“بهلوان الكراج” (الفصل السادس) ” المهمة الأخيرة -4-   زيطا “للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل23 ديسمبر 2021آخر تحديث :
“بهلوان الكراج” (الفصل السادس) ” المهمة الأخيرة -4-   زيطا “للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

                       

                                                              زيطا

                                                                25
أخيرا.. بلغت رحلتي الجوفية مداها عند تخوم حضارة العصر. زمكان بلا ضفاف. خضعت كغيري من العابرين والمتجولين بين الابعاد لسلسلة معقدة من الفحوصات والاختبارات. حصلت بموجبها على هويتي الكونية المستحدثة والمزدوجة. كينونة متحولة حسب الظروف. صرصور عنكبوتي نطاط، أو ماعز متسلق بحوافر عابرة للأكوان المتوازية. ولم تعد هنالك دول صغرى وأخرى كبرى في دستور العهد الجديد.. لم يبق من وجود لذلك النظام القديم المسمى دولة أو سيادة، ولا ثمة حدود. أصبح الساكنة بلا هويات أو أعراق. توحدت الأجناس والألوان والأذواق! اندمج الكل في بوتقة واحدة تحت رحمة السلطة المركزية الخفية والناعمة للمقاولة “زيطا” التي مدت أذرعها وخراطيمها الأخطبوطية في كل بقاع الأرض… سطحها وجوفها وفضائها.. كانت لها فروع في مختلف الجهات يشرف عليها وكلاء يتم انتقاؤهم -بعناية- ما قبل الولادة.. من خلال نطف مهيئة ومعدلة بدقة الهندسة الوراثية. كانت مهمتهم محددة في شفط الطاقات الحيوية الفطرية وتأمين أعداد القطعان وإعداد القرابين الضرورية لحياة المقاولة وتعزيز التخزينات الضرورية لملء شرايين المنشآت والمخازن المنتشرة في البنيات تحت-الأرضية.
لا أحد يعرف على وجه الدقة التاريخ الحقيقي للأخطبوط ولا مكانه أو أصله ولو أن الكتب والحضارات القديمة كلها تحدثت عنه، وتضاربت حوله المعلومات كواحد من ضمن الناجين من الطوفان القديم، لكن بصماته كانت غالبا ما تبرز في المنعطفات الحاسمة من تاريخ الجوف الذي ظل يتخذه مركز عملياته النوعية. كانت له خراطيم ممتدة من أعماق الجوف إلى مختلف وكالاته المنتشرة عبر الجهات الأربع للسطح! من أهم مشاريع ومنجزات الأخطبوط -ذي السبعة رؤوس- التي رصد لها موارده الهائلة، ما يسمى بسجون ومعسكرات العهد الجديد، التي خصصت حصريا لألذ أعداءه وأعداء المنظومة “المقدسة”، وكانوا ينعتون بالفطريين المجاذيب؟ وهي الطرائد المفضلة للمجتمعات الهجينة الجديدة. كانت المعسكرات بعدد المحاكم ومرتبطة بها عضويا في كل حي وقرية ومدينة جوفية، تحت أنفاق الإمبراطورية. وكانت المحاكمات عادلة، تجري جلساتها وفق شرائع المدائن ودساتيرها المقدسة. أما الجرائم “غير المرتكبة” والذنوب “غير المقترفة” والتهم” بعدم الذنب” فهي العناصر القانونية الصلبة التي يعتمد عليها كقرائن وذرائع للاعتقال والمحاكمة ثم السجن. كان الدستور السائد في كل مدينة من المدائن -ومنذ دخول عصر “المصفوفة” الجديدة للكينونات المهجنة، واندماجها في بوتقة فيدرالية كونية واحدة- يخول لجميع الساكنة -الأصلية منها والمقيمة، المهاجرة – الحصول على الحرية المطلقة والحصانة التامة في اقتراف ما يشاءون من أفعال وفق أهواءهم وأمزجتهم شرط الالتزام بأداء الضرائب الدورية والسنوية المختلفة، ضرائب العيش الرغيد وضرائب الحرص على الحياة. وكانت هنالك دوريات رسمية للشرطة وأخرى غير رسمية اجتماعية تطوعية تقوم بمراقبة وإحصاء أنفاس وأفعال وسلوكيات الساكنة “الأليفة”، في مناخ من الحرية والديموقراطية، والمساواة الشاملة. يتيح للجميع اقتراف -ما يتوجب اقترافه- من دون قيود أو شروط، مع مراعاة بعض الأعراف والتقاليد ضمانا للسير العادي لمنظومة الأخطبوط. كانت ثمة حدود دنيا وقصوى لهذه الممارسات تؤمن للرعية فرص الرعي والكسب ضمن متلازمة التبادل اللا متكافئ للمنافع والحقوق. بات على الفرد الصالح ألا يفرط في تجاوز نصيبه من السرقات والنهب نسبا محددة مسبقا تضمن له القدرة على الوفاء بالتزاماته الضريبية وسداد نفقاته وتوفير احتياجاته. أصبح مسموحا له أن يستعمل أرقى طرق المكر والخداع في النصب والاحتيال خلال معاملاته التجارية والإدارية والاجتماعية. أما الكذب البواح والبهتان، وشهادة الزور وخيانة الأمانة وغيرها من الخيانات فقد أصبحت مشاعا ومن بديهيات التحضر والالمعية، وطريق سريع للترقي الاجتماعي والاقتصادي يفسح لأصحابه مجال الصعود الى مصاف النخبة في قمة الهرم الأخطبوطي. وكانت عمليات السطو والنهب مقننة ومنتظمة في إطار شركات، وجمعيات ونقابات، وأحزاب وتعاونيات وأخويات، تستمد شرعيتها وسلطتها ودعمها من النظام السائد. وعلى عكس الأفراد كان مباحا للشركات المجهولة-المعلومة، والمؤسسات الظاهرة-الخفية، والمتعددة الجنسية أن تسطو على أكبر قدر ممكن من الموارد الأساسية للقطيع يقتطع منه جزء مهم يدفع كهبة لفائدة المصفوفة.. أما العلماء والأطباء بالخصوص فكان دورهم حيويا في المساهمة في الرفع من أعداد المرضى والمصابين بالأوبة المزمنة والفتاكة لضمان ملء المستشفيات والمصحات التي كانت توجد بدورها قرب المعسكرات والمحاكم. كان لكل مستشفى الصلاحية في الرفع أو التحكم في عدد ضحاياه وفق نسب معينة يتم تحديدها مع كتابات المنظومة ووكالاتها في التخطيط الإستراتيجي العبر-كوني. وبالنسبة لقراصنة البر واللصوص “الشرعيين” من كبار التجار ورجال الأعمال فقد كان دورهم يتمثل في الرفع من أثمان المواد الاستهلاكية، الغذائية منها والخدمية، لخلق مناخ عادل ونشيط من المضاربات والمراهنات، مساهمة في ازدهار الاقتصاد ورواج البضائع. كما كان كبار المزارعين ومساعديهم يشرفون على التلويث الممنهج للبذور والاعلاف الخاصة بالحيوانات والتسميم التدريجي للمياه والمواد الغذائية والمزروعات المختلفة كل ذلك بشكل مدروس يروم الحفاظ على حياة الناس والبهائم، لكن فقط في حدود إبقائهم تحت رحمة الأمراض والأوبئة والآفات المستديمة. كل ذلك مساهمة في إنجاح المخطط الكوني الحضاري الرفيع الذي حظيت به المدينة الفاضلة في ظل حضارة متفتحة ومتهتكة، حرة ومشرعة على مصراعيها للمنافسة والمضاربة، والمراهنة، والاحتكار، والتضخم.
أما النظام السياسي للمرحلة فأوشك على الكمال سعيا لترسيخ القيم والأسس الأخلاقية لهذه المدينة الأخطبوطية الفاضلة.. وكان هنالك نوعان من التنظيمات الكونفدرالية يتناوبان ويتقاسمان كل شيء: الأول هو تحالف الحركات الديموقراطية، التوتاليتارية، البورجوازية، الدستورية، البراغماتية، الليبرالية، الأوليغارشية، الميكيافيلية، التيوقراطية، الجمهورية، النخبوية، اليمينية، السايكوباتية، الانتهازية المحافظة. أما التنظيم الثاني فلم يكن سوى غريمه وقسيمه في نهب الثروات وتأجيج الثورات وهو تكتل الحركات الإصلاحية التقدمية الاشتراكية، الانفصالية، الشيوعية، العلمانية، الديماغوجية، الشعبوية، البروليتارية، اليسارية، السوسيوباتية، الوصولية. وكانت تتفرع عنهما لجان تضليلية وتنويمية متخصصة في التنويم والمغنطة، ومن أبرز مهامها تأطير القطاع الواسع من القطيع وإعداد “كيادر” المهرجين المتشقلبين والحواة والسحرة النطاطين لتحديات المرحلة الحاسمة التي باتت على الأبواب في ذلك العهد الفريد من عمر الارض.

26
لما بات من الصعب العثور على (مجرمين) مخالفين للمنظومة ومصالحها ممن يستحقون الإقامة وراء الأقفاص الحديدية المكهربة للمعسكرات تحت الأرضية الجاهزة. وصار أغلب الرعايا خاضعين وفي مقدمة المتهافتين على تطبيق بنود الدستور الجديد بهمة وحماس، تفتقت عبقرية مهندسي المقاولة “زيطا” على حلول جهنمية استمدوها من القوانين المتقدمة لحضارات حلفاءهم من الأبعاد الكونية الأخرى الموازية. كانت المعادلة بسيطة أطلقوا عليها مصطلح (المفهوم الارتدادي العكسي للقيم العتيقة). وتقتضي باعتبار من لا يفسد (لا يسرق، ولا يزور ولا يكذب ولا يخون الأمانة) ولو مرة واحدة في اليوم أو الأسبوع إلا ويتوصل بتنبيهات وتحذيرات رسمية من طرف الجمعيات والأخويات المحلية أولا، وبعد ذلك من لجان اليقظة والمراقبة، وأخيرا من طرف الأجهزة الرسمية. فإذا حدث ولم (يقترف ما من شأنه) على امتداد شهر كامل كان يتم اعتقاله فورا ويقدم للمحاكمة ثم يسجن بتهمة عدم ارتكاب (نصيبه الدستوري) من الجرائم المنصوص عليها في الشريعة أو الشريحة المقدسة (لا فرق). في بداية الأمر وطيلة الأسابيع الأولى من تنزيل الدستور الجديد تراكمت الإنذارات والتحذيرات التي توصل بها السكان الفطريون العاديون الذين بدا وكأنهم لم يستوعبوا جيدا مفاهيم دستور “الشريحة” ومستلزماتها، ولكن بعد مضي الشهر الأول تحولت التنبيهات الى اعتقالات بالجملة ثم محاكمات وسجون. وتواصلت الحملات وشهادات الزور (التي رُسمت قانونيا). أما كلمة “لا” كانت دليلا ملموسا على الخيانة العظمى، وكانت هي ثاني أكبر خطر على الأمن القومي والاجتماعي للمنظومة بعد جريمة “التفكير” الشنيعة. ثم تحولت إلى تهم إضافية تلصق بأصحاب اللاءات واستخدام العقول بحرية مثل تهمة الإرعاب (وهي شبيهة بمثيلتها التي في السطح الموازي التي تدعى الإرهاب) خصوصا أولئك الذين باتوا يرعبون محيطهم بسلوكياتهم الرافضة للغش والتدليس والتزوير والخداع كمنهج يومي للعيش؟ هكذا اكتظت السجون بمختلف الفئات والأعمار فكان لا بد من تنظيم حملات وعي ومراجعة واسعة النطاق من خلال وسائل الإعلام والتعتيم والتضليل المختلفة، الفضائية منها والتحت-أرضية والعبر-كونية لإقناع الكائنات وتوعيتهم بدورها الحضاري المنوط بهم في تلك المرحلة المصيرية. كانت استجابة الفطريين قليلة لتلك الحملات والتعليمات لأنهم كانوا مجبولين على ارتكاب الجرائم بعدم ارتكابها، وعلى اقتراف الشنائع برفضها.. فأصبح مفروضا على نظام المصفوفة إنشاء برامج خاصة لتأهيل هؤلاء وإجبارهم على تنفيذ بنود الدستور المقدس الرامي لترسيخ مفاهيم الحرية والمساواة في فعل كل شيء بلا غضاضة وتجنب الانسحاب من النشاطات الاجتماعية والاقتصادية المساعدة على ارتكاب الجنح والجرائم المباحة. استغرق الأمر سنوات قبل أن تبدأ الخلائق والكينونات المفطورة على (عدم الارتكاب) و(اللااقتراف) في استيعاب الحقائق الجديدة فشرعت في الاقتداء بالآخرين خاصة منهم المهجنين النشيطين، فتحولوا شيئا فشيئا الى لصوص وقطاع طرق، وفسقة، وسفلة، وأفَاقين. عندها فقط بدأت السجون تخلوا والمحاكم تُغلق وقل عدد المعتقلين والمتهمين، فيما ارتفعت أعداد الضحايا الى أرقام مهولة تفوق مخطط المنظومة الكونية نفسها، وبدأ النمط الحضاري الجديد يتهدد الكون الجوفي بالانهيار. بعدما أصبح عدد المقابر وتكاليفها يفوق أعداد ساكنة المدائن بأضعاف مضاعفة. هذه المرة سُنًت تعديلات دستورية استعجالية للتقليص من التزامات الرعايا والجمعيات والأحزاب إزاء المنظومة وأصبحت واجباتهم تنحصر في نسب أقل من الجرائم وعمليات السطو والنهب والترويع، وارتفع وعي الساكنة بالأمر وازداد احترامهم للقوانين المعدلة التي اقتصرت وظائف القتل العمد وغير العمد فيها وكذا التعذيب السري والعلني والسحل والاغتصاب والتنكيل لأجهزة الشرطة والجيش والمخابرات فقط. أما الساكنة الأليفة فقد سمح لأفرادها بتبادل الضرب والجرح والاغتصاب والنهب، ولكن وفق “قانون الغابة المصفوفة المعدلة”. فيما تم منح الفئة الدنيا المستضعفة من أنواع الصراصير النطاطة والجرذان والماعز الأليف حقوقا نوعية مثل الرفع من كمية السب والشتم واللعن على حاكميها والأوصياء عليها وتبادل البصق على بعضها البعض والتمخط والتنخم المباح في الاماكن العامة. صار كل ما يتعلق بالقيم والأخلاق والمعتقدات القديمة والقيود العائلية والاجتماعية والموروثات الروحية من المحرمات القصوى ولا تمارس إلا خفية في حدود ضيقة غالبا فردية واستثنائية (لأن الجهر بها كان أيضا من موجبات التنكيل والمحاكمة والسجن). ومن ثمة لم يعد للعلاقات الاجتماعية والمواثيق والأعراف القديمة مثل الزواج والأبوة والأمومة والأخوة أدني اعتبار خصوصا بعد سيطرة المهجنين من ذوي الجذور الخبيثة على زمام الأمور داخل التجمعات العائلية المستحدثة. من جانب آخر أبيحت لكل الكينونات حقوق اختيار الشريك الأنسب لولوج العهد الجديد دون تمييز في النوع الاجتماعي، او الجنس، او اللون، او الرابطة، لا فرق بين السطحيين أو الجوفيين، السديميين أو الهلاميين، بشريين كانوا أم مبلسين. كان الكل يسبح في جوف المنظومة المصفوفية المقدسة في تناغم مع باقي الحضارات الموازية، وضمنها الحضارة السفلية الحليفة. لكنني في آخر عهدي بتلك الأصقاع السحيقة لمست إرهاصات سخط عارم ونوبات مفاجئة من الوعي اجتاحت قطاعات واسعة من القطعان دفعها إلى العزوف عن المراعي والالتفاف حول حلقات للتفكير والتدبر.. لقد أصابتها لعنة فيروس العصر الفتاك أخيرا وأصبحت تفكر جديا في إنشاء حركات سرية وجوفية، وأخويات وحركات تنويرية (“نورانية” في رأي البعض و”ظلامية” في رأي البعض الآخر) كان الهدف منها تسليط الأشعة السينية الرنينية، والذبذبات القهرو-مغنطيسية مع ومضات نانوية ذرية على كل العتمات الجوفية.

 

الاخبار العاجلة