الأغنيةالتراث الشعبيفن وثقافة

“القمر في غناء العيطة”لشيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

خلق الله الكون وأبدع خلقه، وخلق لكل مخلوق من جماد أو كائن حي مواطن الجمال فيه؛ من البشر والصخر والحجر والبحر، ومن الشجر والورد والزهر، والنهار والليل والقمر.. وافتتن البشر بسحر القمر، وهو آية عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى، فهو سراج يضيء الظلمة الحالكة، ذلك الضوء المنير الذي يخطف الأبصار في عتمة الليل البهيم المدلهم، الجِرم الصغير الذي جلب إليه الانتباه وأمتع النواظر بجميل إطلالته، فهام به الأدباء والشعراء والنحاتون والرسامون والموسيقيون والمغنون…وصوروه في فنونهم، ووصفوه في مشاهد ترميزية وشبهوا به حبيباتهم، وفي غيابه بثوا شجونهم ورثوا أمواتهم، كما تفننوا في تصوير القمر، في بزوغه وهو هلال ثم وهو بدر في الطلوع والغدو.. وقد تغنى الشعراء والعشاق بجمال القمر وبنوره الخافت الحالم على مر الزمان ومازالوا، وظل نور البدر الإلهي رمزا للجمال في اللغة والاستعارات والخيال الشعري، ولا يزال يضفي سحرا وفتنة وغموضا ويملأ الأرض نورا وجمالا.
والمغرب بلد غني بفنونه الجميلة وبثقافته الشعبية وبثرائه الغنائي التراثي المتنوع، ومن هذه الفنون التي تغنت بالقمر نجد فن العيطة، الفن الغنائي الموسيقي الذي يجمع بين الموسيقى والغناء والرقص.
و”العيطة” فنيا هي فن شعبي يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، كما أنها مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. ويأتي التركيب كخاصية موسيقية وهوية إيقاعية وزجلية. وهي تتوزع إلى تسعة أنواع، تتنوع حسب تنوع المناطق الجغرافية التي تحتضنها، ونجد هناك: العيطة الجبلية، والعيطة الغرباوية، والعيطة الزعرية، والعيطة المرساوية، والعيطة الحصباوية وتسمى أيضا بالعيطة العبدية، والعيطة الشيظمية، والعيطة الحوزية، والعيطة الملالية، ثم العيطة البلدية وتسمى أيضا بالعيطة الفيلالية الجرفية، وعيطة الساكن التي نجدها في كل نوع من أنواع العيوط المذكورة.
“وإن هذا الغناء الذي يطلقون عليه اسم العيطة، وأحيانا أسماء أخرى للتمييز، هذا النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية- الأنثوية والذكورية- والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافق، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموما، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”. المرجع: الباحث الدكتور حسن نجمي في كتابه بعنوان: “غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب 1″، الصفحة 17.

وفن العيطة هو فن شفوي وصلنا عبر التواتر والتناقل الشفهي من جيل لجيل، حيث لم يكن هناك توثيق للمتون العيطية، فظل الشاعر العيطي مجهول الاسم، واستنادا إلى ما توفر لدينا من محفوظات عيطية “أرشيف” غنائي قديم، (أسطوانات اللفة، أشرطة الكاسيت، أشرطة الفيديو..)، وما سمعته شخصيا بالمباشر من أفواه “الأشياخ والشيخات” والرواة.. بصفتي الشخصية فنان شعبي شيخ للعيطة مغني وعازف كمنجة ل”رباعة الشيخات”، وجدت أن الأبيات التي يتحدث فيها الزجالون العيطيون “أشياخ وشيخات” عن القمر”القمار”، وهو هلال”لهلال”، ثم وهو بدر “الكًمرة” بتثليث الكاف..ليست بالكثيرة مقارنة بالمواضيع الأخرى، كوصف الطبيعة والمرأة والخيل والليل وغيرها.. فهي أبيات قليلة ومتفرقة داخل القصيدة الواحدة، إلا أن الأثر الشعري والفني لتلك الأبيات التي ذُكِر فيها القمر على قلتها يبقى فيها ناظم الكلام “الشيخ العيطي المغربي” وفيا لأجمل مشاهد القمر، إذ لا يحلو سمر الليل إلا بنوره الخافت المهيب، وشبه وجه الحبيبة بحسنه، وترجم كل من صور ضوئه وبهائه، وقرأ وقعها لكن ليس بلغة العلم بل بلغة المجاز والاستعارة والرمز والتصوير بالزجل وبالنغم، ونظمها أشعارا تغنى باللهجة العامية العربية “الدارجة المغربية”، لغة بسيطة ضاربة في العمق الريفي البدوي، تحمل أمثال وحكم وقيم ومعاني..فيا ترى ما هي السياقات التي جاء فيها ذكر مصطلح القمر ؛ “الكَمرة” أو “القمار” أو “لهلال”، في المتن العيطي؟ وما هي الرموز التي مثلها القمر في القصيدة العيطية؟ وكيف استخدم الشاعر العيطي رمزية القمر للتعبير عن الأشياء التي تعجبه؟ وكيف لهذا الجِرم الصغير البعيد عن الأرض أن يسحر الإنسان؟القمر في معجم المعاني الجامع في اللغة العربية (اسم)، والجمع أقمار، وهو جِرم سماوي صغير يدور حول كوكب أكبر منه، ويكون تابعا له، ومنه القمر التابع للأرض، والأقمار التي تدور حول كواكب المريخ وزحل والمشتري. ونقول قمَر القمر بمعنى استدار بخط دقيق قبل أن يمتلئ. وقمِر الليل أي استضاء بنور القمر، وقمر الشيء تعني اشتد بياضه إذ نقول وجه أقمر، والقمران هما الشمس والقمر، وأقمار العلم وشموسه هم العلماء، وقمر تمام يسمى بدر، ونقول هل يخفى القمر؟ للتدليل على وضوح الأمر، أو على شهرة الشخص. والقمر: اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السورة رقم أربعة وخمسون في ترتيب المصحف، مكية وعدد آياتها خمسة وخمسون آية.

وشكل القمر منذ عهد قديم وحيا يلهم الشعراء، ويدخلهم في معترك السحر والهيام، حيث يظهر أول الشهر على شكل هلال، ثم يكون بدرا في منتصف الشهر ويكون محاقا في آخر الشهر، وصورته ترتبط دائما بالحب والعشق وسهر الليل وغيابه يرتبط بالظلمة والحزن والفقد والخوف، وقد كون جانبا من أهم الجوانب في شعر الغزل منذ عصور، وافتتن الشعراء بنور البدر “الكَمرة” فهو أكثر صور القمر جمالا ورقيا، وربما استدارته تمثل جمال الوجه وبياضه المشع الذي يعتبر من معايير الجمال.
وفن العيطة هو فن بدوي بامتياز، والبدو الريفيون ذو نفوس حساسة وأذواق لطيفة، يعشقون مظاهر الجمال بما في ذلك جمال الطبيعة والمرأة، والخيل والليل، والقمر والنجوم، والورد والزهر والشجر .. فإذا ما رأى أحدهم بعينه الجمال أخذ بشغاف قلبه، وملك عليه مشاعره، وإذا فارق من أحب أظلمت الدنيا في عينيه، وجاشت مراجل الحب في نفسه، وخرج من فمه ما يختلج بداخل نفسه من آلام البعد، وتباريح الشوق.. والحب من أجمل المشاعر التي نشعر بها وتملأ حياتنا بهجة وسرورا، وتجعلنا نسهر الليالي نتغنى وننشد الكلمات التي تعبر عن ما بداخلنا، فكان للقمر الأثر الأبرز في إضفاء الجمال والأثر الحسي في أرواحهم المرهفة، فتغنى الشاعر الزجال العيطي “الشيخ” بجمال القمر وروعة ضيائه، وهو لا يتحرج من اعتماد القمر في تغزله بحبيبته، فهو رمز من رموز الجمال عند الزجالين الأشياخ العيطيين الأسلاف حيث يهيمون حبا وغزلا مستلهمين زجلهم من تلك النقطة الساطعة البياض، إذ كان يعد الضوء الوحيد في السماء المظلمة، كما أن الليالي القمراء هي الأنسب عند البدو للسفر أو السهر أو الحب، فهو يضيء لياليهم وينير خيامهم وعزيبهم، وينير أوقات سمرهم..
وفي “العيط المرساوي” نجد أروع الكلام في وصف جمال المرأة بالقمر، إذ أن استخدام الشيخ الزجال العيطي لرمزية القمر في شعر الغزل والقصائد العاطفية يفوق استخدامه في المواضيع الأخرى، فالعيطة المرساوية هي عيطة وجدانية في المقام الأول يهمها أن تحتفي بالعاطفة الإنسانية وتصور تقلباتها بين الحب والهجر والشوق واللوعة، وقد استخدم الزجالون العيطيون “أشياخ وشيخات” رمزية القمر خاصة في الحب والغزل كما في الرثاء..فاستفاض الزجال العيطي في وصف بياض وجه معشوقته وشبهه بالقمر الساطع ،كما هو في هذا المقطع التالي الذي انتقينا أبياته من عيطة “الغزال”، حيث نجد الشاعر يشبه وجه حبيبته بالقمر “الكَمرة” أو “القمار” باللغة العامية الدارجة العربية المغربية، وعيون المرأة حبيبته بعيون المها “البقرة الوحشية: ( سيدي لوجيه كَمرة…والعيون بكَرة سيدي–سيدي لعيون صردية…بكَرة وحشية يا بابا)، ويشبه حُسن وجه حبيبته بالقمر المضيء في دجى ليل الصحراء ( سيدي وجيهو كَمرة مفكَهرة…مضوية في الصحرا)، كما يذكر الشيخ العيطي أن سمر الحب تحلو نزهته تحت ضوء القمر ( أنا والكَمرة وخليلي…نزهى ليلي مع خليلي)، وقد نجد هذه الصور تتكرر في العديد من العيوط، وهذه بعض الأبيات المنتقاة من “عيطة الغزال المرساوية”:
ليلي ليلي يا ليلي…ويلي يايلي
سعدي أنا وحليلي…هيا واهيا
نعنكَ ونحوز خليلي…هيا واهيا
أنا والكَمرة وخليلي …نزهى ليلي مع خليلي … سيرا واهيا
سيدي ما شفتو لغزال… يا صحاب الحال يا بابا…هيا واهيا
مالي طلعات الكَمرة…غاب ظلام الليل يا سيدي…سيرا واهيا
سيدي الكَمرة ضوات…عالجت الدات يا سيدي…واهيا واهيا
سيدي الكَمرة طلت… الغزال سرحت يا سيدي …سيرا واهيا
مالي وجه غزالي قمار…مضوي بنهار يا سيدي….هيا واهيا
سيدي رياض حبيبي …فيه شي وردات يا سيدي…سيرا واهيا
مالي ضوات الكَمرة…دبالو شي نجمات يا سيدي…هيا واهيا
يا كاسي فريد..ايلي يا ييلي…يا جرحي جديد..أهيا واهيا
يا المولى يا المولى وأنت تحفظيه…وايلي ييلي عذبوني دوك العيون
أهاه أهاه السماح الله…سيرا واهيا
لالة عينو كحلة وحاجبو خروبي…وايلي هيا ييلي
لا لة عينو كحلة..ودقها مكحلة..سيراواهيا
لالة وجهو كَمرة مفكَهرة …مضوية في الصحرا
لالة طلت الكَمرة…شعلت الجمرة …هيا واهيا
كما نجد الزجال “الشيخ العيطي المرساوي” يتغزل في محبوبته ويشبه وجهها بضوء القمر، كما هو الشأن في عيطة “عيطة الشاليني المرساوية”:
والشاليني يابابا …ديرني حداك …دابا تحتاجني يا سيدي
حبيبي يا حبيبي…دبا تحتاجني يا سيدي…والشاليني.
ظالة نسال يا مالي…وبايتة نسال…فين غاب لهلال يا لالة
يا لالة يا لالة…وطلع ولا مزال يا لالة…داك الشاليني
نطلب العالي يا مالي ..الخالق النجوم …يفاجي لهموم يا لالة
يا لالة يا لالة …ويداوي المغموم يا لالة…والشاليني
داك لوجيه يا مالي…كيف القمار…والعيون كبار يا مالي
يا لالة يا لالة …كواوني بالنار يا مالي…والشاليني
نطلب العالي يا مالي … اللي مضوي الكَمرة ..يطفي هذ الجمرة يا لالة
ليلي ليلي ليلي…باش الجرح يبرا يا لالة …والشاليني

وفي “العيط الزعري”، نجد الشاعر العيطي يستخدم رمزية القمر “الكَمرة” للإيحاء بالأهمية من حيث السيادة والتمييز، فبين من يشبه الحبيبة بالقمر وبين من يناجي القمر ومن يجد فيه علاجه النفسي ( خرجوني للكَمرة…كَليبي يبرا”…كما يبدو في الأبيات اللاحقة من خلال عيطة “الحساب الزعري” من “العيطة الزعرية”:
طلعت الكَمرة…شعلت الجمرة—وجه الكَمرة …اللي مهبلة عشرة
بعيني شفت الكَمرة…مضوية برا — لوجيه كَمرة…ولخدود جمرة
حاجب لهلال…عند بنات لحلال —لوجيه قمار…مهبل البشر
هدوك حجبان…ولا هلال يبان—عوينات القمار…يخلعو بنهار
هذه بعض الأبيات “الحبات” من عشرات الأبيات من عيطة “الحساب الزعري” التي تتغنى برمزية القمر، وسحره على الناظر إليه، كما نجد نفس الشيء في العديد من أبيات من عيطة “حب الحلكَة الملالية”، من “العيطة الملالية” وهذه بعض شدرات الحَب منها:
لالة لالة ويا لالة تعالي ليا….الكَمرة ضوات..و النيران كَدات.
لالة يا لالة ويا لالة الغالب الله…خرجوني برا…ع نشوف الكَمرة
لالة يا لالة ويا لالة هذا جهدي…العيون كبار…كيف القمار
لالة يا لالة ويا لالة هذا مكتوب…الحجبان هلال…شاغلين البال
وفي مرتية “عيطة الشجعان” من “العيط الملالي”، استخدم الزجال العيطي رمزية غياب الشمس بالنهار والقمر بالليل مقارنة رمزية بين فقدان الأهل والأحباب في المعارك ضد المستعمر، وهذه بعض الأبيات من هذه “العيطة الملالية”:
مللي وصلنا لواد العرعار…من الموتى شبعت لطيار
وتما الشلحة ترمي في العار…شي ميت وشي خطار
طاحت الظلمة بنهار…وبالليل غاب القمار
التفتاش من دار لدار…داروها أولاد الكفار
ونفس الشيء نجده في “العيطة الحوزية”، العيطة المختصة في الحروب، حيث نجد مقارنة رمزية بديعة بين الفقدان المؤلم، فقدان الأهل والأحباب في الحروب في الحركات ضد المستعمر الفرنسي، وغياب القمر من السماء، كما يبدو في هذه الأبيات من عيطة “خالي يا خويلي”:
الواحد يا ربي…هزيت عيني وفرح قلبي
فرح قلبي وبديت نبكي..أنت العالي تغفر دنبي
ها فرحي وها ويلي…كنهاري كليلي
يا خالي يا خويلي…غابت الكَمرة وظلام ليلي
طفات الشمعة وهبى قنديلي…حتى الكتان ع حيدلي
فين ايامك يا بوعثمان…ياك الموتى كيف الدبان
والطرابش كبلعمان…حتى لهلال مبقاش يبان
تكلم الرعد وظلام الحال…تكلم الرعد بلا ميجال
ظلام الحال وتساكَ المال…حتى الكَمرة ولات هلال.
وفي عيطة “خيي” من العيطة الغرباوية” نجد الزجال “الشيخ العيطي الغرباوي” يرمز إلى وجه حبيبته بالقمر المضيء بالنهار، كما يصف سحر جمال حبيبته بالسلاح القاتل الفتاك إذ قال يغني:
واه هاه هاه قيلوني…وه هاه هاه يا خيي ….عينيك بوحبة فيمك ساسبو…هاه ع قيلوني
واه هاه هاه يا مالي…وه هاه هاه قيلوني…يا وجيهك كَمرة في الليل ضاوية…هاه هاه كويتيني
واه هاه هاه يا خيتي…وه هاه هاه بليتيني…يا وجيهك كالقمار مضوي بنهار…هاه هاه سحرتيني
والشاعر العيطي الجبلي يشبه عيون حبيبته في جمالها بالقمر الساطع في ظلمة الليل، الذي تشبه سواده بسواد عينيها، كما يشبه هاتين العينين بالقمر الذي يشع نوره، ويتوسل إليها أن تسهر معه هذا الليل السرمدي الطويل تحت ضوء القمر ليستمتع بجمالها المبهر حتى في الليل، كما نجد ذلك في هذه “السوسة ” من عيطة “راح الليل”، هذه “العيطة الجبلية” الرائعة:
يا غزالي يا مجدول لحرير مزال الليل طويل…مزال الليل طويل يهديك الله قصري الليل معانا
عويشة لغزال لالة كَمرة طلعت…أها أها أها…لالة ويا لالة
سير غدار صاحبو مدار مزية…طل لغزال بالليل كحل العينين
هو الوليد مع الرباعة هو لوليد…هو لوليد في الجماعة هو لوليد
الوليد يا لوليد زين السمية…لعزيز عليا نور عينيا يهديك الله
أجيني يا لغزال أجيني يا لغزال أجيني يا لغزال
أجيني يا لغزال كحل العينين …كَمرة شاعلة نارك بلا دخان
اليوم غدا نرحلو اليوم وغدا نرحلو…رحيلك أنا نزلو زينك عقلي هبلو
وأنا هذ الرحيل تقيل عليا يا الهاشمية…ها عار الله حاولي عليا
وأنا هذ الليل طوال عليا يا الهاشمية…ها عار الله يا الكَمرة طلي عليا
نفيق الناعسين ونعيق الساهرين…عيونك يا لالة غزالي زادوني فلعذاب
راني في حالة ويا الغزالة…وكلت عليك الله لا تجافيني
علاش كتعاديني خلي النوم يديني…دبا يجيك ويجيني
وأنا أجري على ربي …والليل طويل
داز الصيف وطاب لخريف…يا مولات الشفرَ لخفيف
يا مولات الزين الظريف…والله أنا قصدي شريف..يالالة راح الليل.

ونجد في “العيطة العبدية” أو ما تسمى أيضا ب”العيطة الحصباوية”، أن الزجال “الشيخ العيطي العبدي” يتغنى برمزية القمر، وبأنه على ضوء هذا الجِرم الصغير الساطع يحلى السفر والسهر ويرى الحبيب ملامح وجه حبيبته، (شحال من حركة معيدة في صخرة…وشحال من حرة مسرية في الكَمرة– ملي طلعت النجمة تبعها المشبوح…ملي بانت الكَمرة غاب ظلام الليل)، كما هو مذكور في هذه الأبيات من “عيطة سيدي حسن” من “العيطة العبدية”:
أزمران ازمران أش نكَولو في سيدي حسن…أزمران أزمران لحبيقة وبلعمان
حسن يا حسن كنت متموتش حتى يسبقوك العديان…مذا من زين قاتلاه العين يا سيدي
رحنا لفاس البالي رحت بدقتي…فاس البالي فاس الجديد مولاي الحسن ما يفرطش فيا
شحال من حركة معيدة في صخرا…وشحال من حرة مسرية في الكَمرة
ملي طلعت الكَمرة تبعها المشبوح…مللي بانت الكَمرة غاب ظلام الليل
شفت محبوبة خاطري دايرة جوج وسايد..مزوقة بالحنة في صفة الكَمرة
وقد نجد أغلب قصائد “العيطة الفيلالية الجرفية البلدية”، تتغنى بالخيل والإبل والنخل والرمل والقمر، حيث تعطي قيمة كبيرة للواحة. مازجة بين جمال الطبيعة والخيل والإبل والأنثى الآدمية، تلك المرأة الإنسانة ملهمة الرجال، حيث نجد الشاعر “العيطي الفيلالي الصحراوي”، يعتمد في زجله على التلميح بدل التصريح، ويحضر تضاريس الجسد الأنثوي وثناياه، وفواكه بستان الأنثى الآدمية، في قالب إبداعي مشفر جميل، بعيدا عن الإسفاف والابتذال. وقد شبه وجه حبيبته بالقمر الساطع المضيء في الصحراء ( الوجيه كَمرة فكَهرة مضوية في الصحرا…والشعر كحل غري غراب زاد العذاب)، كما هو مذكور في عيطة العين البلدية الجرفية الفيلالية:
عينيا آه يا عينيا….عينيا عينيك جاو في عينيا
عينيا آه يا عينيا…عينيا هما سبابي في الكية
عينيا ويلا وتيت سامح ليا…سامح ليا بضاض ما عمل لي شرعية
أوين أوين أوين أوين…أوين أوين على دوك العينين
دوك العينين المخبلين ديما جذبانين…دوك لعيون النايمين حمقو بعضين.
آش داني أنا نشرب من ديك العين….آش داني أنا نشوفيك يا ذاك الزين
أنا سولو الفاهمين واش القلب يحب اثنين…سيادي سولو العاشقين علاش العين تعشق الزين.
العين كحلة بلا كحل تهبل وتقتل…العين كحلة بلا كحل تسطي وتهبل
العين كحلة بلا مرود تداوي وتمرض…العين سايلة كترجدد تعوم وتورد
الوجيه كَمرة فكَهرة مضوية في الصحرا….والشعر كحل غري غراب زاد العذاب
الخدود وردة بلا ندا مفتحة في الجردة…والشفايف حمرة بلعمان صباغة الرحمان
هذه بعض النماذج من الأبيات التي جاء فيها ذكر القمر “الكَمرة” أو “القمار” أو “لهلال”، في النص العيطي، وبهذا نكون قد استعرضنا ما تيسر لنا في ما قيل في القمر في الغناء العيطي، هذا الغناء الذي كان ومازال وسيظل يحتل المكانة الرفيعة في المشهد الفني الغنائي المغربي، فن يتعاطاه ويتبادله ويتوارثه المغاربة جيلا عن جيل، فهو تراث أصيل ومعمر وفن حي متحرك ومتجدد. فن يجمع بين الأصالة والحداثة ليؤكد أصالته في أشكاله وقوالبه الموسيقية التقليدية، كما يؤكد حداثته في الاستفادة من الأحداث والوقائع كعوامل مثيرة للإبداع والتجديد والإنتاج.
وفي الأخير كما رأينا فالقمر حاضرا في القصيدة العيطية منذ عشرات بل مئات السنين، سواء في الغزل أم في الرثاء، فهذا الرمز يعتبر من أقدم الرموز التي استخدمها الإنسان في التشبيه لقربه من نظره وسحره وشدة تميزه. وستظل العيطة قمرا مبهرا ساطعا يضيء سماء الأغنية المغربية. فما أجمل القمر وما أروع نوره الخافت المهيب، وما أجمل فن العيطة المغربي وما أروع أشعاره وأنغامه وألحانه.
وختاما لهذا الباب نختمه ب”سوسة” من “العيطة الحوزية”، وهي خاتمة لقصيدة عيطية، بإيقاع موسيقي خفيف بسيط وتسمى ب”سوسة لهلال “، وهي عبارة عن “بروال عيطي” تتغنى بجمال الرجل الذي تشبهه “الزجالة العيطية الشيخة” بالهلال المشع الضوء، حيت تتغزل في جمال بشرته: العيون الواسعة “لعيون الحرشة”، الخد الأحمر كالوردة “الخد الوردة”، والعنق الطويل ” طويل الركَبة”، ويسد العيطة بقفل حيث تحته على الانتظار إلى حين قدوم حبيبته مع طلوع القمر (حتى تبان الكَمرة وتجيك بنت لحلال)، وقد تم اقتباس هذه الخاتمة “السوسة” من “العيط الحوزي”، ونقلت إلى العيط المرساوي والعبدي والغرباوي والشيظمي…:
هاه هاه يا ضوي يا لهلال هاه…هاه هاه يا ضوي يا لهلال هاه
العين الحرشة يا ضوي يا لهلال…هاه هاه يا ضوي يا لهلال هاه
طويل الركَبة يا ضوي يا لهلال…ها هاه يا ضوي يا لهلال هاه
الخد الوردة يا ضوي يا لهلال…هاه هاه يا ضوي يا لهلال هاه
ها هاه يا ضوي يا لهلال حتى تبان الكَمرة… وتجيك بنت لحلال يا ضوي يا لهلال هاه
آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه…
….. العيوط والبحوط والليل وركوب الخيل…..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى