“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل9 أبريل 2022آخر تحديث :
 “ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة

                                                               33
لقد عرفت بعد كل الذي حصل أن أصل الشيء في ضياعه، وأننا لا نعرف بقيمة الأشياء إلا عند فقدانها.
لقد فقدت كل شيء لأحصل على بعض شيء. فقدت حياة دنيا لم يكن لي علم بها، لأفوز بعالم أخضر فيه كل شيء وهذا الكل هو بعض شيء وليس كما الدنيا… أمي، حزنك مهما طال سينتهي يوما وسأصبح ذكرى من الذكريات الآفلة… النسيان أمي نعمة إلهية ليس كمثلها شيء والله على كل شيء قدير. كم من شخص عزيز فقدناه ونسيناه، وكم من حيوانات نفقت جوعا، آلمنا حالها ثم نسيناها أيضا. وكم وكم… لكنها سنة الحياة.
والناس وهم جلوس قرب الجُب يتحاكون قصصهم وآلامهم. الألم يذكر بالألم. والفقد يستجلب الذكريات الأليمة. وكم من قصص حكيت على مدار هذه الأيام قرب محج جُب ريان. ومن بعضها قصة تلك الطفلة التي كانت تحب جمع الزهور كلما جاء الربيع والتي خطفها نسر… هذه الحكاية كانت تفزعني كثيرا. وكانت تحكيها لنا الجدة كل ليلة حتى لا نبتعد عن القرية كثيرا. وكنا في لعبنا ننظر إلى السماء لعل هذا النسر يظهر ويعيد البنت الصغيرة إلينا. هل النسور تفكر كما نفكر؟
كان يا ما كان بين الجداول وحقول الياسمين والزعفران، في قرية بين الجبال في بيت من قصب الخيزران تسكن فيه أسرة من أب وأم وسبعة بنات كالبلور، مثال الأخلاق العالية، ماهرات في صناعة الحلى والقبعات من خيوط صوف الماعز وجلود الأرانب البرية. وكانت صغراهن الأجمل والأرق وتحب تشكيل باقات الزهور وتزيين البيت الصغير بها. في يوم، وكعادتها، خرجت الصغيرة لجمع الزهور… كان في الأعالي نسر جائع يحوم… وحيث أن وحيش تلك البساتين كان حذرة من هذا النسر الجائع دوما. كانت البنت الصغيرة لا تهتم. لما رآها النسر من بعيد نزل كلمح برق وخطف البنت التي صاحت برعب فخرج الرجال محاولين اللحاق به لكن هيهات فالنسر حلق بعيدا في فضاء مفتوح. قيل أن النسر لم يأكل الفتاة وأنها تعيش معه وتقوم على خدمته. وقيل أنه أهداها لأمير في جبال بعيدة. لكن الشيوخ القرية يتمتمون أن لا حول ولا قوة إلا بالله.
هذه القصة تحيلني إلى قصة بنت الأقحوان التي لم أعرفها بعد. هل أعود إلى عالمي الأخضر لسؤالها؟ لربما كانت حكايتها نفس حكاية هذه البنت محبة الزهور الذي حلق به النسر عاليا إلى مكان غير محدد ومصير مجهول. سأعود وأسألها بلا شك.
الشمس تتكبد السماء والجموع تتفرق باحثة عن ظلال أشجار أو بيوت اتقاء الحرارة والفوز ببعض الراحة بعد ليلة سهر كانت منهكة للنفوس ومضنية. لم يتبق إلا ساعات معدودة للوصول إلى جثتي التي سافرت إلى هناك حيث الأرواح الهائمة تقطف زهور فرحها وترسم ابتساماتها بلا حقد أو خوف أو حرمان. ساعات قليلة ويصلون لإعلان النهاية التي لن تكون سارة للجميع… فقط الشيوخ الذين يتظللون تحت شجرة كلبي الأسود الوفي سلموا الأمر لله منذ اليوم الثاني.
الكل متوقف والخوف من انهيار التربة، وتحذيرات تزيد من تأزيم الوضع والحشود على أعصابها… هل تنهار التربة وتقطع آخر أمل للناس في نجاة ريان كما يظنون؟
 

 

 

 

                                                                        34

أيها البطل…
أيها الرجل الطيب…
لقد حملوك أكثر مما تتحمل، ووضعوك بجانب آلات مهولة عجزت عن الوصول إلى ريان… علقوا آمالهم على جهدك ومعرفتك بطبيعة الجبب والآبار، وأنت لم تبخل في نهش تراب الممر الذي استعصى على الحفر وتمادى في عناده. نزل العرق منك مدرارا، ولم تيأس، أنهكك التعب ولم تتوقف، ومن عينيك تحدي ورجاء لعلك تساهم في صناعة معجزة القرن! لكن…
هناك في آخر الطريق المؤدي لقريتي طفل يجلس وحيدا يبكي في صمت… كان يرغب في التطوع لإخراجي لكن لم يسمحوا له بهذا الفعل خوفا عليه بدعوى أن المكان جد ضيق، لكنه كان في قرارة نفسه قادرا على أن يحقق هذا الحلم. لم يتقبل هذا الأمر وأصبح المنقذون هم العقبة في خوض مغامرة البعض بدعوى سلامة الناس. كان من الممكن أن يسمحوا له بالمحاولة… قُبرت المحاولة كما قُبرت الكثير من الاقتراحات التي في غالبيتها كانت قابلة للتنفيذ. إنها التربة التي تهدد بالانهيار وتعاند الرجل الطيب في عمليات الحفر. كل هذه الأفكار كانت حديث الكثيرين وإن اختلفت طرق سردها… كان الجميع يشعر بمسؤوليته في ضياع مرتقب للطفل القابع بعيدا في الجُب. شعور شل من مبادرات الكثيرين… لو ترك الأمر للأطفال لربما وجدوا حلا، نعم، يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر صرح أحد المتعلمين.
لكن ريان من كل هذا هناك كان بعيدا، ولم يعد في حاجة لكل هذا المحاججات.
واصلت التحليق دون توقف وأنا أشعر بأن انهيار ما قريب سينهي حكاية لتبدأ أخرى. الكل يقف ينظر إلى الفراغ الذي طمس كل التفكير بعد اليأس الذي شل الحركة وأوقف كل حديث أو تحليل… لم يعد يهم كما قال أحدهم.
لم يعد مهما. حقا لم يعد مهما الوقوف على حافة الأمل، إحساس عام بدأ يتسرب إلى النفوس أن ريان قد التحق بالحق وأن لا فائدة من كل هذا العبث.
وأنا بجانبه، أخذ الرجل الطيب قارورة ماء فشرب منها مقدار النصف بعد يوم شاق من الحفر، وعندما مسح العرق عن جبينه قال: يا رب.
يا رب. كلمة تخرج من الأعماق عند الضعف. عند الحاجة إلى قوة خارجية تتخطى حدود جنس البشر. يا رب. كلمة نطق بها الملايين من أجل ذاك الريان في غيابات الجُب الضيقة. يا رب وبنظرة تائهة نظر الرجل الطيب إلى الجموع التي تنظر إليه في توسل من أجل أن يتحقق على يديه ما عجزت عنه الآلات… الكل يأمل والرجل الطيب يأمل وأنا محلقا أختنق.
كم هو مرير شعور الفقد؟
كم هو صعب القبول بوأد كهذا لفكرة إنقاذ ريان دونما رحيل؟
لكن…
حاولت العودة إلى عالمي الأخضر لكن إحساس بمسؤولية ما أبقتني تائها في سماء أغران قبيلتي إلى حين اللحظة الذي سيخرجون فيها جثتي من براثن تلك البرودة التي عانيت منها أيامي الأولى من سقوطي في الجُب.
روح صغيرة ما كانت لها أن تبقى كل هذا الوقت في حيز ضيق من المكان. ولقد أعطت دروسا في الصبر… لقد عشتها لحظات بين ألم وإغماء، صحو وإغفاء، حلم ورجاء، لحظات اختزل فيها كل العناء.
قام الرجل الطيب وذهب حاملا معه بعض ماء. توضأ وافترش برنسه واتجه نحو القبلة للصلاة فكان صلاة رجاء أجهش فيها بالبكاء وقلة الحيلة وسوء الحظ ففي قرارته يعلم، دون إعلام أحد، أن الطفل ريان قد تحول إلى ملاك وأن روحه تحلق في الأرجاء. صلى صلاة يغمره فيها إيمان الرضى بالقدر والقضاء.

الاخبار العاجلة