الأغنيةفن وثقافةكُتّاب وآراء

ضد الاغنية المغربية

روما. محمد الصقلي
كتب المقال بتايخ 09.08.2012

حتى لا يطالني الاتهام بأنني ضد الأغنية المغربية، حيث بإمكان بعض أصدقاء الفايس بوك ممن يتابعون بعض إشاراتي أوملاحظاتي ولم لا آرائي فيما يتداول بشأنها أن يصنفني في هذه الخانة، مما يعني أنني لست من أنصارالأغنية المغربية.
قبل أن أحاول نفي هذه التهمة المفترضة، لن أحاول الدفاع عن نفسي بل سأكتفي بالقول بأن أزيد من ثلاثة عقود من الاغتراب في إدغال العمل الإذاعي والصحافي التي أفضت بي إلى روما هروبا بجلدي من أنياب الإخوة الأعداء و الإعلام البيروقراطي أو المقاولاتي، لم تكن سوي قربانا لهذه الأغنية الجحودة.
كيف أكون ضد أغنيتنا وأنا من “قلت عقلي” من ترك منصبا مغريا بوزارة المالية كي أركب غواية الكتابة للأغنية، جاعلا منها مطية لدخول الإذاعة، و يكفيني القول بأن باقة الورد التي استقبلتني بها الإذاعة حين توجهت إلى قسم الموسيقى بدار البريهي هي إشارة “قف مكانك” وحذار فالمنطقة مزروعة بالألغام. وشواهد هذه التجربة المريرة لازالت حاضرة لدي بعد أن أرجعوا إلي حوالي عشرين نصا زجليا مدموغا بعبارة “مرفوضة”.وقد حصل هذا مع مطلع السبعينات.
ومن نماذج هذه النصوص الذبيحة بخنجر الخدلان
ماكان النور ف النهار/ ما كان اللون ف لزهار/ ولا النجوم ولقمار/ كن ما كانت عينك.
نموذج آخر
الورد ف لون خدودك/ وعينيك صباح منوَّر/ ما بين هجرك وجودك/ كان الأمل مصوّر.
تأمل معي هذه السابقة في ديوان الشعر المغنى أن ينتحل الورد لون الخد.
وعلى عكس التيار وبعد نكوصي عن مواصلة المشوار رغم اشتغالي بالإذاعة تمخضت العلاقة مع عبد الوهاب الدكالي عن أغنية اختار لها لحنين مختلفين وعنوانين أيضا هما “الهارب” ثم “المحال” غير أنهما معا لم تكتب لهما الشهرة في زحمة أعمال هذا الفنان. ويقول المطلع
ما تطلب منيش المحال/ إلى بغيتْ واستغنيتْ عليك/ وحسيت باللي هاد الكون واسع واكبر من عينيك/
أنا لست ضد الأغنية التي اكتويت بنارها بينما أعتبر نفسي أحد أبرز الأصوات الزاجلة في المغرب بعد جيل أحمد الطيب العلج، فتح الله لمغاري، علي الحداني، وحسن المفتي. لكن أعمالي للأسف لم تجد طريقها إلى الظهور أو لم تحصل على تأشيرة المرور، لاعتبارات عدة ربما أملتها ظرفية القمع والإحباط التي كانت قدر كل الإرهاصات الجديدة في هذا المجال، فضلا عن روح الزبونية والمحسوبية وأيضا القصور في التصور سيما والقيمون على فن المغنى تنطبق عليهم حتى إشعار آخر عبارة “حاميها حراميها”.
وأنا في طفولتي الأولى نشأت على حب الحسين السلاوي جنبا إلى جنب مع أغاني فيروز، فويتح والبورزكي وأحمد جبران، والمزكلدي والمعطي بلقاسم واسماعيل أحمد وأحمد البيضاوي بنفس الوقت الذي بدأنا نستسيغ أغاني محمد عبد الوهاب أم كلثوم اسمهان فريد الأطرش، عبد الحليم حافظ وشادية ومحمد قنديل وشريفة فاضل. في مراهقتنا تغنينا مع عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط. وبنفس الوقت مع فنان الشعب عبد الصادق شقارة ورابح درياسة وعلية التونسية وأحمد حمزة.
لكن بعد هذا كله لست ملزما هنا أن أتقدم بوثيقة تبرءة ذمة، غير أنني ارتأيت أن أقدم لأصدقائي في الفيس بوك ممن يتابعون مقالاتي بضع شذرات عن الأسماء الوازنة في أغنيتنا المغربية المعاصرة التي تراجعت كثيرا وبشكل ملحوظ نتيجة عوامل وأسباب ليس هنا مجال استعراضها أو التفصيل فيها. وأنا هنا أسجل موقفا حازما ومسؤولا عكس الكثيرين ممن يطبلون للإنتاجات الهزيلة بينما هم “تابعين جيلاله بالنافخ”.
عبد الوهاب الدكالي فنان لم تجتمع لأحد غيره النجومية والريادة في آن واحد متفردا بهذه الخاصية وفي الصدارة التي لم يكتب لأحد غيره أن ينافسه عليها، فلماذا؟
أولا النجومية دشنها عبد الوهاب الدكالي منذ “يا الغادي ف الطموموبيل” إذ فوجئ الجمهور بصوت مختلف وأداء مختلف وأيضا نطقا سليما واضحا للعامية، وقد استمرت هذه النجومية منذ مطلع الستينات حتى الآن، والأدلة كثيرة. لكن هل بالإمكان أن نتلمس بعض ملامح أو معالم الريادة التي أهلت هذا الفنان بأن يصبح عميدا للأغنية المغربية بلا جدال
حين دخل مجال الأغنية كان اسماعيل أحمد والمعطي بلقاسم وفويتح هم من يتصدر المشهد. فويتح يمثل صوت المغرب العميق لحنا وأداءا، اسماعيل أحمد عذوبة وانسيابية الأداء، المعطي بلقاسم نبرة الصوت الصادح. وقد كان لكل جمهوره وعشاقه.
لكن عبد الوهاب الدكالي وبذكاء وحدس نادرين ركب الكلمة المستفزة والموضوع الجريء /مانا إلا بشر، عندي قلب ونظر/ وانت كلك خطر ما تبقا شي تحقق فيا/
من كان يجرؤ غيره على تجاوز الخط الأحمرواختراق جدار البيروقراطية القامعة التي تتستر خلف قناع احترام ثوابت المجتمع المحافظ.
بأغنية “النظرة” كرس الدكالي نهجه الحداثي إن صح القول لدرجة أن الملحنين في هذه الفترة بدأوا يأخذون أغاني الدكالي كمعيار للشهرة والنجاح وهنا بدأت بصمته تتحدد لتتضح معالمها سواء في تجربته الرومانسية المتميزة مع عبد الرحيم السقاط، أو عبر ألحانه التي تزامنت مع رائعتيه “مرسول الحب” و”أنا والغربة” وأعني بها أناشيده المدوية وهنا أفتح قوسين لأقول بأن عبد الوهاب الدكالي كانت له الجرأة لكي يضمِّن إحدى أناشيده الجميلة التي رددها الجمعور وتغنى بها أمام المرحوم الحسن الثاني قائمة مطلبية على ما غرار ما يقوم به المناضلون النقابيون.
// طالبين آسيدنا طالبين، يعيش فلاحنا يعيش فنانا ديما معزز ديما مكرم//
لنتأمل قليلا هل هذا فنان أم زعيم نقابي. إلى غير ذلك مما لا يتسع له المقام و مما يؤكد بأن الدكالي هو من طينة الفنانين القلائل الذين أسهموا بشكل لا ينكر في تغيير الذائقة الفنية في المجتمع المغربي وأيضا المغاربي وامتد صيته منذ الستينات خارج الوطن.
عبد الهادي بلخياط ليس بالإمكان اعتباره رائدا ، نجم كبير بكل المواصفات ، يمتلك قدرات صوتية استثنائية تضعه في مصاف وديع الصافي صباح فخري وأيضا لطفي بوشناق. إن كانت قوة الصوت وصفاؤه تجمعه بهؤلاء إلا أن هناك فوارق فيما يتعلق بطبيعة الأداء، فهو مثلا لم يشتغل على صوته كما فعل باقتدار الفنان لطفي بوشناق الذي غنى التراثي والعصري والشبابي والملتزم والطربي والتعبيري والقائمة تطول.
بلخياط ظل حبيس تجربتين اثنيتين لم يستطع تجاوزهما أولاهما ألحان عبد السلام عامر والثانية ألحان عبد القادر الراشدي ولم تمكنه ألحان أحمد العلوي أو القدميري من الدهاب بعيدا لأنه عكس الدكالي لم يمتلك زمام المبادرة وترك القرار للآخرين.
نعيمة سميح نجمة في لونها فقط، وقد طغت عليها نبرة الحزن والشجن أو الجرعة الزائدة من البكائية في أغانيها، وقد صدقت ما يقال عنها من أنها نجمة المغرب الأولى بينما كان أولى بها أن تعمل كثيرا وكان لديها مؤهلات لم تتمكن من الاستفادة منها بكل أسف.
نعمان الحلو هل يكون نجم الأغنية المغربية الموعود، قبل الإجابة بالنفي أو الإيجاب مما قد يكون رجما بالغيب لنحاول استقراء هذه التجربة.
أولا وهذا سبق أن عبرت عنه أنه اجتمع فيه ما تفرق في غيره. من حيث المرجعية المعرفية لا يمكن أن تأتي بفنان من جيله إلى مدرج كلية ليقدم عرضا مقنعا حول فن المغنى في المغرب بإحالاته ودلالته ونعمان أثبت ذلك إعلاميا.
الخلفية الميدانية فالرجل ملم وعارف بأصول وفروع العزف والغناء، مثقف، متابع وفضلا عن ذلك غزير في إنتاجه ويمتلك ذكاء لماحا.
ربما تكون شهادتي مجروحة لانه غنى من كلماتي، غير أنه بإمكاني القول بأن أغنية مثل “جبال الأطلس” وهي من بواكير أعماله لا يمكن أن يبدعها فنان مبتدئ، وقطعة من عيار”الدار لقديمه” التي تحمل توقيعه لحنا ونصا وغناء لا يمكن أيضا أن تكون عملا عاديا. وشخصيا أضعها في مقام “الحلوه دي” لسيد درويش و “دخلات الماريكان” للحسين السلاوي بمعنى أنها أغنية وضعت لتدوم ولتعمر، فهي تجمع شروط الفن الذي يطمح في أن تكون له رسالة.
هذه الآراء سقتها على عجالة بحس نقدي وشفافية و دونما محاباة بعد أن تأتت لي فرصة متابعة أهم مراحل تطور أو لا تطور الأغنية في بلدنا.
بعد هذا كله هل بإمكان كاتب هذه السطور أن يكون ضد الأغنية المغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى