المسرح

مونودراما قلنديا :البرولوج

سعيد غزالة

سأطرز آخر خطاب للبشرية.. سأحدثكم عن نهاية كل بداية وبداية كل نهاية.. وأقف هنا أنتظر ذاك الآتي وهذا الهارب الذي لا يلوي.. سأحدثكم عن أول جرح وآخر إنسان.. وعن الحب الموشح بالغبن وعن الكراهية المنتعلة للسحق والعبث.. سأحكي لكم عن عرس البلادة وحفلات الغباء وسخاء الحقد.. هنا والآن وفي هذا المكان الذي اختصر كل الأمكنة والأحاسيس الممكنة واللاممكنة.. هنا سأقول قولي هذا وأستغفر للأرض وللسماء وللطفل المشرد والآثم بغير ذنب.. سأدعو بالدعاء اللامستجاب لكل مستجاب استباح العهر وسن الحرام فرضا بواحا.. سأختار من بين تسابيحي المائة واحدة من قش لعل في القش ما يلين القلب القاسي، وأعربد بكلمات التقوى للأقوى للأتعس بحب هذه الدنيا.. العاشق للشفط والنفط وملاحقة اللقط واللقيط وما عاف السبع.. لست إلا أرنبا في جلد نمر ونمرا في حس سلحفاة وسلحفاة تسابق هذا الزمن الرديء..
سأقف هنا كما كل مساء أتلو دعواتي بكل اللغات وأوقد نيراني المجوسية وأقيم قداسي النصراني وصلواتي المحرابية وتراتيلي اليهودية وطقوسي البوذية عسى بذاك أدرك راحة قيل عنها إنسانية..
هنا يا سادة وليست هذه عادة.. فلا سعادة بعادة ولا قلادة للتعريف ونعاس استحلى تلك الوسادة..
وسائدي خالية.. وعشيقاتي أحلام يقظة في نهارات بلا شموس بلا مواقيت صلاة.. توقف الزمن.
هنا يا أمة ولادة ويا سكونا ضج بالسادة والسيادة.. ألا إن اليقظة أضغاث بلادة لا هذا ولا ذا.. وسأقف هنا كعادتي أردد تسابيح الغبن والخبل.. ولن أرسم إلا من سلبت الروح وتناهت أنفاسها في خلايا الرسم واللون وخفقات القلب.. وغادرت أنفاسي أنغاما لا تطرب السواد، تنعي الحدود والقيود وتقيم مآتم من مخمليات العنفوان.
أنا ذاك الذي…
أنا الحلم المستعصي عليك.. عليكم.. علي!
لن تتوسلني أيامي المتبقيات وإن اندلعت روحي هيجانا بالحرية.. بالإبداع بالرسم والوسم.. والوسن خوف! أنا الحلم ذاك الذي.. وسأعبر إن بالجسد أو بالكمد.. سأنشب ريشتي في سحابة عابرة .. لاتم القداس.. لغد يكشر عن فجاءات موت اللاأمل..
أنا ذاك الذي..
تباريحي وتواشيحي.. ونواحي وصياحي وألواحي من كتان وعصي النقش.. ذاك الجسد الذي خلخل كل منطوقات الحسن وأفشى جمالي في جمالي، ورعب اقتفى أثري.. كل ألواني اصطبغت بالتيه.. سأقف هنا يا سادة كما العادة بكل الإرادة والسيادة لأعلن أن الأرض لا تتحمل ظلمكم ولكنها ستبقى أرضا رحيمة بي وبكم وبكل مخلوق بروح تلد أرواحا.. سأقف أبد الآبدين أدين بكل دين.. وأدين بالعشق والحنين.. أنا صوت الأنين أنا الشاحذ لحدي السكين..
انا ريشتي وريشتي انا المتعدد..
انا الرسم إذا ما تنامى الحلم في الحلم..
أنا الحلم وهو ينفض عنه خمول اليقظة..
انا الرجل الذي تأنث عشقا وترجل رسما..
أنا ذرات هواء نحثت شقوق المنع وتشربت ملوحة الدمع وتسامت بقدسية النوع..
أنا يا ساكنة في تنور الخبز اليومي: ملح العجين وسائس الهجين والحوذي لنصر حزين.. لا تبك أماه لا تبك..
سأطرز آخر خطاب للبشرية..
وأعلن عرسا لشهداء بلا تعريف..
أنا الكاتب والرسام والحاكي والفقيه والمفتي بكل المذاهب والمصائب والعجائب: الوطن لي ولكم كل المناصب.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى