طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :التعليم العمومي بعدما تمخض الجبل

جسر التواصل26 ديسمبر 2021آخر تحديث :
طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :التعليم العمومي بعدما تمخض الجبل

طارق المعروفي

لم أكن أعلم أن الكفاءة محددة بالسن. و لم أدرك في يوم من الأيام أن الشاب الذي يتجاوز عمره 30 سنة, غير مؤهل لولوج ميدان التعليم .و لم يخطر ببالي و لو مرة واحدة أن سبب تدهور التعليم العمومي في المغرب متوقف على سن المترشحين .
إن تشخيص وضعية التعليم العمومي أصبح واضحا , ولا يحتاج كل مرة إلى دراسات و ندوات و جولات عبر التراب الوطني و هدر للمال العام .
لقد عرفت منظومة التعليم عدة إصلاحات امتدت من 1957 حيث الحركة التعليمية إلى اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، و مرورا بإصلاح 1985 و مناظرة إفران سنة 1992، و عشرية الإصلاح للميثاق الوطني التي امتدت من (2000-2009).و البرنامج الإستعجالي (2009-2012) ، ثم الرؤية الاستراتيجية (2015-2030).
لقد بدأ التدهور الحقيقي في بداية الثمانينات, و السبب هو ظهور المدارس الخصوصية ,التي أعطيت لها كل التسهيلات و المبررات حتى تخفف العبء عن الدولة, و بالمقابل أصبحنا نلاحظ من حين لآخر إغلاق المدارس العمومية و عدم ترميمها و تجهيزها للقيام بالدور التربوي المنوط بها, و سيؤول مآلها الهدم لتصبح ربما “مول” تجاري. و في الرباط العاصمة ,هناك عدة مدارس مغلقة منذ سنين و نجهل الأسباب , و أكتفي بذكر المدرسة الكبيرة المتواجدة بشارع المقاومة, و التي يمكن لها أن تستوعب جميع تلاميذ حي المحيط بكامله و في جميع المستويات, إذا ما أضيفت لها بعض الأقسام في المناطق الفارغة داخل المدرسة. و لهذا يلجأ الآباء الى تسجيل أبنائهم بالمدارس الخصوصية مكرهين على ذلك, لانعدام وجود مدرسة عمومية في المنطقة. و هذا المثال يشمل عدة مدن .
كنا نظن أن الإصلاح سيبدأ بإعادة ترميم المدارس الموجودة و بناء مدارس أخرى.
و كنا ننتظر إحداث قانون أساسي موحد يتعلق بجميع أطر الوزارة ,حتى لا يكون هناك حيف و تمييز بين رجال التعليم , و حتى لا تضيع السنة الدراسية في الإضرابات و الوقفات الاحتجاجية و الصراع العقيم بين النقابات و الوزارة الوصية .
كنا ننتظر إعادة النظر في المناهج التربوية ,و محو المطابع التي ترهق التلميذ صحيا و الآباء ماديا, و يتم تعويضها باللوحات الالكترونية و الممنوحة بثمن مناسب من المؤسسة و تضم جميع مواد السنة الدراسية, على أن يبقى الكتاب المدرسي للكتابة و التمارين وغيرذلك.
كنا ننتظر التوجيه الصحيح, حتى لا نرهق التلميذ في حفظ المواد الأدبية ببلادة , مع أن له توجيها علميا. و لا نرهق التلميذ ذو الميول الأدبي إلى المعاناة مع المواد العلمية.
كنا ننتظر أن يتم الانتقال من قسم لآخر اعتبارا للمعدل, و ألا ينتقل ب6 على 20 كما هو الشأن في عدة مدارس و إعداديات, لأنهم ربما يريدون التخلص من التلاميذ حتى يصلوا الى مستوى الباكالوريا .
كنا ننتظر إعادة النظر في المدارس الخصوصية المهيمنة, و التي تثقل جيوب الآباء ماديا, حيث أن جل تلك المدارس لا تقبل إلا التلميذ المتفوق, و تحث جميع التلاميذ على تقوية الفهم عبر مدارس الدعم المسائية, و التي تعطى فيها الدروس و الشروح من نفس الأستاذ في بعض الأحيان . و لهذا يتعين مراقبة هذه المدارس بشكل صارم و متواصل, و عدم الأخذ بالنقط الممنوحة للتلميذ, أي أن تمر جميع الامتحانات في المدرسة العمومية . و يعتبر ذلك إجراء إنتقاليا حتى نتخلص نهائيا من معضلة المدارس الخصوصية و مدارس الدعم .
ليكن في علمكم أنه لا وجود لأية مدرسة خاصة في بلاد الألمان المتقدمة و المتطورة, و لا وجود لمستشفى خصوصي في ذلك البلد, لأن الدولة تتحمل مسؤولية القطاعين الحيويين. و كذلك الشأن بالنسبة لفرنسا و دول أوربية أخرى .أما نحن في المغرب ,فقد تخلت الدولة عن مسؤوليتها في القطاعين ,و تركتنا نواجه غول الخواص .
كنا ننتظر كذلك خطة طريق واضحة و معقولة للنهوض بالتعليم العمومي بالمغرب, و رد الاعتبار للمدرسة العمومية ,التي كانت مزدهرة في الماضي, و لكننا تفاجأنا بذلك الحل الغريب, و المتمثل في فرض سن 30 سنة لولوج ميدان التعليم .
إسمعي يا أرض و ابلعي … لقد تمخض الجبل .

Views: 8

الاخبار العاجلة