المرأة الموقف في مواجهة الغرور الذكوري ( قلبي ليس صندوقا للعجائب ) للشاعرة : الدكتورة فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي” الجزء الأول”

جسر التواصل31 أكتوبر 2021آخر تحديث :
المرأة الموقف في مواجهة الغرور الذكوري ( قلبي ليس صندوقا للعجائب ) للشاعرة : الدكتورة فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي” الجزء الأول”

عبد العزيز حنان الدار البيضاء في 05/06 يوليوز 2021

( صَنْدوقْ لَعْجَبْ ) هل تتذكرون هذا المشهد الاحتفالي الذي عرفه المجتمع المغربي سالفا ؟
هو صندوق تنقل للفرجة و الترويح والانبساط ، دون إغفال أنه أطلق على المذياع حوالي منتصف القرن العشرين و من بعده على التلفاز . و المشترك بينهما تقديم الفرجة و المتعة .
وضعت الشاعرة هذا العنوان ، رسالة لهذا الآخر التي عشّشت بعقله و وجدانه فكرة المرأة ( صَنْدوقْ لَعْجَبْ ) التي تفرج عنه و يتفرج عليها على مستويات عدة .
ليكون النفي من البداية ( ليس ) النفي المطلق .
نفي أن يكون قلبها صندوقا للفرجة و للترويح ،
كما يريد ذلك هذا الآخر الذي لا يرى في الأنثى غير ذاك الإسراع للترويح عنه .
هذه العقلية المغرقة في دهاليز الاستعباد للأنثى مرفوضة من الشاعرة
“””علمتني ،
كيف أزعج الهوى..
كيف أطويك مع الكتاب . “””
فعندما يطوى الكتاب ينتهي كل شيء ، و للتأكيد على الرفض المعلن تواجهه بما يدعي و تؤَمّن على صدقها :
“”” لست مجاملة كما ادعيت ،
و قلبي …
ليس كذاب . “””
و تنتقل الشاعرة من الرفض إلى الفِعل الذي يؤكده و يثبّته ، ألا هو الطرد من الجنة التي كان يتوهم أنها من ممتلكاته كما الأثاث و اللباس التي يشتريها . فالقلب الذي كان يمنحه الدفء و يحميه من المتاهة الآن أصبح خارجه ، و أضحى هو ( الآخر ) عرضة للريح تعوي بحياته :
“”” قلبي ؛
الذي كان بالدفئ …
حِماك ،
لك الآن ،
يكسر الأبواب … “””
و ترتفع حِدّة المواجهة الكاشفة عندما يكون النداء دلا على السخرية و الاستهزاء بفكر هذا الآخر . عندما تردفه بالاستفهام الإنكاري :
“”” يا حبيبي …
متى كنت حبيبي ؟ “””
فالنداء يبدو عاديا ، لكن الاستفهام بعده يلغي المقصود به . و هو استفهام إنكاري جوابه : لا . لم تكن حبيبي .
و خلف هذا الرفض المطلق تسحب من تحت قدميه كل التاريخ الطويل من السطوة الذكورية و التحكم الواهي ، و تطرده من عوالم الوهم التي بناها على مدى قرون …
“”” تاريخي الطويل …
أمجه .
فوداعا يا قرون الرواسب ….
بيد من حديد ،
اقتلعت مثواك …
ما بين الحشا و الترائب . “””
فهو ليس فقط مطرودا ، و إنما مقتلعا نهائيا ، هذا الفكر السلطوي الذي يستعبد الأنثى و يجعلها من بين الإكسسوارات التي تزين مشهده تجتثه من حياتها و خصوصياتها .
فِعل الاقتلاع يجسد شدّته . اقتلاع وجود ( ما بين الحشا و الترائب ) و الحشا هي مكونات تتفاعل بالحياة و تسهل استمرار الحياة ، في حين أن الترائب هي عظام قفص الصدر و منها إضافة إلى الصلب تتكون الجزيئات الأولى من الجنين لقوله تعالى في سورة الطارق :
<< فَلْيَنظُرِ اِ۬لِانسَٰنُ مِمَّ خُلِقَۖ (5) خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ (6) يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ اِ۬لصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِۖ 7) ……) >> صدق الله العظيم
فهو مطرود من هذا الحضن و متروك للفراغ .
بدليل كلمة الوداع الذي لا يرجى منه لقاء .
“”” فوداعا يا قرون الرواسب …. “””
ذكر بلا موقف و لا مذهب يؤطر فكره و وجوده ، هو مرفوض .
“”” يتمذهب المرء في الحياة ،
اختيارا…
و قلبك ،
بريء … بريء
من كل المذاهب . “””
و حين تبلغ الشاعرة ذروة كشف هذا الآخر ، تلقي إليه الوصف الأخير و كأنه خاتمة المشهد :
“”” يا حبيبي !!!
متى كنت حبيبي ؟
يا أبله الفهم ،
يا وجه المتاعب !!! “””
قدح و كشف لأغوار هذا الآخر الذي لم ينفع في تغيير فكره المتسلط لا علم و لا تطور حضارة .
لتطوي صفحته و تتحدث عن الأنثى ، عن الكبرياء … عن الشموخ .
فهي لا تحتاج لمن يراقب خطواتها ، و لا لمن يحسب عليها أنفاسها . ففي ذلك مضيعة للوقت و الجهد معا . فالضمير الحي هو سيد المراقبين و هو الفيْصل في السلوك و القرار .
“”” ضميري مرتاح …
و سلوكي ،
ليس بحاجة لمراقب .
بالترهات ،
ضيع الوقت معي
ألف محاسب … “””
لتختم رحلة التوضيح بهذا التعريف المبطن بالأبعاد الغائبة عن فكر هذا الآخر .
الأنثى جبروت هادئة ، بلا جعجعة و لكن بنتائج ملموسة . تلكم شهرزاد التي روّضت جبروت شهريار بالحكي الهادئ .
“”” بالأنوثة ،
يُقهر الجبروت …
و بها تفنى الكتائب . “””
و الختام تضع هذا الآخر بكل ما يحمل من تصورات متخلفة في الموقع الذي تراه أنه يناسبه ، و أنها لن تدفع من عمرها و من دمها ضرائب هذا الفكر :
“”” يكفي ، أنك نذل …
لن أدفع من دمي ،
آلاف الضرائب . “””
( نذل ) و هي صفة مشبهة تفيد الثبوت غير المتغير و تجمع في طياتها كل سلوك مُعوَج خسيس و محتقر .
و تقفل الشاعرة الحكاية بهذا التعالي المستساغ و المقبول : الكبرياء . و الكبرياء صفة خيِّرة تنافي التكبر .عماد هذا الكبرياء : العفاف و الإباء .
العفاف ، تجنب كل ما يخدش السلوك الإنساني القويم أو يسيء إليه .. الترفع عن كل ما يمس الروح و الجسد بشبهة الحقارة و الرعونة .
الإباء ، عزة النفس و الأنفة و الكبرياء . صفات ترقى بالإنسان لمستوى إنسانيته و تمنعه من الاندحار تحت سطوة الرغائب اللحظية . و للشاعرة نصيب من هذا العفاف ، و إباءها في مستوى عال جدا يؤطره السمو و النقاء .
“”” لي في العفاف ،
نصيب …
و إبائي ،
فوق الكواكب …. “””
هكذا ترد الشاعرة عن ذوي الفكر المتحجر الذي تترسب في ثناياه كل مظاهر التسلط و الأنانية المفرطة .
الملاحظ في النص ، لغته المنبسطة المناسبة للفكرة المعبَّر عنها دون غلو أو تكلّف .
زمن الأفعال هو الحاضر المستمر ليس فيه ارتهان بالماضي و إنما هي رؤية آنية و ممتدة في الآتي دون انحسار .
المهم أيها الآخر الذي لم تتخلص من فكر الانحطاط و التملك المريض تقول لك الشاعرة:
“”” إن قلبي ،
ليس صندوقا للعجائب . “””

الاخبار العاجلة