
طارق المعروفي

عندما نقول إن بناء البشر أهم من بناء الحجر، أتذكر قصة سور الصين العظيم، وهو من عجائب الدنيا السبعة. قصة رواها أحد الممثلين المصريين على خشبة المسرح ببراعة، ولا بأس أن نستحضرها في هذا المضمار: لمّا أراد الصينيون القدامى أن يحصّنوا بلدهم ليعيشوا في أمان، بنوا سورا عظيما في علوه وطوله. لقد اعتقدوا أنه لا أحد يمكن له أن يتسلق هذا السور العظيم. ولكن ويا للأسف فإنه خلال المائة سنة بعد بنائه، تعرضت الصين لثلاث غزوات. وفي كل مرة كان العدو غير محتاج لتسلق السور العالي، لأنه ببساطة كان يدفع الرشوة للحارس ليدخل من الباب الرسمي. لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس. فما أحوجنا لبناء المواطن لكي يصبح فعاّلا في المجتمع، يعطي ويبتكر. فما جدوى بناء الأبراج إذا كانت مطلة على دور الصفيح ومجتمع الانحراف والفقر؟
وما جدوى بناء مسرح عظيم تعرض فيه التظاهرات المنحطة التي لا علاقة لها بالفنون؟
وما جدوى تهيئة وتجديد بعض المؤسسات في كل مناسبة وهي لا تقوم بالدور المنوط بها؟
وما جدوى التشبث بالشكل والزخرفة والمظاهر، ونحن نغفل الجوهر والمضمون والأساس؟
“يشتري” الرذيل سيارة فخمة يساوي ثمنها منزلا كاملا، وفي الطريق يرمي الازبال في الشارع من نافذة السيارة، ويخفض السرعة عندما يرى الرادار أمامه، وما أن يتجاوزه حتى يطير بسيارته، وعند مفترق الطرق، ينتبه فقط للشرطي هل هو متواجد أم لا، لكيلا يقف في علامة “قف” أو الضوء الأحمر.
هناك أيضا بعض الناس الذين يسكنون في عمارات فخمة ولكن عقولهم فارغة تحسبهم من بعيد رجالا ولكنهم في الأصل يفتقرون للمبادئ وحرمة الجار والتعايش مع الآخرين.
هناك عدة أمثلة يمكن أن نتحدث عنها في هذا الصدد، ويبقى المشكل متعلقا دائما بإهمال بناء البشر، ولهذا نقول إن بناء البشر أهم من بناء الحجر.
Views: 13







