فن وثقافة

“الأبعاد الجمالية في الكتابة الزجلية” والتي سيرها الدكتور محمد رمصيص وشارك فيها الأستاذان مراد القادري واحميدة بلبالي.. (ورقة ادريس بلعطار)

 

ادريس بلعطار

الورقة التي ساهم بها ادريس بلعطار بندوة بالمعرض الدولي بقاعة مراكش يوم الثلاثاء11/02/2020 تحت عنوان”الأبعاد الجمالية في الكتابة الزجلية” والتي سيرها الدكتور محمد رمصيص ؛وشارك فيها الأستاذان مراد القادري واحميدة بلبالي….

ابدأ ورقتي بملاحظة حول عنوان الندوة”الأبعاد الجمالية في الكتابة الزجلية”..ووددت لو استبدلت (الكتابة الزجلية ) ب(المتن الزجلي ) ،على اعتبار أن سؤال الشفهي وانتقاله إلى المكتوب لازال يطرح عدة إشكالات. .إذ نحاول إخضاع هذا الشعر الشفهي لنظام لغة اخرى؛ الشيء الذي يدفع إلى طرح عدة أسئلة ليست مطروحة في الشعر المعرب(الفصيح )الذي لايوجد به لحن سواء على مستوى النطق أو الكتابة لكونه يعتمد لغة معيار لها قواعدها الصارمة والصريحة؛ في وقت يعتمد فيه الزجل على لغة محكية بشقيها (اللغة البيضاء واللغة الاصيلة ) .
فهل هذه الكتابة أو التدوين اوالطباعة تحمل معها الهوية الشفهية للزجل أم تحد منها ؟ وهل هذه الكتابة تحافظ في الجانب الفونيتيكي على الأبعاد الصوتية والتعابير الصوتية الألفاظ والتعابير الزجلية أم لا تفعل ..فعندما نكتب مثلا (قلب معذب ) فنحن نكتبها بخلفية اللغة المعربة في وقت وجب كتابتها بالف بين الباء في الكلمة الأولى والميم في الكلمة الثانية ،فقد التقى ثلاثة سواكن تباعا مما يجعل السكون الأوسط ينقلب إلى حركة عن طريق النبر كقاعدة ضمنية (قلب امعذب ).
أيضا على المستوى الكليغرافي ليس هناك اتفاق حول رسم /كتابة للمتن الزجلي فلفظة”كلمة”مثلا هناك من يكتبها بالتاء المربوطة ومن يكتبها بالهاء ومن يكتبها بالميم فقط (كلم ) بفتح على الميم ومن يكتبها بالف ممدودة ” كلما”بل هناك من يكتبهآ بتاء مبسوطة خصوصا إذا كانت بسكون حي(كلمت الحق ) ..بالنسبة أيضا لحروف الجر الموقوفة التنفيذ في (دارجتنا ) فتأتي كتابتها بأشكال متعددة فحرف “على” يأتي بالهمزة أو من دونها (على/اعلى ) وتكتب بتسكين اللام مع حذف الألف “عل/ واقف عل الباب” كما قد تكتب العين وحدها مجردة”ع الله” …وقد تم التطرق لهذا الاشكال وإشكالات اخرى خلال ندوات ولقاء ات سابقة تم فيها اقتراح ارفاق الدواوين المطبوعة بتسجيلات صوتية حتى يحصل التطابق بين التلفظ والكتابة .ووجب أيضا ومن أجل تلق سليم وضع هوامش للمفردات المحلية بالنسبة للدواوين المطبوعة خصوصا وأن الزجل المغربي أصبح له متلقيا خارج حدود الوطن ، فإذا أخذنا التعبير الرائع بلاغيا للمبدع الصديق احميدة بلبالي “برية في كم الريح” فإن كلمة برية قد تطرح لبسا عند القارئ العربي الشيء الذي يفرض شرحها على الهامش حتى يتمكن من تمثل الصورة الشعرية بكامل الوضوح..كما وجب الإشارة إلى الرموز و الأساطير المحلية الموظفة في الكثير من النصوص الزجلية؛فعندما اقول (كنت تشعليني ..حتى نزند ونڭدا…باش نهمد ونهدا. . وطيور رمادي ..تتجدد في الولدة. .وتزيد ف لعلو موال )..هنا انا لست ملزما بالإشارة إلى أسطورةطائر الفنيق أو العنقاء لكونيتها لكن عندما أقول (واليابوري بوالعوامة …وملك للسما ..وملوك للما ..وشكون حرزو ..حتى جف جناني وخرب)..فأنا ملزم بالتعريف ب”اليابوري” على اعتباره سلطان الماء في الأسطورة الڭناوية. هذا بالنسبة لملاحظتي حول عنوان الندوة.

قبل الدخول في موضوع ألندوة: الأبعاد الجمالية في الزجل المعاصر لابد من الوقوف على مجموعة من المحطات التي ساهمت بشكل كبير في تطوير زجلنا…لابد من الوقوف على ظاهرة المجموعات التي أشرت على ظهور قصائد جديدة تتغنى بما هو اجتماعي وسياسي وقومي وانساني (يابني الإنسان. .علاش حنا عدنان. ..) وطرحت في قصائدها أسئلة ذات بعد فلسفي وجودي (واش حنا هما حنا..؟) كما اتخذت من (الزجل/الكلمة/الحرف/اللغة. .)موضوعا لها (لكلام لمرصع فقد المذاق ..والحرف البراق ضيع الحدة) أو (صغى للنغمة وذوق سر الكلمة وروى وكون حاضر)(نقول كلامي وغادي فحالي….)..
لابد من المرورعلى تجربة (زجل الكليات)الذي راهن على قوة المضمون نظرا للظروف العصيبة التي أفرزته. ولابد من الوقوف على ريادة سي أحمد المسيح في طبع اول ديوان زجلي وبذلك فتح شهية الطبع أمام مجايليه والاجيال الموالية وكان له الفضل أيضا في تعبيد طريق الزجل إلى منصات الشعر التي كانت حكرا على الشعر المعرب (الفصيح).
لابد من الوقوف على تجربة الرابطة المغربية للزجل وفضل الأستاذ إدريس المسناوي..هذا الإطار الذي ضم ثلة من خيرة الزجالين المغاربة من الجيل الثاني والذين أكدوا حضورهم في الساحة بشكل قوي ،ويكفي أن نذكر (بوعزة الصنعاوي وعزيز بن سعد ونهاد بنعكيدة …واعتذر عن باقي الاسماء).. وضمت الرابطة المغربية للزجل أيضا مجموعة من الأساتذة المهتمين بمتابعة الزجل نقدا وتنظيرا؛ مما خلق دينامية غير مسبوقة تجلت في تنظيم العديد من اللقاءات والتي أعطت للزجل إشعاعا قويا ، وتجلت أيضا في طبع العديد من الدواوين ،كما تجلت في الانفتاح على الفضاء الجامعي هذا دون نسيان دور الاتحاد المغربي للزجل في اكتشاف العديد من التجارب الجديدة من الجيل الثالث..وكذلك ودور جمعية الشعلة الذي كان موازيا سواء على مستوى المركز أو على مستوى بعض الفروع..وأيضا دور الكثير من الجمعيات الوطنية هنا وهناك.
لابد أيضا من الوقوف على فتح المجال امام الزجل المعاصر ليصبح للبحث العلمي الجامعي ،فكانت أطروحة شهادة نيل دكتوراة الدولة “جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة” للدكتور مراد القادري وتلثها مؤخرا شهادة مماثلة للاستاذمحمد بوستة بجامعة بن زهر باكادير ..وصدرت عدة دراسات من أهمها :كتاب للدكتور محمد رمصيص”من لغة الظل إلى لغة الشعر،وكتاب “فن الزجل “للأستاذ محمد داني وكتاب “القصيدة الزجلية بالمغرب (عزف على اوثار العشق والغضب) للأستاذ مصطفى لمباشري وكتاب”شعرنا المغربي إلى اين؟) للدكتور محمد الديهاجي. .والعديد من الدراسات ..كما تم إصدار العديد من الانطولوجيات التي عرفت بالعديد من الزجالات والزجالين ..وأصبح الزجل أحد سفراء الثقافة المغربية في الكثير من الأقطار العربية وترجمت بعض الدواوين والنصوص إلى لغات اجنبية..
كل هذا يؤكد أن الزجل طور أدواته وأساليب اشتغاله وأصبح رهان بالفعل هو الذائقة الشعرية والجمالية هذه الأخيرة التي تعني بشكل مبسط ستحضار الجوانب الفنية والرهان عليها في مستويات عدة منها اللغة والمعجم والصورة والخيال وأيضا الايقاع…
فبالنسبةللغةفهي لغة محكية لغة التواصل اليومي لشرائح اجتماعية متنوعة (بدويةومدينية)هذه اللغة التي تحولت في الزجل إلى لغة شعرية تتغيى بناء دلالات جديدةتعبر عن رؤية الزجال الذي يمتلك إلى جانب ثقافته الشعبية ثقافة عالمة ومعارف كونية.
