المسرح

مونودراما قلنديا .. (تابع )الجزء الرابع

سعيد غزالة

4

(عابر ينظر إلى نقطة بعيدة في الجمهور وبعد أن يطفئ سيجارته.. يبدأ في دندنة موال..)
عابر:
عابر اسمي واسمي مسافر
وللحظ عينيك أقامر لا أسامر
أنت النجوى وقلبي مغاير
أعتلي صهوة المخاتل والمخايل
أجترح الحسن جرما لا مغامر
عابر امتطي أسفلت القناطر
ذاك سعف أبيض لا تكابر لا تكابر
عابر اسمي واسمي مسافر
والنهد في النجد عفوا لن أخاطر
………
كان لي صديق شاعر أهداني بعضا من أشعاره.. قلت له: ألا تهديني يوما بعض الأفكار؟ نظر إلى في بلاهة غير معتادة قائلا: أفكار؟ وما نفع الأفكار وأنت رهن اعتقال؟.. كان على حق.. كلنا رهن اعتقال.. رهن احتقار.. كلنا ذاك الرجل الذي…
لن أنظم الشعر والرسم في دمي متمرد.. كلما كنت أحمل ديوانا لأقرأه أبحث بين صفحاته عن خنجر أو حجر.. أو رشاش.. أبحث عن فدائي طلق الكلام أو حاكم يقول الحق ويتعرى من العمالة.. كنت أبحث عن معنى لكل هذا العبث وأعيد الديوان إلى جوف الصوان.. انتزع سيجارتي من علبتها انتزاعا وأحضر فنجان قهوتي المرة علها تطمس بياض الأكفان بياض السلام أراجوز القمم.. علَّها!
اسمع أنت.. أعلم أنك اشتقت لكلامي.. اشتقت للغتي السوداء.. حتى تأمركم كؤوس خمرتكم.. حتى يفتح الجدار فرج شهوته لاستقبال فحولتنا.. سأحدثكم عن عاهرة اسمها: السلام.. السلام كلام تحت الحزام.. السلام هذه الحمامة البيضاء.. امرأة بلا هوية ولأنها عاهرة اختارت أن تكون سلاما وتقدم لنا في قمم الحكام كل مفاتنها قوانين ولياليها معاهدات وصباحاتها المنهكة نطف لقطاء تتوالد لمستقبل رمادي.. اسمه: البياض.
اسمع، لربما حديثي سيؤذيك، فأنت في جميع الأحوال بشر منا.. قدر نطفة إنزرعت في رحم مجهول لتتكون بشرا خير له أن يحمل السلاح ولا يفكر إلا كما يفكر السلاح.. هل السلاح يفكر؟ أليس هذا أمر مضحك؟ نعم، السلاح في مثل هذا السلام وبين يدي هذه العاهرة يفكر.. يفكر بعدما استحال مدادا في طابعة تملى عليها بنودكم البلهاء.. أي سلام هذا؟ وأي كلام ذاك؟ أتحسبون أن هذه الصناعة المتقنة في دواليب عفنكم قد أتقنت رسم الخرائط؟ لا. حدود الخرائط ماهي إلا خطوط وهمية تطبع على أوراقكم تزيد وتنقص حسب الإملاءات.. سلام.. أي سلام يا أبناء اللئام.. سلام لا يحمل عنوانا ولا مأوى.. ولا.. أتريد أن تغضب؟ لا تغضب فالغضب ليس من شيمكم.. الغضب إنسان له تاريخ وله نسب وحسب وامتداد.. الغضب رد فعل ضد النذالة والحقارة.. ضد أولاد الحرام.. أولاد.. أي سلام هذا الذي صيرنا أشباح بشر.. السلام العاهرة.
الحكاية يا هذا ابتدأت ساعة انسحبت الكرامة والنخوة من دماء بني يعروب وابتذلت في نفوسهم العزة ولاكوا نفطهم كبثا وحشيا يرعب الصبايا وبقايا الرجال في محصور ما بين الخليج والمحيط اللامحيط.. واستبدلت محطات الإرسال خطابات النضال إلى جهاد والحق إلى تكفير ومداهنات.. وتحول إعلامنا ضحك وسخافة.. ارقصوا وخففوا من لباس العز وتزيوا بحرير الخزي، فلا فرق بين الوجه والقفا.. كما لا فرق بين وجه الجدار أمام عيني ولا ظهر الجدار في الجانب الآخر.. أي سلام هذا الذي تسامى عهرا وتواضع قوادة!!
اسمع أنت.. لا تنظر إلي هكذا، أعرف أنك لست الآخر فأنت لا تدخن.. لكن عيونك حمراء من الخجل ومن الوجل.. سأنتظر الآخر وسأدخن بفنية كبيرة لأنها متعتي ولأنني فنان في التدخين واستلذ بالنظر إلى الهاوي.. سأعلمه كيف يغازل السيجارة وسأطلب منه ألا يغادر مرسمه مرة أخرى فحديثي له يغنيني عن الشماتة.. عن الشحاتة.. عن.. أي سلام يا سلام..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى