فن وثقافة

التصوف و التسامح : دين المحبة

د. خالد التوزاني

إنَّ قبول الآخر في سياق التسامح، يُمَثِّلُ زكاة القلب، وتحلية السُّلوك بأخلاقِ الأنبياء، فلا ظلم ولا عدوان، بل صفحٌ وبرٌّ وإحسان، الشيء الذي ينتج بيئة اجتماعية سليمة، استجابةً للأمر الإلهي في قوله تعالى: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” ، ومعنى ذلك أنَّ أخلاقَ التَّسامح، كالعفو و الصّفح والعدل.. لا ترتبط بمدى استجابة الآخر واعترافه أو تقديره لهذه الأخلاق، وإنما هي توجيه ربّاني ودعوة للعدل في جميع الأحوال ومع الجميع دون استثناء.

لا شك أنَّ روح المحبّة الإنسانية المنتجة للتسامح لم تأت من فراغ، وإنما هي هَدْيٌ نبويٌّ شريفٌ وتوجيهٌ ربانيٌّ للبشرية جمعاء، من أجل الإحسان إلى الخلقِ وإكرام مخلوقات الله، ولذلك نجد قيمة التسامح بوصفها أصلاً من أُصول الأخلاق، مِن شِيَمِ الأنبياء والرُّسل، فهذا السّيد المسيح عيسى عليه السَّلام، عَلَّم قومه العفو والمغفرة، بل وتجاوز الصفح إلى محبة المسيء، فمن تعاليمه عليه السلام أنَّ الله محبَّة وأنّ أقرب الناس إلى الله مَنْ أحبّ الله وأحبّ خلق الله، ومنهم المطرودون والعصاة، ولا يستحقّ غفرانه مَنْ لم يتعلّم كيف يغفر للمسيئين إليه: “إنْ أخطأ إليكَ سبعاً في اليوم وتاب إليك سبعاً في اليوم، فاقبلْ توبته واغفرْ له” ، ويتجاوز قبول اعتذار الآخرين، إلى حُبّ الذين لم يعتذروا، بل ربما استمروا في الإساءة وبالغوا في العُنف، يقول السَّيد المسيح عليه السلام في “موعظة الجبل” الواردة في “إنجيل متى”: “من لطمك على خدك الأيمن، فأدر له الآخر أيضا، أحِبّوا أعداءكم، بارِكوا لاعِنيكم، أحسِنوا إلى مُبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم، ويَطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السّماوات..” ، ولا شك أنّ هذا الخلق الرفيع الذي يتجاوز الصَّبر، ويعلو فوق التَّسامح، إلى العفو والصَّفح، بل إلى الدعاء للمسيء بالخير، لا يطيقه إلا الأنبياء ومَنْ سار على هديهم واستنَّ بسُنّتهم، وفي هذا السِّياق، نستحضر عفو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم على من آذاه وظلمه وأساء إليه، ففي رحلته إلى بلد الطَّائف، كان قد مكث عشرة أيام يدعو الناس إلى الإسلام، وفي النهاية أخرجوه من الطائف، وأثناء خروجه وقف أهل الطائف بأطفالها ونسائها وغِلمانها صفَّين، ومَرَّ رسول الله بينهما وهم يقذفونه بِالحِجَارة، وظلّوا خلفه مسافة طويلة، حتى دخل حديقة ثم تركوه، وهناك جلس الرسول والدماء تنزف منه، والألم والحزن يعتصرانه، ونظر إلى السماء ودعا ربه بدعاء حزين لم يدع به قبل ذلك اليوم، وهو الدعاء المشهور: “الَّلهُمَّ اني أشكو إليك ضعف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على النَّاس، أنتَ ربّ المستضعفين وأنتَ ربّي، إلى من تكلني؛ إلى بعيد يتجهَّمني، أم إلى عدُوٍّ ملَّكته أمري، إنْ لَمْ يكن بك عليّ غضب فلا أبالي..”، وتفاصيل هذه القصة ترويها عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إنَّ الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا .

إنَّ روح التَّسامح لا يطيقه إلا مَنْ امتلأ قلبه بالرَّأفة والرّحمة، وكان من الصَّابرين على أذى الخَلق وجُحودهم، فسلوك الصَّفح والعفو ثمرة القلب السليم، وهو القلب الذي تخلَّص من أدرانه وأوساخه، وأصبح زكيّاً طاهراً، كما قال ابن القيم: “والمقصود أنَّ زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة” ، ولذلك مَنْ كان قلبه عامرا بالمحبة، فاضَ على كل الموجودات بالمحبة، فكل إناء بما فيه ينضح، ويؤكد القرآن الكريم هذه المعاني في قوله تعالى: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” . ومن هناك ندرك قيمة الإحسان، والتخلّق بهذه الفضائل المنتجة للأمن الروحي، وتصالح الأفراد، وسلامة المجتمع، ولذلك لا غرابة أن يكون إلحاح الصوفية على إصلاح القلوب كبيراً، من خلال أدوات التَّزكية: كالتَّخلية والتَّحلية، والذّكر، والصَّمت، وغضّ البصر.. وغير ذلك من الأدوات والأساليب التي نهجها القوم.

إنَّ العرفانيات الإسلامية، تُمثّل الأفق الأعلى للفكرة الإنسانية النَّبيلة في أسمى تجلياتها، كما تعدّ الوجه الأكمل لكل الفلسفات الإنسانية والمثاليات الوجدانية، وتمثّل أيضاً الكمال في الإيمان، والكمال في كل شأن من شؤون الحياة، فهي الخلاصة الزّكية لكل دعوة ربانية صادقة، وبهذا المعنى يصبح القلب السّليم مرادفاً لمعاني الأمانة والوفاء والإيثار والنَّجدة والكرم ونصرة الضَّعيف وإغاثة الملهوف والتَّعاون على البرّ والتّقوى والتّواصي بالحقِّ والتَّسابق إلى فعل الخير، وهذه صفاتٌ نبيلةٌ تُمثِّلُ الخُلق القويم الصَّحيح، ولا ترتبط بأيّ مذهب أو دين أو فلسفة معينة، وإنما هي أخلاق المقربين؛ من الصَّالحين في الأرض الذين ألهمهم الله التوفيق والسَّداد، وهذا يعني ضرورة أن يسمو التصوف العرفاني وينأى بنفسه عن كل تمذهب أو تحزب أو تقوقع داخل طريقة معينة، وأن يبقى شأنا إنسانيا نبيلاً، لا يحتكره أحد ولا تستولي عليه جهة معينة ، فهو مفتاحٌ للتقريب بين الديانات ونبذ التطرّف الديني، بإشاعة خُلق التسامح، لأن المتديّن الصوفي لا يفجّر نفسه أبداً ، ولذلك يمتلك التصوف العرفاني قدرة عالية على صِناعة سلام كوني وتفاهم دولي قائم على سُلطة القِيم والأخلاق والإيمان بالله خالق البشر، وحده تعالى الذي يحاسِبُ عباده، وبذلك يسترجع الدِّينُ قيمته، ويعود للحياة اليومية عقيدة مؤثرة في السلوك، وذلك بعيداً عن أي خطاب ديني حماسيّ يُبشّر بدين على حساب آخر أو يقلل من قيمة دين بعينه، وإنما العبرة تكمن في جوهر الأديان، وهو مكارم الأخلاق التي تجعل من الإنسان إنساناً، فيكتسب صفات المقرَّبين في العناية بالخَلْق وعدم سَلبهم حقّ الوجود وحقّ العيش في عالَمٍ هُو هِبةٌ من الله للجميع، فالخَلقُ عِيال الله، وأَحَبُّهم إلى الله أنفعهم لعياله، ولذلك لاَ بُدَّ أن نُغيّر قناعاتنا، لأننا “نحن والمفتاح واحد؛ عندما نتغيّر، إذاك نستطيع أن نفتح الباب” ، وهنا نستحضر دعوة جلال الدين الرومي لعبادة الله، وفق هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو على نهج السيد المسيح، حيث لم يُظهر الرومي أيّ حساسية من الدّيانة المسيحية، فيقول: “سِرْ على درب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا لم تستطع، فانهج نهج المسيح” ، فالرومي باعتباره شيخاً صوفياً ومُرَبِّياً حكيماً، قد ركّز على ضرورة السلوك إلى الله، وأنَّ الله عز وجل يأخذ بيد من شاء إليه، كما قال تعالى: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” .

إنَّ التسامح من منظور الدبلوماسية الروحية يتجاوز العفو والصَّفح والقبول، إلى الدِّفاع عن كلِّ دينٍ وحماية حقوق أهله، ومن الأمثلة نستحضر ما قام به الأمير عبد القادر الجزائري؛ فقد أنقذ ما يربو على خمسة عشر ألف مسيحي من القتل في الفتنة التي اشتعلت في دمشق بين الدّروز والنَّصارى سنة 1860، ووقف متحدّياً جموعاً هائجةً مندفعةً لقتلهم، ودَوَّى بصوتهِ قائلا: “إنَّ الأديان وفي مقدمتها الدّين الإسلامي أجلّ وأقدس من أن تكون خنجر جهالة أو معول هدم، أحذركم من أن تجعلوا لسلطانِ الجهل عليكم نصيباً، أو يكون له على نفوسكم سبيلاً” ، كما أرسلَ رسائل يَطلب فيها من علماء حمص وحماه درء الفتنة والتعقّل حقناً للدماء، وساعد مجموعة من النصارى بتأمين وصولهم إلى بيروت ، وبعد تلك الحادثة يكاتب أسقف الجزائر “بافي” Louis Antoine Augustin Pavy الأمير عبد القادر شاكراً له صنيعه، فيجيبه الأمير برسالة يقول له فيها ما خلاصته: “ما فعلناه من خير للمسيحيين، ما هو إلا تطبيق لشرع الإسلام واحترام لحقوق الإنسان، لأنَّ كلّ الخلق عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله، إنَّ كل الأديان من آدم إلى محمد عليهما السلام تعتمد على مبدأين: تعظيم الله جلّ جلاله، والرّحمة بمخلوقاته، وما عدا هذا، ففرعيات ليست بذات أهمية كبيرة، والشّريعة المحمدية من بين كل الشرائع، هي التي تعطي أكبر أهمية للاحترام والرحمة والرأفة، وكل ما يعزّز التآلف وينبذ التخالف، لكن المنتسبين للدين المحمدي ضيعوه فأضلّهم الله، فجزاؤهم من جنس عملهم” ، وفي رسالة أخرى قال: “إنَّ ما فعلناه بحقِّ المسحيين لم يكن سوى ما يمليه الواجب الدينيّ والإنسانيّ” . ولذلك ظلَّ حضور هذه الشخصية راسخاً في ذاكرة التسامح الإنساني النبيل، حيث أقامت الأمم المتحدة بجنيف سنة 2006 معرضا له، ووصفته بأنه رائد القانون الإنساني ومُنشد الحوار بين الديانات.

ومِن مظاهر التّسامح الدّيني أيضاً أن نجدَ مسجداً نصفه للمسلمين والباقي للنَّصارى، و تعود قصة هذا المسجد العجيب إلى زمن فتح دمشق أيام عمر ابن الخطاب صُلحاً، وعُنوةً زمن خالد ابن الوليد ، حيث وصل الرحالة المتصوف أبو سالم العياشي إلى هذا المسجد في رحلته الذائعة الصيت، والمسماة “ماء الموائد” ووصف المسجد بقوله: “من الغرائب التي شاهدناها في هذه المدينة (الرملة) أنَّ مسجدهم الأعظم كان في الأصل كنيسة، وصار اليوم نصفه مسجداً ونصفه كنيسة؛ تسمع أصوات كل من المحلّين في الآخر، وزعموا أنّ سبب ذلك، أنّ المسلمين في وقت فتح البلد دخل بعضهم من ناحيةٍ صُلحاً، وبعضٌ من الناحية الأخرى عُنوة، فاجتمعوا في وسط الكنيسة، فصار نصفها مسجداً والنصف الآخر كنيسة” .

إنَّ زكاة القلب بوصفها جزءاً من منهج المحبّين للرحمن، تجعل من موضوع التسامح، أمراً بديهياً، وتحصيل حاصل، ما دام القلب هو عين العقل وملتقى المعنى والحِسّ، أو الوَهْب والكَسْب، فالقلب نافذة للرؤيا مثلما العين بوابة للرؤية أيضاً، مع اختلاف في طبيعة الاستقبال والبث، لما بين البصر والبصيرة من تفاوت في الإدراك، وينتج عن ذلك ضرورة ربط الصِّلة بالله لتكون الرؤيا واضحة، فهو نور السماوات والأرض، وفي غياب النُّور لا تُستطاع الرؤية، وهذه إشارة إلى أنَّ المعنى النَّفيس أو المقدَّس، يأتي دائماً من السَّماء، فلا يغلق المرء آذانه وعيونه أمام الحقَّ الذي قد يأتيه من الآخرين المخالفين، بمعنى لا بد من الاستعداد دائماً لتعديل قناعاتنا تجاه الناس ومواقفهم وتصرفاتهم، ولا يتم ذلك إلا بالإنصات والحوار والتفهّم والقبول بالاختلاف، وهذا مظهر من مظاهر التسامح في بعده التطبيقي، بالإضافة إلى كونه ثمرة القلب السليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى