
طارق المعروفي

بعد سنة كاملة من العمل و الضغط العصبي و الإرهاق البدني، يحتاج المرء إلى الراحة و الترويح عن النفس ،حتى يستعد لمواجهة سنة أخرى بنشاط و حيوية و يقظة .
إلا أن العطلة أصبحت اليوم بالنسبة لهذه الفئة من الناس و أنا منهم ، فترة أخرى من المعاناة و القلق.
فعندما تريد الذهاب إلى البحر للتمتع بمنظره و أصوات أمواجه، يواجهك حائط من المظلات و الكراسي على عتبة البحر، فلا يمكن لأي أحد أن يحط أمتعته أو يجلس بجانبها ،إلا بعدما يؤدي الثمن للعصابة التي تحتل المكان منذ الصباح الباكر، فتكون مضطرا لكراء المظلة أو الرجوع إلى الوراء بعيدا عن البحر . فتقول مع نفسك من الأفضل تغيير المكان، و الذهاب إلى بحر آخر، عسى أن يكون أفضل و أمتع.
و فعلا تغير الوجهة ، و تذهب إلى بحر آخر، فتفرح لعدم وجود العصابة هناك التي تحتل واجهة البحر، إنما هناك ظاهرة غريبة و حقيرة، و المتمثلة في حجب البحر على المصطافين، بحيث يقوم عدد كبير من الذين يتوفرون على مظلات بتغطيتها من الجوانب، حتى تصبح حائطا يحجب عنك منظر البحر الذي تشتاق إليه .
و هنا تقرر مع نفسك أن تذهب إلى أوطيل في المستوى، و لو أن الثمن ارتفع بصفة مهولة هذه السنة ، لأنك تسعى إلى الراحة و الطمأنينة . و في الأوطيل، تكتشف مظاهر غريبة و سلوكات فريدة من نوعها . فعند تناول وجبة فطور الصباح مثلا، تلاحظ بعض الناس الذين يجمعون جميع المأكولات المعروضة على طاولة الخدمة الذاتية : من رغايف و كرواصات و خبز محمر و حلويات و جبن و بيض و كاشير و ياغورت وحتى الصوصيص …إضافة إلى الشاي و القهوة و العصير و الفواكه . أتساءل مع نفسي هل يأكلون ” الصوصيص” كل صباح في منازلهم ؟ هذا التنوع في الأكل الذي تقدمه الأوطيلات لزبنائها، تقوم به لأن هناك بعض الأجانب معتادون على أكل هذا النوع من الطعام في الصباح . و حبذا لو أكلوا كل ما في صحونهم المملوءة عن آخرها . إنهم عند الإشباع ، يتركون أكثر من ثلثي الأكل فوق الطاولة ليكون عرضة للضياع . قد تقولون و ما شانك أنت ؟ اتركهم في حالهم، إنهم يتمتعون بالعطلة و يريدون الاستفادة منها، و استغلال جميع الفرص، و يجربون جميع ما يقدم لهم . فعلا ، هذه المظاهر قد لا تهمني، و لكنني أكون في بعض الأحيان منساقا لرؤيتها بالرغم مني لأنها مستفزة و غير لائقة في اعتقادي . أما في المسبح، فلا يمكن لك أن تسبح مع هذا الكم من الأطفال الذين يحنقزون و يطيرون من هنا و هناك، دون أن نذكر ما يجري تحت الماء .
بعد ذلك تريد تغيير المدينة و السفر إلى مدينة أخرى لعلك تجد قسطا من الراحة.هذه المرة سأكتري منزلا لأكون لوحدي على أن يكون قريبا من البحر . و فعلا وجدت ما كنت أرغب فيه و لو أن الثمن باهض . لكنني أتفاجأ في الليلة الأولى بالغناء و التطبال و الصياح و الضجيج بالمنازل المجاورة، و يدوم هذا الضجيج إلى حدود ساعة متأخرة من الليل حتى لا أقول الرابعة صباحا . علما أنني أريد أن أنام باكرا لأستيقظ باكرا. طلبت من أحدهم في الصباح، و أقصد في النهار لأنهم ينامون في الرابعة صباحا ليستيقظوا في الواحدة بعد الظهر. طلبت منه أن يكفوا عن الضجيج في الليل لأن هناك من يريد النوم، و هناك الأطفال و المرضى و الذين يريدون الراحة. فأجابني بكل وقاحة و تخلف: نحن في عطلة، و العطلة هي النشاط . أجبته : و هل النشاط هو إزعاج الآخرين؟ ما هذه الأنانية ؟ فرد علي : إذا لم يعجبك الحال إذهب إلى الغابة أو الخلاء، و هناك ستلقى راحتك .
بعد ذلك قررت أن أعود إلى منزلي، لعلي أجد فيه الراحة المرجوة. و كانت المفاجأة و دهشتي أن أتزامن مع الإصلاحات الكبيرة التي يقوم بها أحد الجيران في منزله ، و ما يترتب عن ذلك من ضجيج وإزعاج.
فهل نستحق العطلة؟ أم علينا أن نواكب الموجة ، أي علينا ألا نرى و لا نسمع و لا نتكلم .
ربما لم أستوعب لحد اليوم أن العطلة هي الضجيج و الصياح و الكلاكسون و الأزبال و الإزعاج و الفوضى و … ” النشاط ” .






