المسرح

مونودراما قلنديا .. تابع (التركيب الثاني)

سعيد غزالة


2
(عابر وكأنه يخاطب مجموعة من العابرين يثنيهم عن عبور بلا جدوى)
عابر:
أنت.. وأنت.. وانت، كل واحد منكم يحمل زادا أو حلما أو مصيرا مجهولا، ألا تملون هذا العبور الحاشر.. هذا العبور السافر.. هذا العبور البليد والذي يتآكلكم بلا حياء؟ ألم يان الأوان لأن تتقد جمرتكم.. جمراتكم بنيران الغضب المشروع؟ أترضون هذا الإنحناء العائب.. ماهذا؟ تراجعوا وعودوا.. عودوا بكرامة وصوموا عن دنيا دسمة بالخنوع والخضوع.. جوعوا فجوع الكرامة لا يقتل كما جوع الذل!
أنت لا تنظر إلي في بلاهة ومزق جوازك.. لا جواز إلا جواز الكرامة.. لا تعبروا وقسموها حياتكم إلى غرب وشرق.. عودوا واعتلوا التلة هناك ولتزرعوا حقول قمح وبرتقال.. ولتعيدوا للتاريخ بريقا مفتقدا.. عودوا وتكتلوا في جماعات وارسموا الخريطة من جديد.. فليكن هذا الجدار حدا لا سدا.. ليكون متكئا لا ملجئا.. ولترسموا كما أرسم عليه منذ زمن أفقا لأمل غير مرتقب.. عودوا وولوا أدباركم لهذا العار ولا تخنعوا.. اسمعوا إلي.. صوتي صوتكم.. من نفسكم من حلمكم.. دعونا نقلها كلمة واحدة ووحيدة.. نحن ورثة الكتاب، وجدارهم خوفهم صمت رعبهم دعاؤهم اللامستجاب.. نحن سليلو الحراب وأنتم سؤال بلا جواب.. ولوا الأدبار وأجيبوا السد بالقفا..
اسمعوا لهذا الخطاب.. فلقد طرزته بالسؤال وبالجواب.. وزينته بموزون الحكمة.. لم يتبق لنا ما تبقى.. وما تبقى لنا هو كل ما يمكن له أن يتبقى.. فلا تبقوا للخوف في حيكم من بقية.. وقوا أهاليكم أمل عبور أمل قبور.. أمل حياة بلا وجع.. تضرعوا للرب بسؤال: متى يا رب؟
ما الحكمة، أيها العابرون، من ترقبكم؟ عودوا وسودوا ما تبقى لكم فلربما تعيدون للأرض بعض خصبها وللنفوس بعض سلوها.. وتحيون جذوة من كرامة.
لقد صبغت ليلكم بكل الألوان ورسمت لكم معابر من فرح.. معابر من مرح وقيدت القرح.. اقرأوا كتاباتي آيات محبة:
القلب دليل والمحبة قافلة حوذيها العشق.
عانق المحبة في كل مخلوق لا جدوى من الإقصاء.
أن تحس يعني أنك قربان لكل التضحيات.. لا تخف.
دمع يجر أنين وآهات حب خير من ألف ابتسامة.
عودوا إلى غرف نومكم وأوقدوا شمع المحبة فهي دليل الإستمرار.. دليل الإستقرار.. فانوسا للمسير الحالم بوطن لا تثقله السياسات.
عودوا وسأعود معكم كيفما يكتمل هذا الرسم وسأرسلها آهات لحنَّا: إن الرسم في دمي ودمك وسيكتمل.. يكتمل إن اجتزنا وإن عدنا وسنعود وإن عدنا.. إنا نبني وطنا وننتظر.. لا أمل في الظلام فالنور يمحوه.. لا أمل في وعود الرياح فقد تجر سحاب المطر وقد تزمجر صرصرا لا تدر..
سنعود بكل العزم.. فكل صبح هو حياة جديدة لأحلام جديدة.. سنعود يا حنَّا.. وسنعود يا وطن.. وسيكون لكل حضن لذة وأنين.. وحضن الوطن هو الأنين.. ياااه يا وطني..
عودوا من حيث جئتم ولا تبعثروا ألواني وتدوسون خوفا خطوط الكرامة إنني منجلي.. وإنني فاك رموزها.. فليتوفق هذا العبث اليومي.. فلتتوقف هذه الحالة الشاذة عن الطبيعة.. دعونا قبل أن نسأل أن نقف تأملا.. أن نقف رفضا.. أن نتوقف عن ذرف دمع الظلم ونذرف دمع الشهامة.
إننا نرفض ما نعيشه ونعيش هذا المرفوض.. فلنتوقف عن هذه الحالة.. لنقف رافضين كل شيء إلا الكرامة..
عودوا وعندما يحين حين عزل العزل، اعلموا أن الجدار سينحني خجلا للكرامة والشهامة.. والإمامة.. دعوا الصمت الناطق يعلن هذا الوطن.. لا إله إلا الروح والروح روح الإله والإله قال كلمته: لا تزر وازرة وزر أخرى..
عودوا واعلنوا في صباح أن الجدار قد انزاح.. يومها سأجمع أغراضي وألواني.. وأعود إلى ما عودت عليها العود.. حنَّا.. سأعود لأعانق سكون الإنسانية وأداعب خصلات السعادة بلا خوف بلا عتاب بلا رقيب.. لتكن أنت الحلم.. وأنت.. وأنتم. عودوا فلربما كان لعودكم عود وكان لهذا العود حد لهذا السد وهذا المد اللامد.. انتهى هذا الفصل.. عودوا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى