزراعة، وحصار الأجانب ومراقبتهم للموانئ التجارية المغربية، فضلا عن الجفاف. وهكذا، عرف المغرب موجات للغلاء سنوات: 1022هـ و1060هـ و1073هـ و1090ه، فعاشت البلاد وضعية حرجة عبرت عنها كتب التاريخ والسير التي أرخت لتلك الفترة العصيبة، ومنها كتاب نشر المثاني للقادري، و كتاب نزهة الحادي لليفرني، وكتاب إيليغ قديما وحديثا لمحمد المختار السوسي، وكتاب التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر في أخبار وأعيان المائة الحادية والثانية عشر، للقادري، حيث تذكر تلك الكتب التاريخية وغيرها أخباراً مؤلماً عن أوجاع الناس في تلك الفترة الصعبة، فقد “شاع احتراف السلب والنهب في الأموال والنفوس”، وانتشار الأوبئة والمجاعات، ومن ذلك ما يذكره العياشي محمد بن عبد الجبار، في كتابه الموسوم بـ: زوبعة المشتاق لبعض ما وقع في المغرب عام اثنين وسبعين من الجوع والشقاق، حيث يستحضر الأبيات الشعرية الآتية:

يا من عن الغَرْبِ عام الجُوع قد غربا لا تنكرن على من جوعه غَلَبا

إن حَــدَّثُوكَ أحـاديث إذا سمعـت يَظَّلُ سَـامِعها يقول واعَجَـبا

اشدد بعــام يكاد الزَّرْعُ فيه يكـون كالنّدَى فَيُبَاعُ وزنـــه ذَهَبا

ما أعظم الأمـر إِذْ كانت تَعُودُ بـه التَّمْرُ تِبْرًا وعـاد حَشفه رُطَبـَا

وقد وصف الرحالة المتصوف أبو سالم العياشي في رحلته ماء الموائد، ما حل بالبلاد من فتن وجوع، قائلا: “في سنة تسع وستين دبت في مغربنا عقارب الفتن، وهاجت بين الخاصة والعامة مضمرات الإحن، فانقطعت السبل أو كادت، وماجت الأرض بأهلها ومادت، (…) وأضرم الجوع في سائر الأرجاء ناره، فتولد منه من الفتك والحرابة ما أعلى تفريق الكلمة مناره، وتطاير في كل أفق شَراره، وأهان خيار كل قطر شُراره، واتخذت البدعة شعارا، والزندقة دثارا، وفر الساكن من بلده، والوالد من ولده”. ومن طرائف الشعر قول شاعر في درعة:

يَطُوفُ السَّحَابُ بدرعة كما يطوفُ الحجيج بالبيتِ الحَرَام

تُريـدُ النُّزُولَ فلمْ تَسْتَطِـعْ لسفكِ الدِّمَاءِ وَأَكْلِ الحَــرَام

وقد تحدث صاحب الاستقصا عن غلاء سنة 1073هـ الذي تسبب في “مجاعة عظيمة أكل الناس فيها الجيف والدواب والآدمي، وخلت الدور وعطلت المساجد”، ووصف العلامة اليوسي ظلم الجباة وصفا دقيقا مؤثرا حيث قال: “قد جردوا ذيول الظلم على الرعية، فأكلوا اللحم وشربوا الدم وامتشوا العظم وامتصوا المخ، ولم يتركوا للناس دينا ولا دنيا”. أما صاحب كتاب المطرب بمشاهير أولياء المغرب، فشبَّه كثرة الفتن بنزول المطر، حيث قال: “في وقت كانت الفتن فيه كنزول المطر من السماء، حروب طاحنة متوالية بين السعديين والعلويين وبين المسلمين والإسبانيين والإنجليزيين، وثوار متلصصون هدفهم الإفساد في الأرض ونهب الأموال، يضاف إلى ذلك ما كانوا يصابون به من نكبات الحياة كضيق في المعيشة، وارتفاع في الأسعار، وجدب وقحط وزلازل وهزات”، حيث عرفت مدينة فاس زلزالين عنيفين؛ الأول في رجب سنة 1030هـ والثاني في رمضان سنة 1075هـ فاغتم الناس وعمهم الرعب، واعتقدوا في الحالتين أنها الساعة لا محالة. وقد وصف عبد الرحمن التامنارتي وغيره ممن عاصر تلك الأحداث، التي نال المغرب فيها من الفساد والفتن ما “طاش لها الوقور (…) ووضع النفيس وارتفع الخسيس، وفشا العار وخان الجار ولبس الزمان البؤس وجاء بالوجه العبوس (…) وطأطأ الحق نفسه وأخفى المحق نفسه (…) ووردت المهالك وسدت المسالك وعم الجوع”. فكانت المآسي الشديدة دافعا قويا للبحث عن الخلاص، وقد قال أرسطو: “ينبغي أن نستعين في المآسي بالأمور العجيبة”، فكان الهروب من عجائب الزمان إلى عوالم الغيب والمعتقدات، حيث زهد الناس في الدنيا والتفوا حول بعض الصلحاء والأولياء طمعاً في كرامة تنقدهم مما هم فيه من مآسي، أو دعوة صالح ترفع عنهم الوباء، وكثير من الناس هاجروا بحثاً عن ملاذ آمن، أو فراراً من جوع غالب ووباء مستطير وخوف مقيم.

إن ما عرفه المغاربة من ويلات في بعض الفترات التاريخية، جراء انتشار المجاعات والأوبئة والكوارث الطبيعية، جعلهم يكتسبون خبرة في تدبير الأزمة، ولذلك كانت بيوتهم تتضمن مرافق لتخزين الغذاء، والمطبخ المغربي يضم وصفات تقي البرد وتدفع الجوع لساعات، ووصفات للعلاج، وأيضا اللباس المغربي تميز بخصوصيات الحماية مثل الجلباب والسلهام واللثام، إلى جانب ثقافة التضامن والتآزر، وقيم التضحية والإيثار، والقدرة على الخلوة والعزلة لشهور عديدة، حتى يرفع الله البلاء، وتمر المحنة، وفي طياتها نعمة، فكم من حافظ للقرآن كانت العزلة سبباً في حفظه، وكم من حافظ لبعض العلوم، كانت الخلوة مناسبة للتعمق في القراءة والبحث والتماس العلم، فضلا عن بعض أرباب الصنائع والفنون والحرف، الذين أبدعوا في أوقات الحجر الصحي تحفاً فنية، وأعمالاً ظلت خالدة، كل ذلك خدم المغرب اليوم في مواجهة وباء كورونا فيروس المستجد، والذي يمثّل طاعون الأمس، ولكن بوعي اليوم وإمكانات العصر، لتصبح تجربة المغرب رائدة في مكافحة الأوبئة وجديرة بالاهتمام والبحث.

(للتواصل مع الكاتب: رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي- مساق- touzani79@hotmai.com ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى