
عبد العزيز حنان الدار البيضاء في11/ 13 دجنبر 2021

بمناسبة اليوم الأخير من حملة العنف ضد المرأة أُقدم هذه المحطة و التي ربما تكون نشازا في السياق العام .
موضوع المرأة أخذ اهتماما كبيرا حتى أصبح يشكل نوعا من الفوبيا . و الفوبيا هو الخوف المرضي لغة . و كما يعرفه البروفسور يورجن مارجراف ، أستاذ علم النفس بجامعة بوخوم الألمانية في محاضرة له بتاريخ 26 دجنبر 2017: (أن الفوبيا أو الرهاب مرض نفسي يُعرف بأنه خوف متواصل من موقف أو نشاط معين عند حدوثه أو مجرد التفكير فيه أو جسم أو شخص معين عند رؤيته أو مجرد التفكير فيه. )
فعلا أصبح موضوع المرأة ، فوبيا لدى الكثيرين . و أذكر في برنامج رياضي بإحدى الإذاعات الخاصة و في تدخل لأحد المستمعين حول مشاركة الفريق الوطني قال : ( خَصّْهُومْ يْكُونُوا مْعَانَا رْجَالْ ) كلام عادي لكن منشط البرنامج انتفض ليطلب منه أن يسحب كلمة رجال و أن يقول : يكونوا في المستوى المطلوب . طلب المنشط من المستمع جاء انطلاقا من حادث سابق لزميل له انفلتت من فمه عبارة ، فخاف أن يطاله العقاب مثل زميله .
لنتفق أولا أن العنف سلوك ممقوت و مرفوض في التعامل الإنساني بشكل عام . و عندما نركز على رفض العنف ضد المرأة يبقى المسكوت عنه و هو إباحة أو حتى تقبّل العنف في حق غيرها .
إن العنف أصبح ظاهرة مجتمعية لا يسلم منها أحد ، لها مسبباتها التي جعلتها تتسيد المجتمع . و معالجتها لا تكون بالوصلات الإشهارية و الندوات المغلقة التي لا يتعدى الحيز الزمني و المكاني الذي تُعقد فيه ، و لا بالنصوص القانونية فحسب ، و لا بالأسابيع المخصصة للتحسيس بالظاهرة ، و إنما تحتاج إلى مجهود آخر لا ينحصر عند القانونيين و الساسة و جمعيات المجتمع المدني ، و إنما يمتد إلى رحاب الجامعة والمراكز المختصة بدراسة التحولات المجتمعية .
العنف بكل مظاهره الجسدي و اللفظي و النفسي أصبح مستشريا من الأسرة ألى المؤسسات التعليمية إلى الشارع إلى الملاعب .
في إطار هذا المنحى العام لا تسلم المرأة من العنف كما لا تسلم في الآن نفسه من ممارسة هذا العنف أنى وجدت فرصة لذلك . و يتجلى هذا في العلاقات الزوجية ، إذا غاب مفهوم المسؤولية المشتركة للشريكين و العمل على تقاسمها و حلّ محلها سيطرة مفهوم الحق في غياب الواجب من طرف المرأة و ردّ فعل الرجل حفاظا على الإرث الذي يحمله في قرارته و تحت وطأة التبعات المادية و النفسية التي تنضاف إليه . فتصبح العلائق متوترة و الحياة مما يؤدي إلى العنف المتبادل كل بطريقته مما يفضي إلى الانفصال بالطلاق . و الإحصاءات الصادرة عن الجهات المعنية تؤكد هذا الارتفاع المهول لظاهرة الطلاق و بالخصوص طلاق الشقاق الذي وجدته كثير من النساء الطريق السهل و المختصر للانفصال .
نعم لإقرار حقوق المرأة والعمل تطبيقها ضمن نظرة شمولية لخصوصيات المجتمع و مراعاة لإمكانية التطبيق على مستويات عدة أهمها الجانب العقَدي ثم الجانب الاقتصادي .
إننا أمام عالم منقسم إلى شقين . شِقّ يتطور بسرعته القصوى بعد أن استطاع لسنوات أن يؤسس لشروط و متطلبات هذه السرعة . و شِقّ ثاني ما زال يحبو في مدارج الخروف من آثار التخلف على مستويات عدة و يقف عند عتبة التلقي من الشِّقّ الأول . فيقع الانبهار ثم الاندفاع نحو التقليد دون إعداد أرضية للتحولات المجتمعية .
نعرف أن نسبة توظيف النساء ما زالت متدنية خصوصا في الأوساط الاجتماعية المتدنية( لم تبق عندنا الفئة المتوسطة ) و متطلبات العصر أصبحت كبيرة و مكلفة خصوصا أمام الغلاء و هجمة إغراءات الإشهار بكل مستوياته أصبحت معه المجتمع أكثر استهلاكا للكماليات بالخصوص . و أمام سيطرة الإعلام على كل الوسائط الممكنة و على رأس القائمة التلفاز و الهاتف و ما تنقله من تهييج للاقتناء أصبح المجتمع عرضة لهيستيريا خطيرة .
و حتى لا أخرج عن موضوع المرأة فوبيا أصبحت رغبة النساء في الاستمتاع بكل ما تقدمه الطفرة الإعلامية من أشياء ، و هذا من حقها لكن في ظروف اقتصادية صعبة على الأزواج الذكور اختلّ ميزان المجتمع . و احتدم الخلاف بقدر ما احتدمت الرغبة و هذا واحد من العوامل التي أدت إلى ارتفاع نسبة الطلاق . المرأة لم يعد عندها متسع من الوقت و لا من القدرة على تحمّل البناء الأسري التي يسير بخطى السلحفاة و الإمكانات المتاحة . فأصبحنا نعيش حالات أو مظاهر اجتماعية منحرفة أساسها الانتفاع من مستجدات العصر في أقصى سرعة .
طلاق الشقاق واحد من هذه المظاهر و خصوصا في صفوف حالات الزواج الحديثة . فيقع الطلاق بسرعة لتجد هذه المرأة ألف ألف باب يحتضنها لتحقيق وهم الاستمتاع بما تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي المشتغلة على مدار الأربع و العشرين ساعة من مظاهر الترف و الاستمتاع في نوع من التهييج ، و ما تعرضه هذه المجمعات التجارية الضخمة التي هي فوق القدرة الشرائية لعموم المواطنين و على الخصوص المواطنات و الذين يرتادونها بكل ما تثيره في نفس الزائر من رغبات الاقتناء ، فيعمدون إلى كل الوسائل الممكنة و اللاممكنة لإشباع هذه الرغبة .
و هذا هو المسكوت عنه و الذي ينخر التماسك الأسري في مجتمعنا بعض النساء و بعد الولادة الأولى يشعرن أنهن مكبلات فيعمدن إلى التخلص من هذا القيد بسرعة .
و من الأنفاق المعتمّة التي يتِمّ السكوت عنها ارتفاع منسوب الخيانة الزوجية من الجانبين ( فمع كثرة العرض يزداد الطلب ) و من هنا نجد هذا العنف اتجاه المرأة لدرجة ارتكاب جريمة القتل . و هو أمر مرفوض و لكنه مؤشر على ما وصلت إليه بعض العلائق الأسرية .
و ظاهرة ( لُمِّمَاتْ ) التي يعرفها الكثيرون و يسكتون عنها إما رغبة أو خوفا . إذ جعلت – عند البعض – كل النساء في كفة واحدة فلا واحدة تسلم من التحرش حتى لو فاقت زمن الكهولة و دخلت أعتاب الشيخوخة . هو سعار أصاب المجتمع .
الجانب القانوني مطلوب لكنه ليس الحل الوحيد . و الحكومة مع البرلمان مع جمعيات المجتمع المدني عليهم ربط التواصل مع الجامعات و طلبة شعب علم الاجتماع بكل فروعه للاستفادة من بحثهم سواء في مرحلة الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه مع تمكين هؤلاء الطلبة و الأساتذة المشرفين من كل الإمكانات التي تتيح لهم القيام بدراسات ميدانية يتم استثمارها .
و طالما لم نلتفت إلى المؤسسة الجامعية في هذا الباب سيبقى الجانب القانوني كجسد أعرج يمشي بقدم واحدة و لن نستطيع الحد من العنف كظاهرة مجتمعية عموما و مسلطة على المرأة بشكل خاص .
غياب مقولة ( من أين لك هذا ؟ ) يسير بنا إلى تفشي سرطان يصعب علاجها ، و تراكماتها ستكون وخيمة العواقب . فكما يستشري الثراء الفاحش و مظاهره على طبقة معينة كانت معدومة حتى وقت قريب و لا تتم المساءلة ( من أين لك هذا ؟ )ينطبق الأمر على رب الأسرة حين يرى مظاهر البذخ ظهرت على من يعولهم أو يعيشون معه في البيت و هي فوق قدرتهم و إمكاناتهم و لا يسأل : ( من أين لك هذا ؟ ) يكون متواطئا .
المرأة فوبيا . مرض خطير حين يستشري في المجتمع . فهو يؤثر على المسارات الصحيحة و يجعلها تتأرجح تحت وطأة و خشية الاتهام بممارسة العنف ضد المرأة .
نعم المرأة تستحق من المجتمع كل الاهتمام و كل التقدير ضمن معالم محددة و مكفولة قانونا ، لكن قبلها و بعدها نحن محتاجون إلى تثبيت الجانب العقَدي و الإيماني في علاقتنا بالمرأة بكل ما يكفله هذا الإيمان و ما تكفله هذه العقيدة من احترام و حق و مكانة للمرأة . حينها سيكون من اليسر نجاح المنظومة القانونية .
نعم الموضوع متشعب ، و هناك من الأساتذة الباحثين من هم أكثر قدرة على تفتيت مغالق هذا الموضوع ، شريطة الابتعاد عن وطأة ( أفكار تحت الطلب ) و الابتعاد عن شبح ( المرأة فوبيا ) . حتى نعطي للمرأة ما تستحقه انطلاقا من العقيدة و الإيمان و الانتساب الإنساني و الدور الكبير و الخطير الذي تنفرد به هي وحدها .
حتما ستكون عودة للموضوع ………
فهو لن ينتهي بهذه العجالة ………..
و نحن – معشر الذكور – يجب ألا يغيب عنا و في كل الحالات و كل المواقف و كل ردود الفعل و كل القرارات أن المرأة بالنسبة لنا هي :
الأم : بكل حرمتها و قدسيتها و محبتها لنا و محبتنا لها ….
الأخت : بكل محبتها الفطرية التي تقاسمناها من نفس الرحِم الذي نشأنا فيه .
الزوجة : بكل المودة الذي زرعها الله فينا و فيها . و جعلها أساس الرباط بيننا. و أنها الإنسانة التي ننكشف أمامها بكل عوراتنا و ضعفنا و أوجاعنا . و جعلها الله سكنا و رحمة .
الابنة : فلذة أكبادنا و امتدادنا .
فلْنراعي في المرأة كل هذه الصفات ….
Views: 2







