فن وثقافة

شروط التنوير و موانعه” تتمة….. الجزء الثاني”

بقلم،/ عزيز مازي

إذن فالفلسفة قد حررت أوروبا في حين وجدت نفسها عندنا أي في العالم العربي تعيش في الهوامش لقد حررنا المدن منها، وفي انتظار أن نحرر التعليم منها لتكريس الاعقل و ترسيخ نمط التفكير العامي الذي لا يخرج عن دائرة المأكل والمشرب والمنكح … وهذا ينم على محدودية وقصور نمط التفكير العربي، ومازال في كهف أفلاطون المظلم فهو لا يرى إلا ظلال الأشياء ويعتقد أنها الحقيقة المطلقة، و هو أيضا جاهل لكن المسألة الأخطر وهي أنه يجهل جهله. إذن فكيف يمكن أن أبني ذاتي انطلاقا من ذاتي؟ وماهي العوائق التي تحول دون ذلك؟ وما هو السبيل للخروج من هذه الأزمة ؟

يقول ديكارت في كتابه ’’مقال عن المنهج ’’في القسم الأول ’’الصفحة 20 ’’أن العقل هو أعدل قسمة بين الناس بالفطرة. أي أن كل واحد منا مؤهل لاستعمال عقله والتفكير في ذاته وبناء طريقه بنفسه دون أن يستلهم أية أفكار أو مناهج أو طرائق من الآخرين، لأن كل فرد له طريقته الخاصة به التي تلائم مميزات وخصائص ذاته. و أعني بالتفكير بنفسي، أو بناء ذاتي بذاتي هو أنه يجب أن أنطلق من نقطة البداية: وهو أن أفهم نفسي بنفسي وأضعها محط تساؤل وتفكير، لأكتشف ذاتي بذاتي وتكون الأنا مرآة ذاتي وأتكفل بنفسي بذاتي، ولا أعتمد على أي جهة مهما كانت، و أحاول أن أفلت من قبضة وتأثير الغير و تأثير الماضي والوعي بحقوقي وحرياتي، لأن حرية الفرد تبدأ بالاستقلالية النسبية عن الجماعة.

ويجب أن أتجنب إصدار الأحكام والانغماس في’’ الدوكسا’’ أي الرأي الشائع، وضرورة التخلص من طقوس الأفكار، وأحاول فهم ذاتي قبل فهم العالم، لأكتسب الأهلية التي تمكنني من القيام بما أنوي القيام به، أي بناء ذاتي على قاعدة رصينة و ثابتة، وهذا يضمن لي أن أظل أنا هو أنا أي متطابق مع ذاتي ومختلف عن غيري..

ومعنى أن أفكر في نفسي وأبني ذاتي على قاعدة ثابتة، هو عندما يقرر الإنسان السير في الحياة بخطى ثابتة ومضمونة، يجب أن يسير ببطء شديد وأن يتخذ كثيرا من الحيطة والحذر في جميع الأمور، كي يجنب نفسه السقوط ، وإعادة غربلة كل الآراء والمعارف الجاهزة… التي انتقلت إلى نفسه عن غير طريق العقل، ووضع خطة عمل صحيحة تفضي إلى البحث في كل ما يستطيع العقل أن يستوعبه.

حيث يقول ديكارت: لا يمكن أن أتلقى شيئا على الإطلاق على أنه حق، ولا أتمسك بأحكامي السابقة، ولا أدخل في أحكامي إلا ما يمثله عقلي بوضوح وتميز بعيدا عن أي شك.

ويجب أن أرتب أفكاري وأبدأ بأبسط الأمور وأيسرها معرفة، وأتدرج في الصعود شيئا فشيئا حتى أصل إلى معرفة أكثر بالأمور وترتيبها.

و من الضروري أن أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات كاملة ومراجعات شاملة وعامة تجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئا…

يقول كانط في ’’جوابه عن سؤال ما الأنوار’’ إن من الصعب إذن على كل فرد أن يخرج بمفرده من القصور الذي كاد أن يصبح له طبعا. فهو قابع فيه بارتياح، وهو الآن عاجز فعلا عن استعمال عقله هو دون إشراف أو توجيه من الآخرين، لأنه لم تتح له الفرصة قط لإعمال عقله وتفكيره الخاص، وهذا القصور ليس سببه عيب في العقل، بل الافتقار إلى الشجاعة في استعماله دون إشراف الغير…’’إذن فما هو السبب في ذلك ؟.

والسبب على حد قوله هو المؤسسات الاجتماعية والأخلاقيات التي تحكم العقل و التي تكبل الفرد بقصور لا يزول ولايزال مستمرا ، وحتى من يريد التخلص من ذلك لن يستطيع القيام إلا بقفزة غير مأمونة فوق أديق الحفر، لأنه لم يعتد تحريك ساقيه بحرية. وهكذا فإن الذين توصلوا بجهد ذهنهم الخاص إلى التحرر من القصور بخطى ثابتة هم قلائل…لأن المحيط الاجتماعي بمختلف مؤسساته سواء المدنية أو التابعة لجهاز الدولة هو جحيم بالنسبة للذات بحيث يمارس على الأفراد عنفا رمزيا غير محسوس يمارس عليهم بموافقتهم ويحرمهم من التفكير و الرأي وتقرير مصيرهم ويتحول الفرد مجرد وسيلة قابلة للتثمين والتسعير و أداة لتحقيق أهداف جهات أخرى غير ظاهرة على الساحة، دون أن تعامله ككيان حر وواعي و مستقل و مسؤول قائم بذاته …

وهذا أمر خطير يساهم في هدم القيم والأسس الاجتماعية وتدمير الناشئة، لأن شخصية الإنسان تتحدد من الطفولة أي شخصيتي هي نتاجا لذلك الطفل الذي كان صغيرا في مرحلة الطفولة. كما أن سلوكياته تقف وراءها نزعات لا شعورية توجه حياته دون أن يشعر وهكذا يحل اللاوعي محل الوعي، ويبدو الشخص خاضعا لنزعاته التدميرية العدوانية التي يخزنها ’’الهو’’

ومن جهة أخرى تبين مجموعة من الدراسات الاجتماعية والأنثروبلوجية أن كثيرا من أحاسيس الفرد وأفكاره وسلوكياته مفروضة عليه من خلال التنشئة الاجتماعية. فالشخص لا يعدو أن يكون نتاجا لتفاعل بنيات وقواعد مؤسساتية مختلفة تمارس عليه الاكراه في مختلف الزوايا، كما أسلفت الذكر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى