
عمر عاقيل

إقصاء المنتخب الوطني أمام الجزائر لخصت بشكل صريح وواضح أصل المعضلة التي تمر بها كرة القدم المغربية وعكست بتناغم مستوى المنتخب في المواعد الكبرى، الإقصاء أكد الاسلوب الفني لدى اللاعب المحلي وتكوينه الخاطىء كرويا تلاعبت به أهواء الأطر التدربية والإجتهادات اﻹدارية وقصر النظر في التخطيط السليم، مباراة أكدت ضعف أداء لاعبيه وافتقاد أغلبهم إلى أسس فنية وبدنية صحيحة، مع ضعف كبير بالجانب الفكري والنفسي وهي عوامل يتفق الجميع على أنها لا يمكن أن تمنح أو تصقل في مراحل عمرية متقدمة، وإنما يجري تلقينها وزرعها منذ الصغر بمناهج علمية وبأسس تدريبية احترافية من قبل أطر تدريبية متمكنة لديها القدرة على التعامل مع الفئات السنية بطريقة علمية سليمة.
ولأن هذا الجانب المهم والحساس لم تهتم به الأندية الوطنية بالشكل الإيجابي بعد أن أصرت بشكل غريب على اسناد مهمة قيادة المنتخبات السنية في غالب الأحيان إلى مدربين لا يملكون الخبرة والدراية الكافية بقواعد تدريب الفئات الصغرى، من دون أن تكون هناك دراسة وتحليل لمستوى الأداء والإعداد النفسي والمهاري والتكتيك الخططي داخل الملعب وهو ما ظهر جليا بمستوى أداء منتخب الرديف برغم قيمة ومستوى أبرز لاعبيه المحليين، وامتلاك أغلبهم للشخصية والأسلوب الصحيح، إلا أن تذبذب مستوى المجموعة أمام الجزائر وغياب الجانب التكتيكي وكثرة الأخطاء في التمرير لا يبعث على اﻹطمئنان أو الثبات أمام أقوى المنتخبات.
في مباريات المنتخب وبالرغم من الزخم التهديفي برزت المشكلة الفنية للأداء في غياب الهداف، أو اللاعب الذي يمكنه إنهاء الهجمات بالشكل الصحيح على مرمى المنافس، بل أنه في مباراة الحسم ظهر غياب الإلمام عند لاعبينا بمجرد عبور الكرة منتصف ساحة الفريق الخصم، فكانت المعضلة أن ظهر لاعبونا بمحاولة التخلص من الكرة بأي شكل وفي افتقار تام إلى التكتيك الصحيح ببناء الهجمة المنسقة، وفي غياب للتركيز، وغياب النضوج الفكري لدى اللاعبين.
بل أن الدعوة إلى تحقيق الإنتصار والمضي نحو الأدوار المتقدمة شكل ضغطا نفسيا على نفسية اللاعبين، الأمر الذي أدى فورة عاطفية أو اندفاع غير محسوب انقلب بالضد من حماسة اللاعبين ذهبت معه كل الجهود إلى حيث التسرع وكشف الثغرات بين الخطوط وكثرة السقوط في التمريرات الخاطئة، بل ظهر على وجوه اللاعبين في مناسبات القلق الذي أدى إلى نتائج عكسية كانت سببا في تذبذب الأداء وارتباك بعض اللاعبين التي ظهرت مقيدة الحركة بين الخوف من هاجس الإقصاء.
الإقصاء لم ولن يقلل من قيمة الإطار الوطني الذي بالرغم من كل ذلك نجح في تحديد مكامن نقاط قوة وضعف العناصر المحلية التي شكلت الثقل الأكبر لمفاتيح لعبه ووضع التكتيك المناسب لمواجهته من دون إغفال جانب اختياراته للتشكيل المناسب الذي نفذ به كل الخطط بثبات متزن يضمن السيطرة على أرجاء الملعب وتوزيع الجهد البدني بلا إسراف أو مبالغة.
لا نستغرب حالة اﻹستياء والإحباط التي أصابت الشارع الرياضي المغربي بعد نتيجة الإقصاء وضعف الأداء، وما رافقه من أخطاء لم تساير إيقاع ونتائج دور المجموعات المميزة، وتكاد تكون المحصلة التي خرجنا بها امتدادا لحقيقة الواقع الذي نعيشه مع متقلباته ومخرجاته الضعيفة لدى كل مشاركة، الأمر الذي أسهم في خلق فراغ كبير على صعيد المكتسبات المنشودة والتي وضعتنا في هامش القائمة وفي عزلة فارقة عن المنتخبات والأندية المميزة قاريا، بالرغم من الصعود في سلم ترتيب المنتخبات العالمية، ما يبرز سقوط المنظومة الكروية المغربية في بحر دائم من الإجتهاد والتجريب، لكن من المعيب أيضا تكرار البعض لأسطوانة التأنيب والتسويف بعد كل إخفاق أو فشل دون اﻹعتراف بالخطأ أو التقصير، وفي صورة أشبه ما تكون بالهروب والبحث عن شماعة أو كبش فداء يكون قربانا لإسكات الأصوات المغربية وتخفيف الأحزان.
فشل المنتخب في المحفل العربي يعد امتدادا للوضع المتأزم والنتائج الهزيلة للمنتخبات الوطنية، فتفاوت الأداء وتقلب النتائج يعكس جانبا من عدم الثبات واﻹنحدار الفني بعدما أصبح سمة متطبعة في شكل وصورة المنتخبات الوطنية، بما يجعل من مشاركاته دائمة الشك، حتى وإن كانت البدايات متفوقة في بعض المناسبات الخجولة في نهايتها، وإزاء هذه النتائج ودرجة الغضب المغربي منها، إلا أنه لا يمكن لﻹقصاء أن يسقط على أكتاف اللاعبين وحدهم، لاسيما أن الإمكانات والقدرات النسبية التي أبان عنها اللاعب المحلي لا غبار عليها تركت انطباعا وصورة جميلة لكل المهتمين باللعبة، فهي لا تقل كفاءة ومهارة عن نظيرتها لدى المنتخبات العربية الأخرى، بما يمنحها القدرة والقوة على مجاراتها والتفوق على الكثير منها، لكن ثمة ما يجمد تلك المقومات ويصيبها بالذبول من مشهد إلى آخر، نتيجة أسباب عدة، قد يكون أبرزها التعامل الفني ومدى ذكاء اللاعب المغربي وكفاءته في قراءة مجريات كل مباراة باختلاف مستويات الخصوم، بالإضافة إلى نوعية وسرعة القرار عند التحولات التي تطرأ أثناء سير تلك المواجهات، والتي تتطلب بصيرة وتعاملا حازما لكبح تلك الشراسة التي تحصرنا أحيانا في منطقة ضيقة من المستطيل، وما تولده من ضغط وإرباك للخط الخلفي، ثم خلخلة التحصين الدفاعي الذي يسهل اختراقه فيما بعد، وضربه من كل اتجاه، ومن هنا فإن العلاج لن يأتي بمسكنات موضعية بقدر ما يكون باستئصال المرض من جذوره، فنحن أمام وضع كروي في مجمله سقيم لم يعد فيه مجالا للتنظير والتسويف، فإما إصلاح جاد للمنظومة الكروية المغربية وإما الإستمرار في تحقيق الخيبات.
صحيح أن هناك رؤية لدى جامعة الكرة المغربية مرسومة وأدوات متوفرة وقدرات حاضرة، لكن ذلك ينبغي توظيفه وتطويعه بما يخدم المنتخبات الوطنية بعيدا عن ارتجالية الأندية في تكوين شخصية اللاعب، والقرارات الخاطئة التي أنهكت منتخباتنا طوال السنين الماضية، نعم كان لقاء الجزائر قويا ومفصليا وفرصة للذهاب لتحقيق اللقب العربي، لكن كان بالإمكان تحقيق أفضل مما كان.
Views: 5