أما المعجم فتتجلى جماليته في ألانتقاء وحسن التوظيف على اعتباره مساعدا على بناء الصورة الشعرية لما يحمله من شحنة نفسية وجدانية واجتماعية وأيضا رمزية..وتتجلى هذه الجمالية في تفجير المعنى الأصلي للمعجم وتوليد مدلولات جديدة له..
وعلى مستوى الصورة والخيال فالتعابير والتركيب في (دارجتنا) لها حمولة خيالية تصويرية على مستوى التداول والاستعمال اليومي ..والزجال الواعي بهذه الحمولة يوفرها توظيفا جديدا يكون بعدة تقنيات وأساليب كالاضافة والقلب والتشذيب الخ…فالاساسي في الصورة الشعرية هو اللامألوف (الانزياح في لغة النقد)والذي يتم هو الآخر بعدة أساليب بلاغية أهمها الاستعارة والرمز والاسطورة سواء كانت كونية اومحلية ..
أما بالنسبة للإيقاع فقد عرف هو الآخر تطورا ملحوظا في محاولة لتكسير رتابة إيقاع القصيدة التقليدية حيث ركز على الايقاع الداخلي سواء على مستوى الاصوات ك (المدود و الأصوات المتقاربة”الجناس”…)أو على مستوى الكلمات إذ لجأ إلى التكرار مثلا سواء بالنسبة للفظ أو المقطع..أو على مستوى الصيغ إذ نجد توظيف الكثير منها كالاستفهام والنفي والنهي والتعجب وغيرها من الصيغ ..
أما بالنسبة للإيقاع الخارجي و من خلال العديد من التجاريب منذ البداية الى ان نصل إلى محاكاة الأشكال المستحدثة في الشعر المعرب (قصيدة النثر والومضة الشعرية) فقد عمد الزجل المعاصر إلى تجريب عدة ايقاعات مازجا(قياسات) موروثة (لفراش ولغطا) مثلا بنظام مستحدث كنظام السطر ..أو بانيا لوزن ثم تكسيره ثم إعادة بنائه ..أو مستغلا على مجموعة من القياسات (الاوزان)في قصيدة واحدة مع الحفاظ على وحدتها العضوية ولضيق المجال سأسوق نموذجين مع أن الأمثلة كثيرة ومتنوعة…النموذج الأول مقطع من ديوان “توحشت راسي” للأستاذ أحمد لمسيح. .. والمقطع الثاني من ديوان “لخبار في راسك” للأستاذ عزيز غالي ..
يقول المقطع الأول
ديني ياخاطري عند راسي (8مقاطع صوتية)
ديني بغيت احماقي يغلب
(8مقاطع صوتية)
خليني ياخاطري نقاسي
( 8مقاطع صوتية)
او فوراق شوقي نكلبg
(8 مقاطع صوتية)
يدي مرعوشة ماتعلمت غير تغضب (11 م ص)
كيف توالف سيدي مولاي وللكذوب تكتب (13 م ص)
اكيف تمسخ اكلام القلب والحرف إلا حنى تغلب
(15 م ص)
عقلي هو مولاي والحرية للغير الصفا مايقرب.
(17 م ص )
الأشطر الأربعة الأولى تدخل في نظام (الرباعيات) بينما الأربعة الثانية هي عبارة عن نظام السطر مع ملاحظة عدد المقاطع الصوتية التي أتت على شكل متتالية حسابية (11..13 ..15..17)
بالنسبة للنموذج الثاني يقول عزيز غالي
كتبي بنية واحكي ليا (8م ص في الشطر)
على شجرة من دمي
وجدر من عقلي
وعلى دوار والديا (8م ص)
فتشي مزيان يابنت امي (8 م ص)
وحيدة وحيدة
وف كل جنان
وف كل طوبة
عل الحيطان
سولي البير المهجور
وذاك الواد الناشف
و اللي ف لقبور المنسية (8 من ص)..
يمكن ملاحظة بناء وزن وهدمه ثم إعادة بنائه ..وهناك أشكال إيقاعية اخرى ويبقى السؤال الملح هو إلى أي حد واكب النقد المغربي المعاصر -الذي أضاء الكثير من الجوانب في شعر الزجل -إلى أي حد واكب هذه التطورات والتحولات التي مارسها الزجل المعاصر بخصوص هذا التجريب في الايقاع الخارجي ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى