المسرح

مونودراما قلنديا .. (تابع) الجزء الخامس

سعيد غزالة

5
(عابر يشعل شمعة ويجلس إلى إبريق الشاي )
عابر:
الليل يا ليلى.. كل ليل بليلاه.. وأنا ليلي طلق السواد واصطبغ بلونك يا حنَّا.. ليل حنَّا ليس ليلا إنه عمر عندما تختلط الأحاسيس لتنشد معنى.. أي معنى لهذا التيه الواقف ببلادة أمامك يا جدار؟ أنا أسمع تنفس إسمنتك رغم قساوتك.. أسمع آهات محتدك الأصلي والرملي والحديد الذي تشابك في عمق الإسمنت.. أسمع كل المحاولات الفاشلة في امتطاء سخيف لصهوتك! الليل سلسبيل البوح وبوحي شجون.. كل اللغات تخجل وصفا فيك.. جدار بارد وحب يشتعل براكينا.. ليلك يا حنَّا تتساوى فيه الأشكال وتضيع حماسة النضال من أجل الجري المسعور لكسب لقمة خبز ممرغة ذلا ومهانة. إني أتصالح كل ليلة مع ليلك وأسكن إلى قزحية ألوانك في الروح.. العالم لا يساوي بريق دهشة من عينيك، ولا يرقى إلى رونق التفاتة اشتياق منك. ماذا تطلب مني يا ليل حنَّا أن أكون؟ كل الجسور كل البحور تسلم لي زمام أمرها.. أأستطيع أن أقف على تلتي يوما وفي الزحام أزرع نخلة الوالد وأشيد حبا في أتون الكراهية؟
ليلك يا حنَّا لا ينجلي.. عنوة تمر الشمس ساعات في ليلك.. حنَّا، دعيني أصبع ليلك نهارا أتحكم فيه ولا يتحكم فيَّ. وإذا ما حنَّ القلب لحنَّا أعيد صبغه بلون من ألوان ليلك الليلكي ليلك الملكي.. فأنا مهما تماديت في الرسم والوسم لن أكون إلا عابرا مني إليك.. مني لكِ.
حنَّا، أتعلمين أن شعلة شمعتي لها حنين إلى ظلمتي؟ شمعتي سوداء وليلها كليلك لكن فيه ضياء.. فيه دفء وحوار.. تحاورني شعلة شمعتي كل مساء… عندما أشعل عود الثقاب (صنع فرنسي) كان يدور بيننا هذا الحوار:
عابر:
الليل وشعلة عود الثقاب تغازل فتيل شمعتي..
الشعلة:
دعها تحيي ظلمتك بشعلتي.. دع شعلة عود الثقاب تلد شعلة شمعتك السوداء..
عابر:
أتذكرين يوم اشتريتك؟
الشعلة:
أنت لم تشترني. بل اشتريت شمعتك السوداء التي أسرك سوادها وكانت نيتك ألا تراني وتحتفظ بها في رف من رفوف..
عابر:
كنت أعلم أنك ستولدين يوما..
الشعلة:
الفضل لعود الثقاب (صنع فرنسي)
عابر:
الفضل للجدار..
الشعلة:
أي جدار هذا؟ أليس وهما إسمنتيا؟
عابر:
الوهم لا يضاء إلا بشعلة..
الشعلة:
أتصدق نفسك؟ أهذا كلام معقول؟ ليس إلا احتراقا..
عابر:
أوليس الإحتراق وهما؟
الشعلة:
الإحتراق دفء.
عابر:
ماذا تحاولين أن تقولينه لي؟
الشعلة:
أنا قولي فعل.. وفعلي تباريح بوح عاشق.. وأنت يا عابر عاشق تمتشق سلاحا ساخرا وسخطا سافرا.. أنت حزن بلا دموع..
عابر:
ومن أدراك بأمري؟
الشعلة:
أنت رسام بالفطرة وصانع الظلال.
عابر:
أتعلمين أنني أجهل كوني فنانا؟! لقد شحذتني سخافة هذه الحياة فصيرتني طيفا عابرا.. ساخرا حاملا لقلبي عاريا إلا من حب قد تجف دماؤه إذا ما توالت عليه الطعنات..
الشعلة:
لا تتهرب.. فأنت انفجار متعدد في الزمن..
عابر:
أنا شجاعة بلا سلاح..
الشعلة:
سلاحك لسانك، فرشاتك.. أنفة حبك.. أنت عاشق تعيس الحظ. (عابر يضحك..) تضحك؟
عابر:
أنت شعلة ذكية.. تحاولين أن تمنحيني وسام الأنا حتى ما أنشغل بأناي عن الآخرين..
الشعلة:
مازلت تسخر؟
عابر:
لا أمتلك إلا هذه الصفة.. هذا قدري وقدري أن أقبع هنا بلا حول أعزي عبوري المحكوم بالشطط.. شطط هذه الحياة وشظف هذا النزوع إلى العدالة.. إن جوعتي للحقيقة لا تبارح صمتها..
الشعلة:
لا تتوارى خلف هذه الأشياء.. كفاك تبرجا بالكلام..
عابر:
هذا اللسان عندي ينتفخ بالصمت.. والصمت في عرفي سقوط في البلاهة.
الشعلة:
أنا مجرد شعلة ولست حبيبتك..
عابر:
أشفق على الشمعة منك.
الشعلة:
لا تشفق على شيء منه احتراقه.. جسدي فتيل، عمود فقري يقوم جسد شمعة.. إننا نتساوى في الإحتراق.. نذوب.. نتلاشى لكن نصنع حياة تستمر إن بأفكار أو بأسماء.. لا تشفق..
عابر:
ألست لعنتها؟
الشعلة:
هي وقودي في الإحتراق.. دماؤها تعشق ناري فلولاها لما كنت ولما كان لأي سمر أن يكون.. تذوب بي وأشتعل بها فمن منا لعنة الأخرى؟
عابر:
كيف تجيدين هذه الأجوبة؟
الشعلة:
وماذا تنتظر من مشتعل؟ إلا أن يصرخ أو يلقي بالحكمة.. ناري من جسدي برد وسلام.. النور ينبعث والحياة تستمر.. دعك من التفكير فياما تفلسف العشاق في صفي.. أنا أحترق لأبقى.. والشمعة تنتهي لتولد.. وأنت ماذا؟
عابر:
أنا عابر المقامر.. عابر المغاير.. عابر المجاور..
الشعلة:
أنت عابر مغاير.. تسكن لونك.. ظلمتك وعند حلول الضياء حواليك تتحسس أطرافك هل هي كما هي أم أن قدرا ما قد استعار بعضا منها.. أنت مغاير لأنك لا تواجه مرايا منكسرة.. ولا تؤمن بإله واحد..
عابر:
أنا لست مؤمنا..
الشعلة:
أنت مؤمن حتى النخاع يا عابر وإلهك يحل فيك كلما هاج الفؤاد منك.. كلما تمرغت الفرشاة العاشقة في أصباغك المشتهاة، يحل فيك كل لحظة وأنت تفرز اللون من اللون وتخلط بينها وتسكنك قصة الخلق الأول وأنت تداعب جفلك وقلقك وأنت ترسمها..
عابر:
حنَّا.. ؟؟
الشعلة:
حواء آدمك المختلط بدمك.
عابر:
لست إلها..
الشعلة:
ولست طينا من حمأ مسنون.. أنت الصخب..
عابر:
كلامك كفر..
الشعلة:
كفر مؤمن خير من إيمان كافر..
عابر:
لا أفهمك؟
الشعلة:
أتعلم أنني لا أقيم وزنا للزمن؟ فشعلة ثانية قد تساوي ألف عام، وشعلة ساعة أو ساعتين على أكثر تقدير لا تساوي إلا هذا الهبل الذي تسمونه وطن..
عابر:
الوطن نحن..
الشعلة:
الوطن أرض.. وأرضكم جنت عليها نفوس مخمورة بالعفن.. أنت سليل الأخطاء..
عابر:
هذا سخف منك يا شعلة لقد تجاوزت وظيفتك.
الشعلة:
أي وظيفة يا هذا.. شعلة نور خداع.. باهت باعث على الأرق والفرق.. اسمع أنت لست في حاجة لاحتراقي ولا لذوبان الجسد.. أنت تتوق للعبور.. العبور.. (ضحك)
عابر:
(يطفئها) لن أتسلق الجدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى