فن وثقافة

الأدب الصوفي في المغرب من خلال بعض أعمال الدكتور عبد الوهاب الفيلالي

 

د. خالد التوزاني

 

بعد أن أصدر الأكاديمي المغربي الدكتور عبد الوهاب الفيلالي كتابه الموسوم بــ “عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب”، والذي حظي باهتمام واسع من قبل المهتمين بالأدب الصوفي داخل المغرب وخارجه، يقرر إخراج باقي أعماله الأكاديمية إسهاما في دعم التواصل العلمي بين الباحثين وإغناءً لدراسات الأدب الصوفي، وخاصة بعد أن تعززت الساحة الثقافية في المغرب بتأسيس عدد من المراكز العلمية، التابعة لمؤسسة الرابطة المحمدية للعلماء، ومنها مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك، بمدينة فاس، وهو المركز الذي عمل على نشر جملة من الكتب والإصدارات منها كتاب لرئيس المركز الدكتور سيدي عبد الله معصر سماه: “تقريب المذهب والعقيدة والسلوك”، ثم كتاب للدكتور إدريس غازي وسمه بـــ: “القول الأصولي المالكي ومناهج الحجاج”، وكتاب “الأدب الصوفي في المغرب إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة: ظواهر وقضايا ” لمؤلِّفِهِ الدكتور عبد الوهاب الفيلالي. وهو الذي سنتناوله في هذا المقال.

خصوصية الأدب الصوفي

إن دُور النشر تطبع مئات العناوين من الكتب، لكن بعضَ المؤلفاتِ تحظى بالاهتمام أكثر من غيرها، وتغدو مصدرا لا يستغني عنه الباحث في مجال دراساته، ولا شك أن لكتاب: الأدب الصوفي في المغرب خصوصيات تجعله يرتقي من الكتاب العادي إلى الكتاب الأكاديمي المَرجع، لعدة أسباب موضوعية؛ فقد اجتمع في هذا الكتاب ما تفرق في غيره وتوسع المؤلف في مباحث لو تم فصلها لشكلت كتبا عديدة مستقلة، فحجم الكتاب يقترب من السبعمائة صفحة إلا قليلا، ويتميز بغزارة مادته العلمية وبكثافة معلوماته ودقتها في الآن نفسها، الشيء الذي يجعل من هذا الكتاب موسوعةً حقيقيةً لأدب التصوف في المغرب وخاصة في الفترة التي اتخذ المؤلف نصوصها متنا للدراسة والتحليل ويتعلق الأمر بالقرنين: الثاني عشر والثالث عشر للهجرة- الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد. ويظهر بشكل واضح حجم الجهد المبذول في إنجاز الكتاب الذي يعود أصله إلى أطروحة جامعية نال بها المؤلف درجة الدكتوراه في تخصص الأدب المغربي من جامعة سيدي محمد بن عبد الله – كلية الآداب ظهر المهراز، تحت إشراف الدكتور أحمد العراقي وهو المعروف بكفاءته العلمية وصرامته المنهجية في الجامعة المغربية، حيث نوقش العمل خلال الموسم الجامعي 2000-2001، ولم يصدر إلى في سنة 2014، حيث استفاد المؤلف من تراكم تجربته في البحث الصوفي، ليعيد تأمل عمله من جديد فيضيف إليه الإضافات التي عززت بنيان الكتاب، وقد استغرقت هذه العملية أكثر من سنتين من العمل الدؤوب والشاق وخاصة عندما رجع المؤلف إلى مصادر الكتاب والتي كانت في أغلبها مخطوطة زمن إعداد الأطروحة، فاطلع على المطبوع والمحقق منها ليجعل من كتابه مصدرا مواكبا لمستجدات البحث الأدبي في المغرب، وقد كان يكفيه أن يحتفظ بثبت المصادر والمراجع كما أنشأها أول مرة، لكن دقة العالِم وهمة الباحث جعلته ينأى عن هذا التوجه ويفضل ركوب الصعب ويراهن على الجودة في عمله حتى استوى الكتاب على صورته الفضلى واشتد عوده فظهر للناس بوجه مشرق. فما الأهداف التي رامَ تحقيقها:

يصرِّحُ مؤلف الكتاب في تقديمه لعمله قائلا: ” أطروحة تصبو إلى المشاركة في إجلاء الغموض عن الأدب المغربي، في فترة كثيرا ما نُعِتَ قِسمها الأكبرُ بالضُّعفِ في الإبداع الأدبي، فأُهملت أجزاء منه، وضاعت أخرى، ولم تراع الخصوصية المغربية في ذلك حق رعايتها”.

ويقول أيضا: ” إن عملنا هذا مشاركةٌ في بث الوعي عند المتلقي بحقيقة تراثنا، وتعميق النظر في الأدب المغربي من خلال لون مهم من ألوانه؛ هو الأدب الصوفي، ما دامت القضية الأم هي بعثُ التراث المغربي في حلته الحقيقية وداخل سياقه التداولي الصحيح.”

إن مقدمة المؤلف لكتابه “الأدب الصوفي في المغرب..” تفصح عن حجم محبته الكبيرة للتراث المغربي الأصيل وغيرته على الأدب الصوفي الجميل، ولذلك يتصدى لملء الفراغ في هذا النوع من الدراسات وإعادة الاعتبار لما هو مغربي في الإبداع الأدبي، ورد في مقدمة الكتاب قول المؤلف: “إن واقع الموروث الأدبي المغربي عموما، والصوفي خصوصا، وواقع البحث فيه والمسافة الفاصلة بينهما، والإهمال الذي تعرض له ردحا من الزمان، كل ذلك دعا في نظرنا إلى دراسته من خلال العديد من ظواهره وقضاياه التي نراها جزءا مما يكشف حقيقته”. ما المنهج المعتمد في تأليف الكتاب؟

منذ العتبة الأولى للكتاب، أي العنوان، يفصح المؤلف عن منهجه، حيث يتعلق الأمر بمنهج الظواهر والقضايا، وهو المنهج الذي سار عليه الدكتور عباس الجراري وغيره من كبار الباحثين بالمغرب، يستند هذا المنهج “إلى الاستقصاء والاستقراء وإلى التعامل مع المادة بموضوعية وعقلانية دون إهمال عنصر التذوق، وكذا التوسل بمختلف الأدوات الإجرائية التي قد يتطلبها هذا التعامل، في تكامل وتوفيق لا ترقيع ولا تلفيق. ومن ثم، فهو منهج يقوم على الوصف والتحليل والنقد إن اقتضى الحال ويهدف إلى التعريف بظاهرة” معينة وإبراز ملامحها الخصوصية.

وعلم الرغم من توسل المؤلف بمنهج الظواهر والقضايا في تناول الأدب الصوفي، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاستفادة من إمكانات مناهج أخرى، حيث نجده يقول: “وقد استفدنا في هذا الصدد من مجموعة من الوسائل الإجرائية والتوجهات المنهجية، مثل التحليل البنيوي، ونظرية جمالية التلقي، والمنهج الفني، والمنهج التاريخي، والمنهج الموضوعاتي، والدراسة الأسلوبية، والتحليل النفسي، وكل ما رأيناه مسعفا للقبض على الدلالة وبناء رؤية تحليلية وتأويلية لأدبنا الصوفي تحترم سياقه وتُعنى بخصوصياته وتساعد على كشفها وإبرازها دون تعسف على النصوص وما تحتضنه من قضايا وتفرزه من ظواهر”.

ولقد ساعد هذا الانفتاح المنهجي الواعي في استكناه غموض الأدب الصوفي في المغرب حيث مكَّن المؤلف من التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر؛ “نشاط حركة الأدب الصوفي في المغرب العلوي كما ونوعا. والارتباط الوثيق بين التجربة الصوفية والإنتاج الأدبي، وصدوره عنها وإتمامه لها ومواكبته لمسارها المقامي والدينامي بدءا من المقامات الأولى إلى أعلاها وأكثرها استغراقا، يظهر ذلك جليا في هيمنة فكرة الحب عليهما معا وعلى اشتغال اللغة، وتمركز صفة الصدق الأخلاقي وذروته في هذا الأدب، والبحث المستمرعن المعادل الفني الأصدق والأكثر تصويرا للأفكار والتجربة، (…) ومراعاة الجمال الأخلاقي إلى جانب الجمال الفني وانفراد الأول بالزعامة في المتن الأدبي الصوفي أحيانا كثيرة.” وواضح أن هذه الخصائص وغيرها مما يصادفه قارئ هذا العمل، تدل على تميز الأدب الصوفي بالمقارنة مع غيره في الأدب العربي، وممارسته للعدول والخرق في أكثر من مجال ومستوى.

وهكذا كشف الدكتور عبد الوهاب الفيلالي عن مجموعة من الخصائص التي تميز الأدب الصوفي في المغرب حيث يتحلى هذا النمط الإبداعي بمجموعة من القيم الفنية، والتصويرية الدلالية؛ الأخلاقية والاجتماعية والنفسية والتاريخية التوثيقية والمعرفية…، والتي تعكس جوهر الهوية المغربية الأصيلة.

إذا كان المؤلِّف من باب تواضعه العلمي يتحدث عن عمله في الأطروحة التي هي أصل هذا الكتاب سنة 2000، قائلا: “إن هذا العمل لا يدعي لنفسه الكمال، وإنما هو إسهام متواضع في تجربة التلوين والسفر إلى التمكين، علما أن الهدف الأكبر هو اكتمال رسم صورة أدبنا وكل تراثنا المغربي”، فإننا نتساءل بعد مرور خمسة عشر عاما من السفر العلمي: هل بلغ الدكتور عبد الوهاب الفيلالي مقام التمكين؟ والجواب الذي نستشفه من خلال تأملنا لكتابه الأدب الصوفي في المغرب، هو أن في هذا الكتاب نضجا علميا كبيرا نظرا للصرامة العلمية التي ميَّزت تأليفه والدقة المنهجية التي كتب بها، حيث يبدو فيه الطابع التنظيري واضحا، فالدراسة تجاوزت البعد التحليلي إلى التنظير للتصوف والتقعيد له، من خلال اقتراح آليات ومفاهيم جديدة تعكس رؤية علمية وخلفية فكرية عميقة تحاور الأدب الصوفي في المغرب إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة لتبني أسس فهمه وتأويله وتداوله، وفي الآن نفسه تعكس انتقالا بنجاح من تحليل النصوص الصوفية إلى محاولات التقعيد والتنظير، ولا شك أن هذا المسار في حياة باحث أكاديمي مقتدر مثل الدكتور عبد الوهاب الفيلالي راجع في جزء كبير منه إلى تأثره بوعي أو بغير وعي بالنصوص الصوفية، فإذا كان الصوفي يعيش تجربته كتابةً فإن دارس التصوف قد يفنى في موضوعه ليلج عمق النص ويندمج معه حتى يصيرا معاً كيانا واحدا، كما قال العاشق في حال فرط عشقه: نَحْنُ رُوحَانِ حَلَلْنَا بَدَنًا، وقول الآخر الذي فني عن نفسه، و”كان الله عوضا عنه له فيه (…) وحينئذ أنشد لسان حاله بغريب عجيب مقاله:

فَكُنْتُ أَنَا هِي وَهِي كَانَتْ أنَا ومَا لهَا في وُجُود مُفرد مَـنْ يُنازِع

بَقِيتُ بها فيهَـا ولا تَـاء بينَنَـا وحَالي بها مَاضٍ كَذَا ومُضَارع”

