المسرح

مونودراما قلنديا .. تابع (الجزءالثاني)

سعيد غزالة

(عابر وكأنه يحادث أحدا في عمق الخشبة ثم يتقدم فيشعل سيجارة.. يتأمل دخانها ثم يجلس على كرسي متهالك)
عابر:
سنعبر كما كل مرة، لكنك لن تمنعني من الحلم.. ولن تمنعني من التدخين.. ولأنك لا تملك إلا أن تكون الوجه القاسي لجبنهم فسأعبر متى ما حانت ساعة انحساركم.. أنتم الوهم وأنا الحقيقة.. لا تنظر إلى هكذا فإنك لا تتقن النظر.. وجهك قناع وقناعك وشاح أشاح ووشاحك جبن وتفاهة.. (يتقدم ثم يشعل السيجارة الثانية) أيتها الأم الحاضنة، أحري بهذا السكون الصباحي أن يجيب على سؤالي؟ سؤالي الذي ورثني إياه جينة طيبة منذ الخلق الأول حتى لحظة الولادة .. سؤال أن أكون حرا.. أو مبدعا.. ؟؟؟ كنت أماه وأنا صغير تقفين بجانبي وأنا أطعم دجاجاتك ولا تتدخلين.. تبتسمين ولما أتعب من الجري تأخذين ما بيدي وتقولين لي: اذهب واغتسل فالدجاجات عندما تشبع تغتسل.. أنا كنت أعلم أنني لست دجاجة لكنني أغتسل حتى تقبلني دجاجاتك أمي لما يحين حين واحدة منها وليمة لعشائنا الناذر عندما يعود والدي من الميدان.. كبرت ولم تكبر دجاجاتك.. لكن منظرها لم يفارق يوما خيالي ولون ريشها وريشاتها صنعت من ذاك الولد مطعم الدجاجات.. رجلا يفقه لغة الصباح والمساء وحديث اللون والهمس واللمس.. رجلا يغازل فضاء البياض. أماه لا تفكري أنني طلقت يوما رائحة التراب.. لازلت أحن إلى عبق الحناء وطقطقات القصب المحترق.. ورائحة طبيخك تختلط بأصباغي.
تمهل أيها الزمن ولا تخدعك عقارب ساعات هذا الزمن المندثر.. فإني أعي اختياري ولوحتي سأكملها لأنها ما سيتبقى لي ولكم بعد أن أطلِّق غير متحسرا لهذا الزمن يوما وقد غرق في عبثه النازح والمُقدر.. تمهل أيها الزمن فحبيبتي التي روضتك ولينت قسوتك في قلبي لن تسأل عن جواز سفرها وعريها في لوحتي.. إنها لا تؤمن بإيمانك ولا تعبد إلهك.. وتكره أن تنافق وتجامل وتتحايل من أجل أن تحيى فقط قربانا لموت أزلي لا يعتبر.
تمهل ولو دقيقة فسجارتي لا تشتعل ولغطك يلوث جوها.. دخانها قدسي وقدسي بلا دخان وإن أشعلت آلاف النيران.. انظر إليها.. سيجارتي ليست رخيصة وشعلتها أغلى من لمعان ذهب العملاء.. سيجارتي الأولى لا زال طعمها في نَفسي وكل السجائر التي تلتها لم تستطع أن تكرر الطعم الأول.. كالخاطر الأول وكالحب الأول وككل شيء هو اول في ذاته ليس متعدد في غيره..
دع سيجارتي تشتعل فلربما عاد الطعم من جديد وانطفأت نيرانك الوسخة من قدسي.. دعها، ودعني أغازل جدوتها القانية في هذه الظلمة التي ترهل ظلها في شغاف القلوب.. أتظن أنني أرغب في تسلق الجدار حتى أعبر؟!! لا، لن أتسلقه.. لن أتسلق وهمك ووهمهم خوفك وخوفهم.. لن أضاجع الإسمنت حتى يلد لي ممرا أو منفذا.. لكن سأدخل إلى قلبها ككل فاتح لم تنصفه كتب التاريخ.. (يخاطب الحارس هناك.. ) لا تنظر إلى هكذا فلربما كنا ندخن نفس النوع من السجائر.. ولربما أحسست بطعمها الأول وضاع لك كما ضاع لي.. لكننا ندخن نفس المعاناة: أنا عابر وأنت حاجز العبور.. وإذا ما عبرت كان تدخينك السيجارة التي يوم مددتها لك عزاء بين عابر ومعبر لحياة هي السخرية بامتياز. قد أمنحك ما تبقى من سيجارتي.. لكن ليس النفس الأول وليس متعة الشعلة الأولى و لهفة “الولاعة” وهي تعلن الحفل المجوسي. لا تنظر إلي من خلال خوذتك المضادة للفهم؛ فأنت لا ترى في هذا الإنسان إلا حوافز ورقما في حسابك تنتظره كل آخر شهر حتى تحيى!! لن ألومك ولن ألوم هذا الجدار.. ولا أي مما تفكر فيه.. كل ما يؤرقني: كيف ينقسم الماء نصفين نصف يروي العرق والنصف الآخر يروي المجاري؟؟! كيف تغيب الشمس ويبقى النور في قلوب العابرين؟؟ أشفق عليك من سراب هذا العبور اليومي.. هذا السيل الهادر بالأمل.. هذا الجريان الحي على مفاهيم موات.. أشفق عليك من حياة متكررة تأبى أن تتبدى لك في حقيقتها.. تتبرج بالمقلوب. نفس الحديث وذات التنفس.. كل يوم يستنسخ اليوم الموالي.. عملية تفريغ لليأس والعبث.. أشفق عليك من متعتي التي لا ترتقي هروبا لغرورك، وأشفق علي من متعتك التي تتدلى لهفة لسيجارتي.. أنا أتمتع.. أنا أعيش لقضية أحيى من أجل إبداع وهوية. وأنت لا ترقى أن تكون حتى نوعية.. أنت آلة صدئة تعجل من أسباب الموت لا أقل ولا أكثر: ثبات.. نفذ.. سر.. لا تطرح السؤال ولا تضع لوجودك حوافز.. تُشحن بتيار كهربائي صاعق اسمه الكراهية.. أتعلم شيئا؟ أنا لا أكرهك وإن كنت أشفق عليك.. كل ما أحاول أن أقنع به نفسي وهو هذا: كيف لبشر أن يكون حطبا برضاه.. تضحية بالمجان انتحار بالمجان.. خنوع للذل وبالمجان.. سأرسم اللوحة تلو اللوحة لكنها لن تضاهي لوحتي التي تنتظرني خلف هذا الجدار.. فالزمن في عرفي متوقف هناك عندما طعنت الخيانة كل القضايا واحتقرت كل التاريخ ورمت بكل أشعارنا وفننا وأحلامنا في مزبلة مقبرة الإحتقار.. عرب جرب عرب خرب أتشم هذه الرائحة؟ إنها رائحة احتراق سيجارتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى