الأغنيةالتراث الشعبيفن وثقافة

فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار

شيخ العيطة الحسين السطاتي

المغرب بلد الفنون من كل لون، يزخر بتراث موسيقي وغنائي غني ومتنوع، ومن بين هذا التراث نجد فن العيطة. وهو فن موسيقي غنائي تقليدي يُعد أحد مكونات تراثنا الفني والثقافي الوطني، يؤدى من طرف رجال ونساء، “أشياخ” و”شيخات”. يشتركون في النظم والعزف والغناء والرقص على حد سواء، في مساواة بين الرجل والمرأة..فن موسيقي فرجوي يحتوي على رصيد غني ومتنوع من الألحان والإيقاعات والأشعار والرقصات، توارثته شريحة كبيرة من المغاربة جيلا عن جيل منذ قرون، هذا الفن البدوي النشأة الذي عانى من التجاهل واللامبالاة والتهميش والإقصاء والتحقير لحقبة طويلة، إلى أن جاء وقت وامتدت إليه أياد رحيمة ربتت عليه، ونفضت الغبار عنه وخففت ما نزل به، فبدأ يشهد تدريجيا نوعا من رد الاعتبار، وبدأت الأصوات ترتفع وتعيط دفاعا عنه، كما تعددت حوله الأبحاث والمقاربات، ورغم هذا كله مازلت نظرة البعض إلى ممارسي هذا الفن “أشياخ وشيخات”، نظرة قدحية تحقيرية تقلل من شأنهم ومن القيمة الفنية للعيطة، كما اتهم ممارسيه بالخروج عن الإطار الأخلاقي للمجتمع المغربي، فقبع هذا الفن من جديد على الهامش بينما تركز الاهتمام وتم تسليط الأضواء على فنون تراثية أخرى نشأت في كبريات الحواضر والمدن.

وقد كان بعض المثقفين وشريحة كبرى من النخب الفكرية والاقتصادية في تسعينات القرن الماضي إلى بداية الألفية الثالثة، يسخرون من فن العيطة ويقللون من قيمته الفنية، ومنهم من كان يستهلكه في السر ويخجل أن يعرف بعشقه له في العلن، لكن بتضافر جهود المختصين، باحثين ومهتمين وموسيقيين وأشياخ وشيخات..وجمهور العشاق والمولعين والغيورين على هذا الفن التراثي الأصيل، الشفوي غير المكتوب، انتصر وأعلن عن ذاته بأنه جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية للمغاربة، فن الأسلاف تنقل كلماته ومسيقاه جيلا عن جيل ويطرب له الملايين في الحفلات والأعراس والمهرجانات، يؤثث السمر والسهر من المدشر إلى القصر، ويجعل الذين يرفضونه يرقصون على نغماته داخل وخارج الوطن، فيا ترى من المسؤول عن تلك النظرة الدونية، نظرة الاحتقار والتبخيس التي ظلت عالقة بهذا الفن الطربي الشعبي؟ ولماذا بالضبط حصل هذا التعامل مع فن العيطة ولم يحصل مع فنون أخرى مغربية تراثية تعبيرية؟ وكيف يمكن رد الاعتبار لهذا الموروث الثقافي الغنائي؟
إن فن “العيطة”، هو فن موسيقي غنائي، تراثي شعبي تقليدي يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، كما أنها مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. ويأتي التركيب كخاصية موسيقية وهوية إيقاعية وزجلية. وهي تتوزع إلى تسعة أنواع، تتنوع حسب تنوع المناطق الجغرافية التي تحتضنها، ونجد هناك: العيطة الجبلية، والعيطة الغرباوية، والعيطة الزعرية، والعيطة المرساوية، والعيطة الحصباوية وتسمى أيضا بالعيطة العبدية، والعيطة الشيظمية، والعيطة الحوزية، والعيطة الملالية، ثم العيطة البلدية وتسمى أيضا بالعيطة الفيلالية الجرفية. وضمن هذه الأنواع العيطية نجد عيطة الساكن التي توجد في كل نمط من هذه العيوط. كما نجد لوحات فلكلورية تعبيرية من الرقص الشعبي تأثث هذا الفن التراثي.
==( “وإن هذا الغناء الذي يطلقون عليه اسم العيطة، وأحيانا أسماء أخرى للتمييز، هذا النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية- الأنثوية والذكورية- والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافق، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموما، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”)==. المرجع: الباحث الدكتور حسن نجمي في كتابه بعنوان: “غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب 1″، الصفحة 17.

وهذا الغناء هو غناء البدو، فن بدائي رعوي، بالمعنى النبيل للتعبير والمصطلح الذي يمكننا الرجوع به إلى الشعر الرعوي لدى فطاحلة الأدباء والشعراء العالِمين العالميين، وليس بالمصطلح القدحي المتداول لدى بعض العامة الأميين الجاهلين، وحتى لدى بعض أهل النخبة الذين ينعتون غناء العيطة بغناء “العروبية السراح”، هم الذين يجهلون متعة وقيمة مهنة الرعي “السرحة”، طبعا أنا شخصيا بصفتي فنان شعبي، شيخ للعيطة فقد تعلمت أولى أبجديات فن العيطة بطريقة تقليدية في المراعي وسط المروج الخضراء والحقول المنبسطة خلف قطيع الغنم، وكانت أهازيج وبراويل العيطة هي نشيدي الأول بالدوار، ومازلت متشبتا بأرضي وببداوتي وبفني، هذا الثالوث الذي يشكل هويتي ومصدر افتخاري ونقط قوتي، طبعا أستمع إلى فنون غنائية أخرى ومنها التراثية، أستمتع بها وأستفيد منها، لكن ولعي وعشقي يبقى لموسيقى العيطة، وكما جاء على لسان الباحث في تراث العيطة الدكتور حسن نجمي إذ قال: ” إنها ليست المدينة التي رفضت البادية- هكذا بتبسيط – وإنما هو المتخيل الحضري الذي لم يقبل ما تحركه وتنشطه العيطة من متخيل قروي مطبوع بميزاته الفطرية البدائية الطليقة. ذلك لأن تمركز متخيل المدينة حول أخلاقيات معينة، كان لا يقبل ما تتمركز حوله العيطة من أخلاقيات مغايرة لها تربتها الخاصة، ومن تم عامل سدنة الثقافة الرسمية في الماضي العيطة كفن هامشي غير مطابق للنمودج”.
وربما كان مقدرا على فن العيطة أن يظل مزعجا للبعض على الدوام ومصدرا للتقولات وسوء التفهمات من جوانب عدة، أحيانا نجدها قادمة من السلطة، لأنها لم تستطع إخضاعه وتدجينه، وتارة أتية من النخبة الوطنية، لأنها رأت فيه سندا لأولي الأمر ونصيرا للماسكين بالسلطة، ومرة ثالثة نجدها آتية من الجماهير نفسها، التي احتضنت هذا الفن منذ نشأته قبل أن ينتزعه منها الكبراء والأعيان. هذا الغناء الذي يتسم بالبساطة على مستوى التأليف الشعري والموسيقي، ويؤدى بلهجة دارجة عربية عامية ضاربة في العمق الريفي، وبصور جمالية وتركيب فني رائع وعميق، زجل امتزجت فيه عوامل السرد والإنشاد، والحكي والغناء، حيث تتجلى شفوية العيطة في أنها ممارسة فنية وظيفية داخل المجتمع القبلي، بتلقائية وعفوية توارثتها أجيال عن أجيال، إذ لا يعرف مؤلفها الشعري والموسيقي، وإنما تقوم مثل كل تراث شفوي على المجهولية..حيث تشكل عنصرا هاما في التعبير عن التراث الثقافي لكل منطقة من خلال إيقاعاتها المتعددة ومقاماتها المتنوعة ونصوصها المرتبطة بالواقع المعاش والخصوصية المتنوعة لكل منطقة من المناطق التي ينتشر بها ذلك النوع من العيطة بالمغرب.
إن هذا الفن قد عاش فترة من الزمن داخل منطقة يخيم عليها الكثير من الغبار، وظل يقيم في حكم الخامل من ذاكرتنا الجماعية ردحا طويلا من الزمان، وهو طليق من غير تصميم مسبق من أحد ومن دون أية رعاية تذكر، وكانت أنغام آلاته الوترية وإيقاعاته الداوية وبحة أصوات شيخاته وأشياخه تجوب بكل حرية في الأحراش والدواوير والبراري والهضاب، ووسط الغابات والرياضات.. تؤثث ليالي المحتفلين من الأهالي والأعيان في المناسبات والأعياد ومواسم الأولياء ومواسم القنص والتبوريدة..ثم جاء عليه حين من الدهر أسره زمن القياد الكبار في قصورهم وحصونهم وقلاعهم، وقاموا باحتضان فن العيطة واستئجار أصحابه وجعلوا منه طبقا لذيذا مهيئا لمجونهم وعربداتهم..والنص العيطي في حد ذاته يَعتبر شهادة تاريخية دالة على ما فعله القياد بهذا الفن وكأن الشعراء العيطيون “أشياخ وشيخات” كانوا بذلك يؤرخون عيطيا لسيرهم الذاتية، يخلدون ما لحق بهم وما عاشوه في عهد مخزن غاشم وأعوانه وزبانيته الظالمة..ونذكر منهم على سبيل المثال؛ القائد عيسى بنعمر، في قصره بآسفي وعزيبه في الميلحة بمنطقة عبدة، ونافسه في ذلك القايد العيادي قائد الرحامنة في قلعته ورياضاته، وجاراهما في هذا الأمر المهين لهذا الفن أعيان آخرون متسلطون ومتنفذون وإن كانوا أظل شأنا وأقل اعتبارا، وقد توارث هذا التسيب من بعدهم قياد وأعيان آخرين سار على نهجهم مرضاة لنزواتهم، وتفاخرا بسلطتهم ونفوذهم وأنانيتهم وغرورهم.. بعد ذلك تم استغلال هذا الفن التراثي من طرف المستعمر الفرنسي وزبانيته من المغاربة الموالين لصفه حيث انتشر هذا الفن الموسيقي الغنائي بأماكن مشبوهة تنقص من قيمته وتشوه سمعته كدخوله لفضاء”البوسبيرات”، وازدهر وتأقلم مع أماكن الشراب وأوكار الفساد.مما ضاعف من الإيلام الذي ناب هذا الفن وطاله بالابتذال والميوعة..فتأثر هذا الفن بالمكان والزمان، وكان أن تحول ذلك الغناء السلس العذب إلى عبارات مسكوكة ومقعرة يشتم منها المجون والرعونة وغياب الأخلاق،..وزاد على ذلك أن أعوان الاستعمار والمأجورين من الزبانية الوقتيين كانوا يدفعون بأشياخ وشيخات العيطة إلى نبد الموضوعات التحريضية الحماسية الوطنية التي قد توقظ الوعي وتؤجج الغضب الشعبي الكامن في النفوس، في المقابل تحتهم بكل الوسائل المعلومة على الاقتصار في غنائهم على حديث المرأة والخيل وزرع الكأس، أي كل ما من شأنه أن يجعل من العيطة وقودا يؤيد الأمر الواقع ويقدم مآسيه بمظهر القضاء المقدر الذي لا مهرب منه. والى عهد قريب كان أصحاب النفوذ من رجال السلطة بمناطق مختلفة بالمملكة يرغمون فنانو العيطة بما فيهم ربايع الشيخات، على الحضور للغناءو لاستقبال قدوم وفود أو شخصيات وازنة ، اثر تدشينات أو مناسبات وطنية، فكانت هذه المجموعات الفنية الغنائية تظل الساعات الطوال يغنون ويرقصون أمام الجماهير المحتشدة بدون أجر ولا طعام، مما يرسخ العقلية الاستعمارية والنظرة الاحتقارية لهؤلاء المسؤولين الاداريين لهذا الفن ولممارسيه..

إن التقدم الحضاري والانتقال الإنساني في ظل عصر التكنولوجيا والعولمة غير تلك النظرة الدونية التي كانت عالقة بفن العيطة، وظهر كل فن موسيقي على حقيقته، كما غيرت الموسيقات التقليدية العالمية ومنها الغربية نظرة العالم لهذا النوع الموسيقي والغنائي، وعمقت الرؤية الجديدة التي كانت لدى الكثيرين الذين كانوا سجناء لأنواع من “الموسيقى العالمة”، لقد تغير معنى الموسيقى في العالم اليوم بفضل الانتشار الذي تحقق بفضل العلم، والذي ما كان ليتحقق لولا تكاثف هذه الجهود العلمية والفنية والإعلامية، وتوفر نوع من التكامل والتعايش بين البنيات الموسيقية والبنيات الاجتماعية والثقافية والروحية. كما يذكر ذلك الدكتور حسن نجمي الباحث الكبير في هذا التراث، إذ يجب علينا أن نعي بالدور الريادي الكبير الذي يمكن أن تلعبه الموسيقى التقليدية المغربية ومنها موسيقى العيطة، بما هي فعل فني وثقافي وحدث اجتماعي، في بلورة صورة المغرب الثقافي والسياحي المنفتح والمتعدد، وبالتالي ينبغي أن لا نولي أي اهتمام أو اعتبار للمختلفين معنا أولئك الذين يتهجمون على تراث العيطة أو غيره من الفنون الأخرى الموسيقية التقليدية، سواء عن جهل أو لأسباب إيديولوجية معينة، وربما لاعتبارات تتعلق بالتنشئة والتربية الاجتماعية الأرستقراطية أو النظرة المنغلقة التي لا تنظر إلى الأنواع الموسيقية والغنائية الأخرى كمنبع ثقافي حامل لقيم ومعبر عن رؤى اجتماعية وثقافية مختلفة لكنها ليست بالضرورة متخلفة أو منحطة، فمازلنا نجد أن هناك من المغاربة من ينظرون إلى العيطة كما لو كانت نغمة نشاز في اللحن الموسيقي المغربي ينبغي حذفها. هناك من يحمل عداءا وحقدا دفينا لهذا الموروث الثقافي، ففن العيطة ليس فنا رديئا سيئا بمجرد أن البعض لا يفهمه ولا يستسيغه بسبب من اختلاف في التربية والذوق أو في نمط في التفكير..
إن النص العيطي ليس بالنص المقدس، فهو شعر شفهي لم يتم توثيقه، ولم يتم تسجيل القصيدة العيطية الحقيقية تسجيلا قانونيا رسميا، فهو تراث شفهي وصل إلينا بالتواتر مع ما رافقه من انحرافات وتغييرات حسب مزاجية وأهواء الرواة القبلية والإيديولوجية..إذ ليس هناك متنا عيطيا موحدا، فحتى ذلك القليل المكتوب هو فقط اجتهاد لباحثين، فالباحث نفسه قد يصيب أو يخطئ، يضيف إلى النص أو ينقص منه، ولا يمكن أن نجد أداء موحدا لنص من النصوص في فن العيطة لابد من الزيادة أو النقصان، فكل فنان مغني عيطي “شيخ أو شيخة”؛ ناظم ومؤدي يتغنى بما وقر في سمعه من الروايات وما حفظه عن غيره، ويمكن لمغني أن يرتجل في لحظة انتشاء وغواية كلمات مستحدثة منه حسب الظرفية وحسب مزاجه، تكون قد استهوته تلك العبارات وتلفظ بها لغاية في نفسه، وإذا كانت هذه الكلمات التي تغنى بها مفردات إباحية أو ركيكة فهذا لا يعني أن متن العيطة شعرا اباحيا رذيئا، كما أنه إذا قامت شيخة وهي ترقص بحركات خارجة عن المألوف أو تفوهت بكلمات خادشة للحياء في وجه بعض من الجمهور المستفزين لها، فهذا ليس معناه أن كل الشيخات كذلك، فالشيخات العيطيات الأصيلات هن فنانات كن عضوات فاعلات محترمات يؤدين خدمة لها أهميتها في المجتمع، وغناؤهن مقدر أيما تقدير، وكن إضافة إلى ذلك سفيرات للموضة، شاعرات مبدعات يتوسطن بين رجال ونساء الطبقة الرفيعة ويؤتمن على كثير من أسرارهم، فالشيخة العياطة هي امرأة صريحة وجريئة، وذات شخصية قوية، تؤمن بقيم مجتمعها الأخلاقية، امرأة تقبلت تقاليد مجتمعها وامتثلت لها دون خداع أو نفاق. نحن لا نضفي بالقدسية على ممارسي هذا الفن من أشياخ وشيخات، فهم بشر لهم أخطاءهم ونقائصهم مثل كل إنسان، وحينما نتكلم عن الممارسة الفنية لا تهمنا الحياة الشخصية للفنان، فعلا الفنان شخصية عمومية لكن هذا لا يعني أنه ضروري بأن يكون نزيها ومنزها، حاشا لله، الشيخة فنانة كباقي الفنانات والفنانين، حياتهم ملك للجميع، عليهم الحفاظ على سمعتهم كي لا يسيؤوا إلى فنهم، ويجب علينا أن نفرق بين الحياة الشخصية للفنان وحياته الإنتاجية، وما ينطبق على شيخ العيطة نجده كذلك ينطبق على الطبيب والدركي والشرطي والنجار والاسكافي والسياسي ورجل الدين..وما ينطبق على الشيخة ينطبق على الطبيبة والقاضية والمحامية والأستاذة والحلاقة…وعلى سبيل المثال كان رائجا في إحدى التغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمغنية شعبية “شيخة”، حيث صرحت هذه الفنانة أن الشيخة تؤدي دورها في المجتمع مثل الطبيبة، فأحدثت هذه التغريدة ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي تلتها تغريدات و تعليقات تستهين بقيمة الشيخة في المجتمع، بل قرأت انتقادات لاذعة وتعليقات عنصرية مهينة ومنها المحتقرة للشيخة المغردة وللشيخة الفنانة بصفة عامة، وبصفتي شيخ للعيطة كوامنجي لرباعة الشيخات أجيبهم بأن ما تقدمه بعض الشيخات للمجتمع المغربي وللعالم أحسن بكثير ولا مجال للمقارنة بما تقدمه بعض الطبيبات والقاضيات والمحاميات..وأسطر هنا على كلمة بعض، سوف أجيبهم من خلال تجربتي الحياتية المتواضعة بصفتي دركيا متقاعد ا، وكنت ضابطا للشرطة القضائية وتقنيا للتشخيص الجنائي الاجرامي..ورئيسا لأبحاث جنائية ومحققا في جرائم مختلفة قضاياها، لقد عرفت الطبيبة الوسيطة في البغاء والمومس، والطبيبة المجرمة التي تبيع ضميرها بمقابل مادي وهي تقوم بعمليات إجهاض سري لنساء حوامل وأمهات عازبات، عرفت الطبيبة التي تتاجر في الشواهد الطبية متضمنة لبيانات غير صحيحة وتسلمها لمن لا يستحقونها في حوادث سير وفي قضايا ضرب وجرح وأحيانا حتى دون الكشف عن طالبي هذه الشواهد بمقابل مادي، عرفت الطبيبة تاجرة المخدرات التي تتحايل على المساطر القانونية وتصف لأشخاص مجرمين وصفات طبية تحتوي على أقراص مهلوسة مخدرة لكي يرويجوها ويعيدوا البيع فيها للشباب المغربي، عرفت الطبيبة الجانية التي تتاجر بالأطفال حديثي الولادة من الأمهات العازبات، وعرفت الطبيبة التي تقوم بتبديل المولود من أم لأخرى بالمستشفيات العمومية..كل هذا مقابل الطمع والجشع وجمع المال، وعرفت القاضية المجرمة المرتشية التي خانت أمانتها وباعت ضميرها فتتفق مع زملائها القضاة من أجل تبرئة متهم مجرم أو الحكم بالسجن على شخص بريء بمقابل مادي، عرفت المحامية القوادة والوسيطة في البغاء والوسيطة في السمسرة بين المتنازعين وقضاة الحكم..وعرفت…وعرفت..وللدليل فمساطري المرجعية عن بعض هذه القضايا يجدونها في ربائد “أرشيف” المحاكم أو سيجدونها في محفوظات المراكز الدركية الترابية والقضائية التي عملت بها..والأمثلة كثيرة من القضايا التي عالجتها وحققت فيها رفقة زملائي الدركيين، ليعرفوا أن الفرق شاسع بين بعض الشيخات وبعض الطبيبات، وهذا لا يعني أن كل الطبيبات مجرمات مع كامل احتراماتي لمهنة الطب النبيلة..كما عرفت الفاسدين المفسدين الخائنين للأمانة من سياسيين وقضاة ورجال شرطة وأطباء ودركيين وضباط سامين بمختلف الرتب..فهؤلاء المجرمون الخونة هم الذين يجب احتقارهم ومحاسبتهم كما هو العمل في المجتمعات المتقدمة، لهذا تجدونني أفتخر بأنني شيخ للعيطة، لأن ما يقدمه شيخ العيطة لمجتمعه جدير بالاحترام والتقدير.
إن الشيخات فنانات يؤدين مهمتهن كباقي فئات المجتمع الأخرى، لكن هذا المجتمع ينظر إليهن باحتقار، تجد رجلا بل ذكرا يعشق امرأة “شيخة” يحبها لكنه لا يستطيع أن يتزوجها، لا لسبب فقط لأنها فنانة مغنية “شيخة”، ولأن أسرته لا تقبل بشيخة أن تكون زوجة لابنهم، والعكس كذلك نجد شيخ للعيطة على علاقة غرامية كاملة خارج نطاق الزواج لمدة سنوات وحينما يريد خطبتها تشترط عليه البنت بأن لا يذكر أمام والديها وأقاربها بأنه شيخ للشيخات.. رغم أن المجتمع متسامح شيئا ما مع الفنان الشيخ العيطي، وأحيانا تُستعمل الشيخات كمشاجب يعلق عليهن المجتمع فشله، فحينما يخسر منتخب وطني في تظاهرة رياضية ككرة القدم، أو يفشل قادة سياسيون في سياستهم.. نقرأ عناوين عريضة في وسائل الإعلام، و على مواقع التواصل الاجتماعي بالعنوان الكبير “خسارة شيخات الأطلس، انهزام شيخات الأطلس”…لكن عند الفوز تنقلب العبارة إلى “فوز أسود الأطلس..” ونسي البعض في هذا المجتمع أن الشيخات مخلصات في عملهن ووفيات في أمانتهن، لذلك فكثيرات منهن ناجحات..هن نساء يؤدين جزءا من الموروث الجمالي للبلاد، ولا يتم إنصافهن والاهتمام بهن لاعتبارات كثيرة، يعتبرن بالنسبة للكثيرين كرمز للتسلية والمتعة الفرجوية فقط، وهناك من يساوي بين الشيخة والمومس، في حين لا يتم النظر إليهن على اعتبار أنهن فنانات مبدعات، صانعات للفرجة يؤدين فنا يمكن أن يسمع ويُرى وأن يكون جزءا من التعبير الشفهي للمجتمع. وينظرون إليهن بنوع من التصور القدحي وبنظرة ازدراء دونية.. فأغلبية الناس يستمعون إليهن ويتفرجون فيهن، ويستمتعون بهن، ولكنهم يقذفوهن بأقصى الاتهامات.. مجتمع يعيش تناقضات شوفينية، مجتمع يُبكي من يفرحه ويدخل البهجة عليه، مجتمع يستمتع بالفرجة، ويتلذذ بتعذيب من تصنع فرجته، إذ سرعان ما ينتشي وينسى هذه المتعة، ليمر إلى أعمال أخرى يستلذ بها بما فيها من عنف واحتقار وإذلال..
هذا المجتمع الذي يكرم المرأة، وينسى أن الشيخة هي امرأة كمثيلاتها من بنات حواء.. كانت بالأمس القريب “قائدة” تتحدى أهلها والمجتمع ليعلو صوتها شدوا، وهي شاعرة منشدة قبل أن تكون راقصة، هي الصوت الذي كان يستأجره الرجل، والضعيف، والمظلوم، ليحتج على كل ذي سلطان، وكانت هي صحافة الاحتجاج، قبل أن تكون مجرد شكل جميل يرقص ويغني.. الشيخة هي أم وأخت وبنت وعمة وخالة..هي الزوجة والصديقة والحبيبة والرفيقة، وهي الجدة التي غرست في الأرض ابتسامة وأمل، وصنعت تراثا فنيا أصيلا ظل عنوانا من عناوين الوجود الفني والحضاري لأجيال تناقلته عبر سنين..وكان، ولازال، وظل، وسيظل أحد أهم الفنون الموسيقية الغنائية بالمغرب.

وإن الوضع الذي تعيشه الأغنية العيطية حاليا يدعو إلى الحسرة والقلق، رغم الانتشار الواسع الذي يلقاه هذا الفن، ودخول فنانين لهذا الميدان من طبقات مختلفة من المجتمع المغربي وممارستهم لفن العيطة هو في حد ذاته رد الاعتبار لهذا الفن، حيث أصبحنا نجد من الممارسين، بشواهد دراسية عليا من دكاترة وأطر إدارية لمؤسسات خاصة، ومتقاعدين من مختلف المهن، الشيء الذي أعطى انتعاشة لهذا الفن، ودافعية قوية للشباب ليحبوا هذا التراث الغنائي ويستغلوا هذا التقدم الحضاري، كي ينتقل هذا الفن من السلف إلى الخلف ليكون بذلك تكامل أجيال وليس تنافر وصراع أجيال، ولكن على الرغم من النهضة التقنية واللوجيستيكية في ظل العولمة والتقدم الحضاري والرقمي الذي تحقق على مستوى التكنولوجيا الرقمية والإعلام الافتراضي، وعبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري.. إلا أن الاهتمام بفن العيطة قد ظل محدودا من طرف الجهات المختصة الوصية على قطاع الثقافة، وكذا تقصير منظمات المجتمع المدني والنقابات الفنية..فعلينا جميعا كل من له صلة وغيرة على هذا التراث الفني أن يرد الاعتبار إليه كل منا حسب موقعه، على الفنان أن يحترم فنه وجمهوره، يخلص في أدائه وفي هندامه ومظهره أتناء عمله الفني، كما ينبغي على الجمهور أن يدعم ويحترم فنانه العيطي، وعلى المسؤولين على القطاع أن يخلصوا في عملهم ويقوموا بواجبهم لصون الذاكرة الجماعية المغربية.
وعلينا دائما أن نجدد الشكر والتحية للأشخاص الذين ردوا الاعتبار لهذا الفن، مغاربة وأجانب وضحوا من أوقاتهم وبأموالهم وسهروا الليالي حتى عاد هذا الفن إلى عزه، تحية احترام وإجلال للسيدات والسادة الدكاترة والأساتذة الباحثين والإعلاميين والمهتمين والممارسين أشياخ وشيخات.. الذين أدوا أمانتهم بكل صدق اتجاه هذا الفن، واشتغلوا على فن العيطة والتراث الشعبي وأناروا لنا الطريق في هذا المنحى، وردوا الاعتبار إليه، فأنا كاتب هذه المقالة فنان شعبي شغوف، عاشق ومولع بهذا الفن، ممارس ومهتم، موسيقي “كومنجي” ومغني لفن العيطة، أجتهد وأبحث كي أرقى إلى مستوى شيخ للعيطة، لأصير متمكنا من العزف والغناء ومن طريقة الصحيحة للأداء..حتى أتمكن من نقل ما وصل إلى علمي للمتلقي وللناشئة، وأكرر قولي أنني لست باحثا، لأن كلمة باحث هي كلمة كبيرة في عمقها وتعريفها الأكاديمي، وقد شقا الباحثون سنين طويلة، وأنفقوا من أموالهم وأوقاتهم للوصول إلى مراجع ومستندات علمية منها التي كانت مطمورة، ومنهم باحثون أكاديميون محنكون يجب دائما التذكير بأعمالهم والتنويه بها كنوع من التكريم، والترحم على الأموات، لهذا أعيد خلال كل مقال أكتبه عن فن العيطة أن أذكر وأشكر وأنوه بفخر واعتزاز هؤلاء الذين نبشوا وهبشوا، ونفضوا الغبار عن هذا الكنز المشترك بين المغاربة، هذا الموروث الثقافي اللامادي، رحم الله الأموات منهم وزكى في عمر الباقين الأحياء، وفي هذا السياق نرى لزاما علينا أن نستحضر أحد الباحثين ومن خلاله نرمز إلى كوكبة من ساروا على دربه وطلابه، إنه الأستاذ الذي كسر قاعدة الإهمال والنسيان، وجمع الأوراق التعريفية لإثبات هوية هذا الفن، ورفع لواء الدفاع عن التراث الشعبي المغربي عموما وعن فن العيطة خصوصا، وذلك بلفته الانتباه إلى أهمية فن العيطة والدعوة إلى الاهتمام بها، إنه الراحل رائد البحث والتحري العيطي الباحث الأستاذ سي محمد بوحميد أستاذنا وملهمنا في هذا الهم المشترك، الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جنته، كما نرفع القبعة احتراما وإجلالا لمن بحثوا ونقبوا حتى وصل هذا الفن إلى ما هو عليه اليوم من قيمة فنية وحضور ثقافي وازن ونذكر منهم: كل من حسن نجمي، وإدريس الإدريسي، وحسن بحراوي، ومحمد شقير، وأبو بكر بنور، ومحمد أقضاض، ومحمد الولي، وصالح الشرقي، وعبد العزيز بن عبد الجليل، وجمال الدين بن الشيخ، وعبد الفتاح السليماني، أحمد عيدون، وعباس الجيراري، وأحمد الصبيحي السلاوي، وعلال الركوك، وعبد الكريم الجويطي، وسعيد فاضلي، وعزيز خمريش، وسالم اكويندي، ومضمون محمد، والتهامي الحبشي، والمصطفى بن سلطانة، وسالم عبد الصادق، وعبد السلام غيور، وعبد العالي بلقايد، والغازي عبد الله، ونسيم حداد، والسهامي رشيد، وعلي المدرعي والمصطفى حمزة ولطفي محمد، والمصطفى مشيش برحو.. ومنهم كذلك باحثون أجانب جذبتهم أنغام العيطة من قارات أخرى، كالباحثة الأمريكية “ديبورا كابشن”، التي أنجزت عملا هاما في موضوع العيطة ضمن بحث كلفت به من جامعتها ب”تيكساس”، والباحثة الموسيقية الايطالية “اليسندرا توتشي” الموفدة من جامعة أمريكية لدراسة هذا الفن موسيقيا وأكاديميا.. شكرا لهؤلاء جميعا، وغيرهم من الذين لم تسعفني ذاكرتي على تذكرهم فمعذرة منهم.
وجزيل الشكر لجمعية “أطلس أزوان”، في شخص رئيسها الأستاذ الباحث والخبير الموسيقي “ابراهيم المزند”، صاحب “أنطولوجيا العيطة”، الذي عمل عملا ثقافيا أدبيا توثيقيا يتضمن كتابين باللغتين العربية والفرنسية، وأقراصا مدمجة مسجل عليها العديد من الأغاني العيطية بأصوات خيرة الشيخات والأشياخ من مجموعات عيطية غنائية من مختلف مناطق المملكة المغربية، وشكرا لكل من حافظ على موروثنا الفني الأصيل، ورد إليه الاعتبار، هذا الرأسمال الثقافي اللامادي. وبالنسبة إلي فإن مسؤولية ما وصل إليه الفن العيطي والأزمة التي يتخبط فيها ممارسيه أراها بالدرجة الأولى على عاتق كل المسئولين على القطاع الثقافي بالمغرب، كل حسب موقعه، وبالدرجة الثانية تقع المسؤولية على الفنانين “أشياخ وشيخات”، واللوم عليهم هم أنفسهم وذلك بطريقة تعاملهم ونوعية إبداعاتهم وعدم اجتهادهم الفني، أما من جهتي فلذي غيرة على فننا الشعبي بصفة عامة والفن العيطي بصفة خاصة هذا الفن التراثي الأصيل الذي يندب حظه في زوايا الإهمال والنسيان، ولا أعترف بمقولة أن فن العيطة هو فن “حك جر عدا عدا”، بل لذي إيمانا قويا بأن فن العيطة كالبحر الكامن في أحشائه الدر، ينتظر الغواصين الذين يغوصون في أعماقه ويكتشفون فيها ما يصل عظمة الماضي بتطلعات الحاضر، وهذا في حد ذاته يكشف عن توتره الذاتي بين الماضي البعيد القريب الذي فاخرت به العيطة على فنون أخرى، والحاضر الذي يهدد هذا الفن بأن يهجره أبناؤه إلى لون غنائي آخر، فلا بأس في هذا المجال من إكمال ما بدأه أسلافنا والمضي بهذا التراث الموسيقي الغنائي قدما إلى الأمام ليصبح فخرنا الفني العيطي ابن اليوم لا الأمس ويستعد للسير صوب المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى