شعر ورواية

نص حكائي “ترجمة فورية” إهداء :إلى والدي بطل كل حكاياتي.للشاعر محمد كمل

محمد كمل Mohammed Kamel
القنيطرة Ķénitra Maroc

كان والدي رحمه الله اول ترجمان عرفته البشرية قبل الإغريق والعرب والعجم ، كنا نعيش انا واخوتي الأربعة في غرفتين كلما انتقلنا من مدينة إلى أخرى بحكم تنقلات والدي في عمله بسلك الشرطة وكل ما كنا نملكه هو “سداري”ونصف و” كنبه” وثلاث مخدات وغطاء واحد كبير يقينا البرد والإشتياق لبعضنا كنا ننام كما السردين واحد ملاصق للآخر وكنا لا ننام الا على سماع نفير وزفير بعضنا،
وكان لدينا جهاز تلفاز من نوع” Siera Vramatique ” وكانت برامج التلفزة تبتدأ على الساعة السادسة مساء لكن تلفزتنا كانت بها عاهة غريبة ذلك أنها دائما تحتاج ان تشغل على الساعة الثالثة وتبقى متصلة بالكهرباء الى ان يصل وقتالبث فتظهر الصورة ربما لكون من يشتغلون بداخلها يحتاجون للتسخينات قبل الشروع في العمل ولثلاث ساعاتكاملة لم أعرف سبب هذا الخلل لكن كان كل واحد من إخوتييقوم بإشعال التلفاز في التالثة مساء بالتناوب وكان هذا اولضبط لإستعمال زمننا وقد كانت التلفزة مؤنسنا الوحيد نحن الصغار إلى جانب راديو كان لوالدي كان لا يفارق وسادته في الجهة التي يستلقي فيها والدي للنوم بعد انتهاء برامج
التلفزة بكثير وحلول آذان الفجر وكان لهذا الراديو عطب غريب ذلك أن “موزع الموجات الصوتية ” قد تكسر على قناة مصرية أظنها ” صوت القاهرة ” وهي قناة عريقة حماسية وتذيع أغاني محمد عبد الوهاب وام كلثوم باستمرار وهو واجعلني احفظ أغاني محمد عبد الوهاب مبكرا وقد كان والدي دائما يقول انه سيصلح هذا الراديو لتكون له حريةإختيار ما يسمعه لكنه لم يفعل ذلك أبدا وبقي الراديو مريضاكما التلفزة تماما مثلنا جميعنا وقد كان لوالدي طقوسا خاصة عندما يعود من العمل يعد لنا الطعام خبز وشاي وشاي وخبز
وفي نهاية الشهر بعدما يكون قد قبض راتبه يضيف البيض المسلوق او المقلي وياخد له مكانا استراتيجيا لمشاهدة برامج التلفاز و الراديو في نفس الآن لكن مع تخفيض صوت الراديو ثم يفتح قارورة “نبيذ ” بها محلول احمر كان يتناولهكعلاج للمعدة كانت رائحته مقززة لكنه يفيده في ذهاب آلام قروح المعدة هكذا أقنعنا لكن بتوالي شرب هذا الدواء كأسا بعد الأخرى كان صوته يعلو على أغاني محمد عبد الوهابليتجاوز صوته الراديو والتلفزة ويزداد مع تتابع الأكواب كرمه معنا فيناولنا ريالا وبعض حبات الزيتون او الجبن الذييصاحب دواء المعدة وكان والدي يسعدنا بترجمة الأفلام الأجنبية التي نشاهدها معا على شاشة التلفزيون وكانت معظمها باللغة الفرنسية وكان والدي رحمه الله يشرح لنا قصة الفيلم وتفاصيله وأبطاله والعلاقة فيما بينهم بكل شجاعة ومن دون أن تكون هناك خطوطا حمراء وكان هذا مصدر فرح لنا بحكم جهلنا باللغة الفرنسية ومرت سنوات ونحن نعشق هذه الترجمة الفورية التي يمتعنا بها الوالد رحمه الله لكن وبعد ان تقدمت في الدراسة وكنت لامعا فيها وصلت
قسم الخامس المتوسط الثاني ويبدو أن والدي لم يقطن للتطور الذي حصل لي وقد كنت اطلب منه مساعدتي في الواجبات المنزلية في اللغة الفرنسية وكان يتهرب دائما وعندما نجلس للتمتع بالتلفزة و أطرح عليه أسئلة دقيقة ومحرجة حول الفيلم وكان يضطرب احيانا وينفعل في بعض المرات وعندما وصل به الإنفعال أقصاه قال لي صرت كبيرا فواصل الترجمة بنفسك لإخوتك الصغار وبعد مشاهدتي لبعض تلك الافلام التي كان يقوم بترجمتها لنا والدي وجدت أنها لا صلة لها على الإطلاق وأنها كلها من وحي خياله وأنه في حكاياته قد تجاوز بكثير شهرزاد و ” الف ليلة وليلة” الى ان سكت عن الحكي لكن كانت ترجمته ملحا لجلساتنا وتدب روح مؤانسة وود فيما بيننا وربما هي من دفعت بي إلى أن أحكي لكم هذه الحكاية. وكنا في ألفة نكون شبه أسرة وشبه اطفال وشبه حياة حتى
خلقنا جميعنا شبه حكاية.

 

من قلب غابة معمورة وفي ظل الحجر الطوعي لمحاربة الوباء الفتاك ” كورونا المستجد 19″ طريقنا النصر إن شاء الله

23/03/2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى