الجزء الخامس من الفصل الأول لرواية قريني… للروائي سعيد غزالة

جسر التواصل15 أكتوبر 2021آخر تحديث :
الجزء الخامس من الفصل الأول لرواية قريني… للروائي سعيد غزالة

سعيد غزالة


في الأساس لا عزاء لذاكرة مثقوبة. ولا عزاء لعمر بلا ملامح مجرد حياة! كما لا عزاء لتفكر منهك بالآن الغامرة والمطبقة على أنفاسنا. كنت أرتب ذكرياتي على قصاصات ورق: أفكار، أخبار، وقائع، انطباعات، أحلام لم تتحقق، متمنيات، ورؤى. لربما أتنبأ بعالم مختلف يقبل بالجميع، يضم إليه مخلوقاته بلا تمييز ينعمون في بحبوحة عيش هي الجنة المنشودة. لكنها الأحلام ما تتقشب لنا بأزيائها القزحية، ولربما هي رغبتنا في أن تطول هذه الحياة بنا إلى ما لا نهاية. أن نتعدد فينا نتناسخ. تشيخ الجلود ثم تعاود التكوين من جديد، أن نحصل على إكسير الحياة… أن نكون أبطالا خارقين. لكن هيهات أن تفقص بيضة الأحلام تلك كما من المحال أن نركب خيولا مجنحة.

تعددت قصاصاتي فصارت سيرة حياة لم تبارح الورق ولم تتحرر من حبرها. مقيدة إلى الأمل. لما دخلت إلى مرحلة التشكل الرجالي ولما بات القلم يخربش أولى رغباته، صارت الحياة تبرز لي حدودها، قيودها، وعنفها السافر والمقامر بحياة الناس. فترتيبها، قصاصاتي، كما اتفق، اختلط عندي فيها الحابل بالنابل، والنبيل بالسافل، والمعدم بالحافل… فتعذر علي الترتيب والتصنيف والتصويب، واختلطت الحروف فصيحها بركيكها، ورائقها بغثها… فكان لزاما علي، وأنا أقاوم شباكها، أن أحسم في وضع نقطة النهاية/ البداية، فأعلن عني أنا هذا المتوهم المسكون في الخيالات.

بعض قصاصات:

القصاصة رقم 1

“كانت رحلتنا إلى البادية كما طيران الفراشات عندما تتخلص من شرنقاتها وتختار بحدسها الفطري مرتعها المفضل… إنها رحلة تحرر من جحيم التحصيل الدراسي المرهق والاستيقاظ المبكر الذي كان بمثابة عذاب يومي لا محيد عنه. ستة أشهر كانت لنا رغبتان لا ثالث لهما: أن نقضي شهران من عطلتنا في مطاردة الحيوانات وختمها باحتفالات البادية بما معروف ب”الموسم” أو “التبوريدا”… كانت الحياة في البادية ببساطتها مرتعا خصبا لتحرير خيالنا وإطلاق سراح صراخنا وعويلنا!… كانت مرتع فرحنا وخوفنا، فيها تصالحنا مع السماء وعددنا نجومها حتى التعب، وراقبنا الشهب في رجمها للشياطين ولم نر شياطين… وأخرى نهاية نفس… لا يوقظنا في الصباح إلا استعداد البقرات بخوارها لقصد مراعيها ونباح الكلاب إيذانا بيوم جديد بعدما أدت الديكة مهمتها فجرا قبل الجميع بنجاح تام ككل الصباح… “

القصاصة رقم 2

“الجوع،

الناهب لكل لياقة. الحرمان والأماني. كانت ظروفنا الاقتصادية في الحضيض وكانت وجبات اليوم محددة ومقتر فيها بقسوة إلى درجة أن الأكل المفروض أن يكون حاجة لملأ المعدة يكون دافعا لسعير جوعها.

الجوع. لم يقتصر على حاجتنا للأكل فقط، بل كان مقتصرا على ما شح وعُلم في واقع حددت فيها أصناف الأكل حسب الطبقات الإجتماعية، بل حتى في حاجاتنا البسيطة من ملبس أو رغبات أو ألعاب… كان الجوع لكل شيء ليس في المتناول، أشياء كثيرة حُفرت في نفوسنا كأورام لا علاج لها… تكبر تُغل تحاصرنا في دروب ضيقة لا مخرج منها… كانت أحلامنا معتقلة له، لأطيافه، جبروته، تعذيبه اليومي لحاجتنا المغلوب على أمرها… كنا في كثير من الأحيان نقف أمام واجهات المخبزات التي تعرض للحلويات وأشكال الخبز الطازجة والمصنوعة من دقيق نسمع عنه أنه دقيقا أسمر أو مخلوط بالنخالة أو أو… لكن نكتفي بخبز أبيض سريع الذوبان أو خبز الدار الذي ييبس بسرعة وتصدر عنه رائحة الخميرة إذا ما لم يستهلك في وقت محدد. أما الحلويات فهي بالمناسبات ونادرا ما نتذوق بعضها فأغلبها حصري للضيوف الذين قد يحضرون أو لا يحضرون…”

القصاصة رقم 3

“الحجايات، هاينة والغول… أحب هذه الحكاية… وكنت مدمن عليها بشكل مثير للشفقة… تحكيها لي أمي كل ليلة تقريبا… ولم أكن أمل من سماعها، وأحب جزء عندي أولها… لأن أمي كانت تحكي لنا البداية وتكملتها في فرصة أخرى… لم أحبذ يوما أن تنتهي وكأن الأشياء الجميلة كالفاكهة الطازجة سريعة العطب… أدخل مع القصة عوالم من شغف بطولي، لو كنته! حتى أتمتع فيه بإنقاذ هاينة من الغول وإن في الخيال… الحكايات مورد لتكوين بطولاتنا الوهمية لكنها بطولات زرعت فينا بعض شجاعة… وصرنا نختار هيناتنا حسب المتوفر… بنات الجيران بنات العائلة عندما يزرننا أو نذهب لزيارتهم… حتى زميلاتنا في القسم، نتخير منهن ذوات الشعور الطويلة والعيون السود الواسعة وهذه صفات هاينة في المتخيل… أما الغول فهم غيلان متمثلون في أباء قساة أو معلمين جادين… حتى حراس السيارات والإخوة وبعض الزملاء غلاض الطبع أو المتنمرين منهم.”

القصاصة رقم 4

“أعشق الخبز… المادة الوحيدة التي لا يستطيع أحد الاستغناء عنها، لأنه الشيء الوحيد الذي يقبل علينا في كل حالاتنا وأوضاعنا، المادة الوحيدة التي لا تعوز الناس كانوا أحرارا أو عبيدا أو حتى سجناء، أبيضا كان أو مخلوطا، قمحي أو شعير… حتى ذرة… يبقى المادة الأكثر شعبية والتي لا تتبدل رغم كل التغييرات التي طرأت عليها والزيادات أو التصنيفات تبقى العناصر الأساس فيها دقيق وملح وماء… أعشقه لسبب واحد وهو أنه يسد الجوع ويغنيك عما دونه عند العوز… “ضامن الوجه” كما يسمى في ثقافتنا الشعبية. كفانا خبزنا…”

القصاصة رقم 5

“فتاة من جنة عدن أو هكذا سأسميها، لأن جمالها لن يكون خارجا إلا من جنة من جنان الرحمن… صبية تختال بين دروب الحي ابنة البقال الوحيد في حينا… شفيفة كالصدق، بيضاء كفلق الصبح، ناعمة كملمس القطن، باسمة كبستان الكرز… أنتظرها كل صباح عند منتهى زقاق الحي الخامس… لا تتأخر عن الموعد دوما، فهو طريقها إلى المدرسة وعودتها منها. ألتقيها لكن لا أكلمها أو تكلمني… بل أبتسم لها فتنظر إلي شزرا… مرت أيام كثيرة لم تعد تمر عند منتهى زقاق الحي الخامس، فعلمت أن ابتسامتي كانت سببا في حرماني من رؤيتها مرة أخرى. لكن مشية الحمامة والنظرة الشزرا لم تبارحا خاطري. ربما عادت إلى الجنة… لربما أتعبتها الابتسامات غير البريئة، ربما، التي كانت تحاصرها عند منتهى زقاق الحي الخامس.”

القصاصة الأخيرة:

” البلل،

أو الحلم القاهر الذي لا تفرق بينه وبين الحقيقة… وهذا لا يحصل إلا في سنين الطفولة الأولى… إنه التبول اللاإرادي في نوم الأطفال، وأنا منهم، الذي يسبب لهم الكثير من ال معاناة النفسية التي تختلف من طفل لآخر… حالتي تشبه حالات الكثير من الأطفال وهو رؤيتنا الواضحة في الحلم وكأننا ندخل إلى المرحاض لقضاء حاجتنا وإحساسنا بألم غير مفهوم للتبول وفي الحلم نتساءل: ما دمنا في المرحاض فلماذا لا نتبول كالمألوف وبعد صعوبة نتبول ويكون الأمر قد قضي في الفراش… وهكذا. ولكن هناك حكايات أخرى تتوزع بين الخوف والرغبة أو المرض وبعضها يكون متعمدا عند البعض… لكن الأفظع من هذا وذاك عندما نكون في القسم كانت رائحة البول لا تفارق الأجواء حتى صارت من المعتاد اليومي… وكلها حالات أطفال كانوا من خوفهم من العقاب يخفون جريمتهم!… ويدخلون ببللهم إلى الأقسام حتى تيبس سراويلهم… كنت واحدا منهم، وفي مرات كثيرة كنت أدخل إلى مرحاض المدرسة قبل الالتحاق بالقسم لأخفف من بللي ببلل آخر يورثني ارتعاشات تنتهي غالبا بالحمى، وخاصة في فصل الشتاء الذي يكون من أقسى الفصول علينا وقتها… أمر مزعج أن تتعايش مع أمر كهذا… وكنت معرضا لكل أساليب السخرية والتأنيب.”

وعشرات القصاصات التي تزدحم في درج قديم بخزانة خشبية من خشب الأبنوس صغيرة احتفظت بها وحرصت على الاعتناء بكل تفاصيلها الكلاسيكية… وما تزال تحافظ على رونقها النادر. كلما أحسني في حاجة لسلخ الجلد ومن أجل أن أعذب هذه الأنا التي تتلذذ بمحاصرتي، إذلالي وإهانتي وذاك بمحاولة إذكاء ضمير مستتر ساتر للكثير من المساحات السوداء في حياتي الماضية، أعود لفردها أمامي بأشكالها وألوانها المختلفة… لم اكن أأرخ قصاصاتي… كنت أعتمد فقط على ذاكرتي التي تسافر وأنا أحاول قراءتها في لحظات حنين مبتعدا عن الألم اليومي…

لا تنظري إلي هكذا، ولا تدعي براءة كاذبة… لن تخدعينني مرة أخرى بمحاولة استفزاز مخاوفي أو الخوض في الراكد من الروح… فأنا الهارب دوما مني إلى آخري المرتجى… إلى آخري الذي كنت أحاول رسمه بقلم الرصاص وكنت لا أتقن فيه قدماه… رجل يلبس قبعة ويمسك بيده عكازة للزينة ومن بين شفتيه تتدلى سيجارة بنية كثيرة الدخان.

لقد أعياني التفكير في وضع حد لهذا التعلق بأشيائي القديمة، وكلما أحاول التخلص من بعضها أحس بتنمل في يدي وحالة من الإشفاق عليها وكأن ضياعا ما قد يلحق بي. يرعبني مثل هذا الإحساس فأترك كل شيء على حاله في ركن من أركان البيت والذاكرة. أشيحي بنظرك بعيدا، فلم تعد قوة الاحتمال لدي تسعفني على التفكير ولا صفاء ذهني يتسع لشطحاتك. ستبقين هناك كأي شيء ميئوس منه عالة على غيره. تعبت منك يا (أناتي)… تعبت من توجيهاتك وحضورك السافر بالعتب… تعبت من ادعائي التصالح مع الذات وأنت تقعدين لي كل مترصد ناقمة راغية صخبا كعجوز شمطاء خرفة لا يجف حلقها من الكلام ونفث السموم. أتمانعين إذا ما خرجتِ في جولة بعيدا عن أحلامي البئيسة فاسحة المجال لي للحظات أستجمع فيها شتات كلماتي المبعثرة، وعبارات الجرح الذي نقشت على الروح بلا توضيب… هلا أفسحتِ المجال لأنفاسي الحارقة حتى توقظ بعضا من نزواتي الراغبة في الخروج إلى دنيا مسربلة في العبث والجري الماجن لحدود المتع الآفلة؟ لم تعد أشيائي البسيطة تفي بالغرض… أجدني محاصرا بها، مفتون بتفاصيل تافهة ضننتها يوما طريقة عيش، تميز، نوع من التفرد أو الانفراد… تفاهات ليس إلا… وبعد كل هذا، تبقى هذه الأنا الصاخبة بالعناد تطارد حتى النذر القليل من أحلامي الصغيرة التي انا حريص على ألا أعلنها أو أصرح بها للغير… نعم، فلم يتبقى لي من منقذات سواها لكي أتابع حياة باهتة، الجميل فيها قبيح والتافه فيها مبجل والصادق فيها عني. سأفكر يوما في تغيير بعض من عاداتي وألين قليلا من طقوسي الغريبة لأقترب من محيطي المكتظ: أجلس في المقهى، أذهب للتسوق، أحضر مقابلات في الكرة، أدخل السينما، أغازل بعض الفتيات وأنا خارج لتوي من حانتي الحقيرة والمفضلة… أن أتجول في الشارع الوحيد الذي يحمل رمزية الشريان، شريان العاصمة.

ككل غروب يوم، أنزوي في ركني الكُحلي الذي أتخذ منه مكتبا أغازل فيه كتابات لم تكتمل كأشياء أخرى لا تريد أن تكتمل… أحاول أن أبري أقلام الرصاص مكان تلك التي تكسرت جراء عصبية غير مروضة تبعثر أفكاري وتزيد من بياض الصفحات بياضا إلى درجة القساوة. تعتريني حالات من الخمول لما يكون يومي نسخة عن يوميات أي مواطن مواظب على أن يكون خادما مطيعا لنزواته أو أوامر البيت وحاجياته… لا أريد أن أكون عن آلة صرف زائفة لسعادة آخرين لا يعيرونك أدنى اهتمام أنت المتفاني لإرضائهم. هي لعبة سمجة تلك التي صيرتنا عبيدا ليومي طبق الأصل لملايين اليوميات، مجرد عيش. وأضع إبريق قهوتي على النار في خضم هذه الزوابع ليساعدني على إيجاد نقطة انطلاق واضحة ومشجعة لبدء كلماتي الأولى لسفر آخر من أسفاري التي تتعمد أن تبقى ناقصة بلا نهاية لبداية مسكونة بالغموض… إغراق في سورياليات لغوية ونفسية ضائعة في البحث عن لغة أخرى لا مثيل لها حتى لا أسقط في الكلام المسترسل الهادئ أو المثير المدغدغ للمشاعر… فالكل لا حاجة له لعصر الدماغ من أجل فك طلاسيم كتابة رجل يعيش في السواد. هي رغبة مني، بعد أن فورت قهوتي العابقة رائحتها في حيز مكاني الكُحلي، أن أصرخ كتابة وأرعد معاني وأبرق صورا صادمة عن واقع أبكم أطرش أعمى… واقع يعري سوأته لمتفاحلين من ضفاف أخرى… لست أدري ما مدى فهمي لهذا الهذيان، لكنه هذيان يدغدغ أسئلة حارقة مستعرة في داخلي… هي ثورة بلا ثوار، وحرب بلا أعداء ظاهرة. فقط جعجعات من فهم مركب… سامح الله نيتشه ومُوالييه، وماركس ورأسمالييه، وفرويد ونفسانييه، وجوته وخرق فاوسته للخلود. لكني بين كل هذا وذاك واحد آخر لا شريك له يهيئ طبخة أخرى قد تزيد من غموض هذا الإنسان الخرف العابث بمصيره والمصر على صناعة أوهام السعادة التي تزاحم الطبيعة الوجود، وتعدو بلا هدف نحو الفناء.

هل توصلت إلى فهم شيء مما سبق وقلته يا أناتي القاعية في ركني المظلم ككلب بئيس؟ لست متأكدا من شيء… كل ما أنا متيقن منه هو عنادك وسفهك وإصرارك على إرغامي على الغلط… لن أقع في الغلط، أنا لا أومن بشيء اسمه غلط… هي مفاهيم جوفاء أقنعونا بها، وصيرونا لها قطيعا… كلمات وأشياء وِرثوها عن أجدادهم ونسخوها حبرا على ورق ونصائح وطرق حياة وجعلوا لها حكما ومواويلا وحكايات للعبرة! حتى صارت أجل من صانعيها. لن أكون إلا ما أنا عليه، وسأصنع لي مفاهيم جديدة قانونها الوحيد: صالحة لي لا لغيري، أنا… فقط.

لهذا ولأشياء أخرى تكتظ في نفسيتي أطلب منك يا أناتي أن تترجلي عن مستَقَلك وتدعيني أنهش نهشا في مفكراتي ومذكراتي علني أجد متنفسا لإتمام هذا المكتوب “المزغوب” الذي ابتليت به وابتلي بي، هذا الانفعال اللامبرر في زمن العطب. دعيني أعيد للقلم بعضا من هيبته التي توارت قسرا خلف شاشات ذكية تنمط مكتوبك لخطوطها المنمقة غير قابلة لتشطيب أو خربشة… تصحح لك حسب المخزون فيها، وتتدخل في كثير من المرات في أفكارك بعدما تغير كلمة كتبت بمعنى فيتغير المعنى أو تتغير وجهة الكتابة. نعم، أعيد للقلم حريته في استعراض أمجاد خلت… كتابة مرتبطة وشائجيا برائحة الورق عند الرفيف والمداد عندما يتحرر من قلب القلم حاملا معه كلمات مركبات لمعنى أو سخافة… لقد عزمت على جمع مبعثراتي وأبعثركِ بعدها عندما أتخلص من سطوتك على نفسي الأمارة بالحلم والرسم… أن أكتبني في غيابي، وأسكنني في الحدس والهمس وملايين الأحجيات.

أدعوكِ يا أناتي إلى السراح في مبتغياتي التي تعتبريها سلاحا في نحري حتى تتأملينها بعض الوقت… بلا أدنى ريب ستكتشفين أنك تتمنطقين بالخواء بالهواء باللاجدوى، سرب من طيور سوداء تسافر بلا هدف، تملأ سمائي كغيوم لا تحمل في ذرات بخارها إلا رعودا جوفاء وبروقا بلا ضوء بلا معنى… أعرف أن جعجعات حروفي لم تعد تعنيك وأنت تتسللين لخصومي تفشين لهم أسرار ضعفي وانتكاسي وادعاءاتي.

وفي ختام هذا الاسترسال الهذياني أذكرك بشروط القبول بي في هذه الحياة البئيسة التي تفرد أجنحتها على العالمين:

أولا، لا أحد مهم عندي إلا عندما يكون مهما في ذاته… بذلك أكون قد ضمنت إلى جانبي فردا وصل إلى حقيقة أن لا شيء أهم منك…

ثانيا، ليس ضروريا أن تجيب عن أي سؤال… فكلمة: لا تميز. وليس مطلوب منك أن تعطي أي معلومة مهما كانت مهمة أو تافهة ما دام لم تطلب منك.

ثالثا، ليس مفروض عليك أن تكون صادقا أو كاذبا، أنت حر في اختيار ما تقر أو تصرح به… فلست ملزما بالإفصاح ما دمت قادرا على الصمت.

رابعا: لا تتكل على أحد في شيء وأنت قادر عليه ولو كنت محتاجا للمساعدة، فلربما المساعدة قد تأتيك دون أن تطلبها… هي فقط هبة عليك أن تكتسبها بالثقة في النفس.

خامسا، لا تضيع أي فرصة في أن تكون ساخرا، أو ضاحكا… أو منتقذا دون إعطاء حلول…

سادسا، تصيد أي فرصة للمتعة لأنها لن تتكرر، لكن دون أن تحدث أضرارا…

سابعا، لتكن من أولوياتك إثار نفسك عن ما دونها، ولا تدعي حب الخير، ففعل الخير ترف مزيف وادعاء…

ثامنا، أكتب كل شيء وفي أي شيء وعلى أي شيء… فلا يتبقى بعدك إلا الآثار وإن كانت تدميرا…

تاسعا، لا تخبر أحدا بنية فعل شيء حتى يقضى… وكن سباقا لسوء الظن بالناس لأنه في الغالب لا يضمرون لك إلا الشر… ثقي بي!

عاشرا وأخيرا وليس آخرا، لا تبح بأسرارك إلا تحت طائلة الحب… فهذا الأخير يتفه كل علاقاتنا ويجعلنا أقزاما لا حول لنا ولا طول… ولأن البوح من أفاعيله فهو سفه حتى النخاع مغرقنا في بحور من التوهمات والاستسهال وتبضع الأوهام…

بهذه الشروط لقبولي بك على إتمام رحلة الاحتراق هذه، سأكون صريحا في حدود الممكن الذي أراه كذلك… لن تعتورني مفاهيم جاهزة كأحكام جائرة، أو تستفزني أراء تحاك تحت المقاس، أو معاني بلا أهداف… هذه الرحلة التي سأخترق فيها مسكوتات أنهكت الصواب وجارت بالغلط على الأصول وتفهت معيشنا ورحلت فيها الكرامة إلى غير رجعة. انتهى زمن فسيح وحوصرنا في زمن الإسمنت المسلح… وتناثرت أقوام بائدة في الصفيح. رحلة، يا أيتها الأنا البائسة، إلى داخلي المفقود الغارق في سديم روحي بلا ضفاف، بحر متلاطم الأمواج يرغي ويزبد بالرفض والتساؤلات. رحلة إلى عميق المعنى وبعيد الملقى وسامق المفاهيم… تجبرني على الإبقاء علي كما أنا… الرجل داخلي لم يترجل عن الطفل في، وهذا الثنائي المتناكف يبنيان الهياكل الأولى لشخصية لا تبارح مكانها تعدد علي أنفاسي وتسلب قدرتي المضي قدما لتحقيق بعضا من غزواتي التي تنتظر فرصة الزحف نحو الأنا الأخرى الراضية المرضية ليس هذه التي تترصد الزلات.

وكما بدأت هذا الفصل أنهيه بقصيدة شاعري المفضل الذي امتلك زمام لغة الزمن الموبوء ونضد مستعرها ومسكونها الأرضي مخلخلا ذوات الإنسان المنبوذ فيه والثائر السائر نحو معنى صادق متصالح مع ال”نحن”/ الشتات.

 

لا تعتذرْ عمَّا فَعَلْتَ – أَقول في

سرّي. أقول لآخَري الشخصيِّ:

ها هِيَ ذكرياتُكَ كُلُّها مرئِيّةٌ:

ضَجَرُ الظهيرة في نُعَاس القطِّ

عُرْفْ الديكِ

عطرُ المريميَّةِ

قهوةُ الأمِّ

الحصيرةُ والوسائدُ

بابُ غُرفَتِكَ الحديديُّ

الذبابةُ حول سقراطَ

السحابةُ فوق أفلاطونَ

ديوانُ الحماسةِ

صورةُ الأبِ

مُعْجَمُ البلدانِ

شيكسبير

الأشقّاءُ الثلاثةُ، والشقيقاتُ الثلاثُ،

وأَصدقاؤك في الطفولة، والفضوليُّون:

هل هذا هُوَ؟

اختلف الشهودُ:

لعلَّه، وكأنه. فسألتُ:

(مَنْ هُوَ؟)

لم يُجيبوني. هَمَسْتُ لآخري:

(أَهو الذي قد كان أنتَ… أنا؟) فغضَّ الطرف.

والتفتوا إلى أُمِّي لتشهد

أَنني هُوَ…

فاستعدَّتْ للغناء على طريقتها:

أنا الأمُّ التي ولدتْهُ،

لكنَّ الرياحَ هِيَ التي رَبَّتْهُ.

قلتُ لآخري:

لا تعتذر إلاّ لأمِّكْ!

 

محمود درويش.

الاخبار العاجلة