كذلك مؤلف كتاب الأدب الصوفي في المغرب، لم يسلم من فتنة النص الصوفي، فكانت لغته الراقية وجمله الجميلة الجذابة متأثرة بأدب القوم في انتقاء أجود العبارات وأرق الكلمات وإبلاغ أعقد المعاني بقليل من المباني والألفاظ، فضلا عن الإشارات البليغة والإيحاءات التي تُفهم من سياق الكلام، فيخاطب كل قارئ بما يناسب قدرته ويقترب من ذهنه وعقله، فنراه يمهد لكل فصل بتقديم موضح لمقصوده كما يختمه بتركيب يوجز نتائجه ويجمع شتات أفكاره، ويشرح مصطلحات التصوف الواردة في الكتاب عبر دليل ملحق في آخر المؤلَّف، وكذلك الشأن مع تراجم الأعلام. كما يستهدف القارئ المتخصص بالغوص في مستويات من التحليل الدقيق والمعمق وخاصة في الباب الثاني حيث تناول الرمزية في أبعادها الموضوعية واللغوية والتشكيلية، منتقلا بكل ثقة من التحليل إلى التنظير ثم إلى الإبداع والتجديد، ليستحق في النهاية أن يكون بحثا حقيقيا، كما قال عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري: “البحث نفسه إبداع، ولا يمكن أن يكون بحثا حقا إلا إذا كان مطبوعا بهذه السمة الإبداعية”. علما أن هناك مستويات من الإبداع ترتبط بمقامات من الإدراك، يؤدي طول الاحتكاك مع النصوص وحوارها إلى مرحلة التنظير حيث يمكن تفسير عمل النص الذي لم يكن سوى قناع لنص آخرَ مطمور ومدفون. وبذلك ينجح كتاب الأدب الصوفي في المغرب في فتح آفاق رحبة لتعميق النقاش حول الظواهر والقضايا التي حفل بها، وتشجيع الباحثين الشباب على اقتحام النص الصوفي والغوص في أغواره السحيقة، فضلا عن باقي النتائج القيمة المتوصل إليها والمرتبطة أساسا بخصوصيات أدب الصوفية في المغرب. والتي نذكر من أبرزها استخلاص المؤلف: “أن الأدب المغربي ليس فقط ذلك الأدب الرسمي والدنيوي المعهود بأغراضه وموضوعاته وأفكاره ولغته، وإنما هو أيضا حب إلهي وحب ومديح نبويان وولويان، وتوسلات ومناجيات، وأذكار، وصلوات على الرسول صلى الله عليه وسلم، وحكم وحكايات كرامتية وغير ذلك الألوان التي هيمنت في فترات من الزمان لتشكل الرسمي الحقيقي بفعل قوة إنتاجها وكثرة انتشارها في مختلف الأوساط الاجتماعية بالمقارنة مع غيرها، تبعا لانتشار التصوف الطرقي، وبفضل ما تحمله من معاني صوفية عميقة أو توجيهات تربوية أخلاقية تدل على ارتباط الكتابة بالتجربة.

في الأخير ونحن بصدد تأمل كتاب الأدب الصوفي في المغرب، نستحضر شهادةً في حق هذا الكتاب وصاحبه، ويتعلق الأمر بالسيد معالي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء فضيلة العلامة الدكتور أحمد عبادي، الذي وصف هذا المؤَلَّف قائلا: “إن هذا العمل المبارك يشكل قيمة مضافة للتأليف في بابه، وذلك لما يتميز به من اجتهاد منهجي ومعرفي، في الطرح والتناول، وبناء الاستنتاج استنادا إلى ثنائية الظاهرة والقضية، وكذا لخصوصية موضوعه: الأدب الصوفي في العهد العلوي، ولوعي صاحبه الملموس في طيات صفحاته بالخصوصية المغربية في هذا الباب”. ولا شك أن هذه الشهادة لا تنطلق من فراغ وإنما تستند على قرائن من الكتاب نفسه وعلى نصوص وأعمال أخرى للمؤلف.

ومما يعزز من أهمية كتاب ” الأدب الصوفي في المغرب” ويرفع من قيمته كون مؤلفه الدكتور عبد الوهاب الفيلالي باحث أكاديمي وجامعي متخصص في الدراسات الصوفية ورئيس ماستر الإبداع الصوفي في الأدب المغربي، ورئيس المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية، وعضو عدة وحدات للدكتوراه حول الأدب الصوفي وتحقيق التراث، كما أنه عضو لجان التحكيم في عدد من المجلات العلمية الرائدة مثل مجلة دعوة الحق التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، ومجلة الغنية التي يصدرها مركز دراس بن إسماعيل بفاس، ومجلة قوت القلوب التي يصدرها مركز الإمام الجنيد للبحوث والدراسات الصوفية المتخصصة بوجدة، كما شارك الدكتور عبد الوهاب الفيلالي بمداخلات علمية في مؤتمرات وندوات وأيام دراسية وتكوينية محلية ووطنية ودولية، وأسهم في تأطير طلاب الدكتوراه والماستر ومناقشة وفحص البحوث الجامعية حول مواضيع ترتبط بالأدب الصوفي وتحقيق التراث المغربي، مما أهله ليكون مرجعا في الأدب الصوفي في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى