التراث الشعبي

مقتطف من رواية “عيطة بيضاوية” عن شيخ العيطة الحسين السطاتي،

عن شيخ العيطة الحسين السطاتي


نهاية فصل الربيع، الجو ساخن واليوم سبت، الوقت بعد العصر بقليل، سماء ناصعة صافية، وزرقة لاهبة تطليها في هذا اليوم، من أواخر شهر أبريل سنة ألفين وواحد، القرية تحتفل بعرسانها، الموسيقى الصاخبة تدق في شراسة، فوضى ضجيج مكبرات الصوت تكسر سكينة وهدوء القرية الصغيرة، كل شيء كان يسير في أحسن الظروف بحفلة زفاف بمركز القرية النائية “عين قيشر” التابعة لنفوذ مدينة “أبي الجعد”. قرية من بين آلاف قرى المغرب العميق.. الزوجان فرحان بليلة العمر، أفراد الأسرتين يتحركون بغنج ونشاط وهمة، من أجل أن يكون الحفل في مستوى تطلعاتهم، ويمر عرس “الغزواني ولد الحاج الهاشمي الفكاك” في جو من الرضا والهناء، الحضور المدعو للعرس يعيش نشوة التفاعل مع إيقاعات العيطة للمجموعة الشعبية “شيخات وادي زم”، داخل فضاء الخيمة الكبيرة”خيمة المرحوم القائد بوعبيد”، المنسوجة تقليديا بمهارة من وبر الجمال والماعز، والمزينة ب”أقراص الموزون الفضية البراقة”، المتوارثة أبا عن جد من السلالة القايدية، المنصوبة بالفضاء الفسيح أمام الدار، والمبثوتة بزرابي حمراء تقليدية، والمشرعة على الريح والغبار..
صهيل الخيل وصوت طلقات البارود يملأ المكان، سروج جميلة مطعمة بالديباج والحرير مطرزة ومزركشة بخيوط مذهبة، أبدعت فيها يد الصانع التقليدي المغربي، ونقشت عليها تطريزات وزخارف تبهر الناظر لشدة التناغم والإتقان، تتدلى منها أجراس نحاسية صغيرة رنانة، وخناجر فضية مصقولة مختلفة أحجامها.. همس رنين الأجراس يتسرب إلى الوجدان، يحدث جلجلة لا تتوقف، يعزف سيمفونية متناغمة تحبس لها الأنفاس وتقشعر لها الأبدان، كأنها أجراس مبحوحة في سوق للرقيق، مجموعة من الفرسان الخيالة فوق جيادهم، مرتدين برانس بيضاء أنيقة، فوق جلابيب ناصع بياضها، وسراويل “القندريسي” الأبيض الفضفاض، ويحتذون أحذية بيضاء طويلة تصل إلى الرُكب “التماك”، معممين بعمامات صفراء، وجوههم تتوضأ بالشمس التي لونت سحناتهم، وأغرقت ملامحهم بسمرة عميقة، همهماتهم تمتزج بسنابك الخيول، التي كانت تسير في ركضها أشبه بعاصفة من تراب، وهم يؤدون للمرة العاشرة لوحات فنية استعراضية من عروض الفروسية التقليدية “التبوريدة”، وكأنهم محاربون حقيقيون.. صهيل الخيل يصرخ كالتحدي، وحوافرهم تندفع فوق التراب…مثل إيقاع سريع على عشرات البنادير، بنادق ترفع إلى الأعلى مصوبة نحو الأفق، وخناجر فضية ترتفع وتنخفض في غمدها على جانب السرج.. الخيول مصطفة، متقاربة ومتحادية، تتحرك في بطء متربص، وصوت “العلام” الشيخ الأسد “الحاج احمد ولد مبارك الشلخ”، بقامته المديدة وبهيئته وطلعته المهيبة..-قائد سربة الخيل- يتردد كنداء للهجوم، بين الحين والحين ينفصل بحصانه “حجر الواد” المحجل الأغر، عن باقي الخيول.. كان جواده أفره الجياد، يدور دورة سريعة تفقدية في عصبية ثم يعود صارخا بصوت مدوي راعد:
-واااااالرمى.. واااا الحافيظ الله..أراو الخيل…
يطلق العنان لحصانه، وهو يرعد بصوت جهوري، تتبعه السربة.. جياد بالغة أنيقة ومدربة، بأزياء راقية، تتنافس من أجل التباري، في استحضار لحماسة محاربين قدماء، الغبار ترتفع سحبا طويلة من الخلف، وحركة الخيول وهي تجري وتندفع إلى الأمام ثم تتوقف تدريجيا تحت شدة اللجام.. العرف إلى الأعلى في الهواء وبياض العين يلمع في جنون، ورنين البنادق وهي تتخذ وضع الاستعداد، نداء طويل شبيه بالعويل كنذير بالمعركة، ثم دوي صوت طلقات البارود دفعة واحدة متناسقة متناغمة تشهد على براعة العلام ومجموعته. وبزغاريدهن الصاخبة تساهم النساء في هذا الاحتفال الكرنفالي، طقس يحرك وجدان الحاضرين.. جمهور غفير من مختلف الأعمار والأجناس متعطش للفرجة والمتعة، يتتبع فرجة “التبوريدة” في انشراح ويسخر من الخيالة الضعفاء قليلي التجربة. أطفال صغار كالغزلان المرحة ينطلقون في سعادة وسرور فرحين بجو العرس البهيج. إنه طقس الفروسية التقليدية موروث بين حلم الشباب وإرث الأجداد…
الشمس تميل إلى الغروب، الجو معتدل، سماء صافية خالية من الأديم، الحفلة في أوج اشتعالها بلهيب النشاط، أما القلة من الرجال الواقفين عند مدخل الخيمة فهم من أبناء العائلة يحرسون الحفل من المتطفلين والدخلاء..داخل الخيمة مزدحم بأنماط البشر، تبودلت التحيات والمعانقات، وكانت إشراقة الفرح والبِشر تلوح على الوجوه، الأطفال يثبون هنا وهناك في فرح طفولي غامر، يجرون ويتقافزون كالأرانب الصغيرة حول الخيمة الكبيرة، غير عابئين بالصيحات التي تنهرهم وتدعوهم إلى التريث والحذر..”الحاج أحمد بن مبارك الشلخ”، العلام ومقدم سربة الخيل، وسائس الجياد، يرقص فوق حصانه الذي يرقص هو الآخر، ينسج الحصان خطى متثاقلة يؤديها في تناغم فريد على نغمات العيطة البيضاوية “السعيدي” بباب الخيمة الكبيرة. يقفز نشوانا قفزة شاب يافع، من فوق جواده الأدهم -العربي الأصيل المرقط بالأسود والأبيض “حجر الواد”- يرقص مزهوا، ممسكا بحبل اللجام، يستأنف مراقصة الحصان الذي بدوره يراقصه وجها لوجه في حركات مثيرة تأسر عيون المتفرجين.
الفضاء يكتنفه الضجيج والغوغاء، الخيمة تطن كخلية نحل تستيقظ، قفاطين “الشيخات” الأربعة الحمراء اللون تمسح الأرض، وجوههن مبتسمة يقرأ في عيونهن حزن عميق..وقد شدت كل منهن وسطها بحزام أسود مرصع بأقراص لامعة في لون الذهب، “حزام الموزون”، يكاد يقصمها إلى نصفين، يضحكن في خلاعة، ويقرعن باب النشوة بأقدام حافية، زينتهن تبهر العيون، وتُميل الرؤوس، وكأنهن لعب جميلة من دمى المجتمع البدوي، يتبخترن، يزرعن الابتسامات ونظرات الغواية، الحياء لا يعرف طريقه إليهن، نساء يشبهن بعضهن في أدق التفاصيل وكأنهن واحدة…الأجساد مثخنة امتلاءات، والأرداف الشبقة والنهود النافرة، والأغرب أن الشبه يتعدى الشكل، روح مشتعلة، متلهفة، محترقة، دفن أحلامهن الوردية تحت الأنقاض ولون حياتهن بسواد قاتم. يصنعن الفرجة ويكسبن الألم..الكل يمارس حولهن هواية التفحص، والتلصص، والتمعن، كأن الأمر يتعلق بكائنات غرائبية حطت للتو من كواكب مجهولة، الأولاد فتحوا القمصان ليكشفوا عن جلد في لون البن المحروق، الوجوه السمر مشدودة، والأعين تدور كالرادارات، بعضها يتعلق بتلابيب فاتنة ويحاول أن يسترق النظر إلى ما تبقى من تضاريسها المنفلتة، والبعض الآخر يتفحص وجوه الغرباء…
يسوي الشيخ الكمنجي “العريبي” من جديد أوتار كمانه الغجري، وهو شيخ مسن يصارع الزمن الغادر، يُرَقِصُ الشيخات وكأنما يُرَقِصُ أفاعي حيات، يواصل لعن الحياة القاسية التي فرضت عليه طقوسا استثنائية لتوفير لقمة خبز غير سائغة، شيخ تعدى الستين من عمره، فنان شعبي متمرس في الحرفة، ذو سحنة قمحية، ووجه بيضوي، وعينان ضيقتان، وفم أذرذ خالي من الأسنان إلا من ناب مهمل، غزت التجاعيد البارزة جبهته المسطحة، واكتسح الشيب الشعيرات المتبقية على رأسه، ترتجف أطرافه بفعل إدمانه الخمر والسجائر والكيف، وعمله الفلاحي تحت لهيب الشمس الحارقة، له أصابع طويلة رقيقة بارزة الثنايا كقصب الخيزران، ويديه معشوشبتين بالشَعر ضامرتين بالقهر.. داخل فضاء الخيمة تزدحم الأبدان، تلتصق العيون الجائعة بمفاتن المغنيات “الشيخات” النشيطات الناشطات، تنطلق الفرجة داخل الخيمة وخارجها، وعلى الرغم من احتجاج “الحاج الهاشمي” وبعض الشيوخ الكبار، فإن المشروبات الكحولية كانت متوافرة من كل الأصناف وفي كل ركن من أركان الخيمة.. تملأ الرؤوس بمسحوق الكيف والكؤوس، وتستأنف وصلة الأغاني العيطية، والشيخة “مليكة” “الزريقة” جميلة الشيخات وأصغرهن سنا، وأمهرهن في الحرفة، تتقدم الفرقة المنشطة..عمرها بين العشرين والثلاثين، ذات بشرة بيضاء وعينان زرقاوان صافيتان، صدر ناهد نافر، وشعر منسدل على كتفيها يتعدى خاصرتها، ذلك الشعر الذي أعطاها لقب “مولات السالف”، والبعض ينادونها “مولات الباك” معروفة أنها الشيخة الحاصلة على شهادة الباكالوريا، ذات قوام ممتلئ، فتاة جميلة ساحرة تستهوي القلوب وتجتلب الألباب، ذات نظرات غريبة صاعقة لامعة، يقضي المتفرس فيها حين يراها أنها نظرات مريبة، ألفت الاختلاب والافتتان من عهد بعيد..تمسح الخيمة بعينيها الواسعتين وهي تدرك تماما أن العيون كافة تحدق إليها..وترفع عقيرتها بالعيطة البيضاوية “الشاليني”، وقد شق صوتها الرفيع المشروخ المجروح، فضاء المكان المزدحم بصنوف شتى من عباد الله الزاهدين في محراب العيطة، وعينها اليمنى ذات الجفن المنكسر تغمز وهي تنوح وتعيط على المحبوب بصوت حاد ذو صرير:
الشالينـــــــــــي يا بابا ديرني حـــــــــــــــــــــــــــــــداك دبا تحتاجني يا سيــدي
ياوليدي يا وليـدي درتها بيدي يا سيدي هذي على البالينـــــــــــــي
كَولو المحبوب يا سيدي حبنا مكتـــــــــــــــــــــــــــوب والهل يعفو ويتوب يا حبيبي
يا حبيبي يا حبيبي الله يصفي القلوب يا سيدي حبيبي الشالينـــــــــــــــــــــــــــــــــي
وتتناوب الشيخات، في النداء على المحبوب، بين أبيات هذه العيطة الخالدة، إلى أن يختم الشيخ “العريبي الخيراني” الوصلة الغنائية بشدرات عيطية في أبيات قصيرة ومعبرة، بجمل مبتورة مشفرة، من عيطة “الحساب الزعري” في انشراح وهو يردد بصوت خروفي تخيم :
-ودادا يا دادا وعدعــــدا فوت علك الخيل وشوف لك بغيل
– ودادا يا دادا وعدعدا ضربت العـــــــــــــــــــرس ما تدير الحــــــــــــس.
– ودادا يا دادا وعدعدا ندبو يا الشيخات الحب كَالو مـــــــــــــــات.
– ودادا يا دادا وعدعدا الفروج المــــــــــــــــزوق محال يعــــــــــــــــــــــــــوق.
– ودادا يا دادا وعدعدا البنيدير تقبتيـــــــــــه أنتِ فين شطحتي بيه
– ودادا يا دادا وعدعدا بدل الكســـــوة بفلوس الرشـــــــــــــــــــــــوة
كان الشيخ “العريبي الخيراني” يعزف أنغاما حزينة تترجم بالضياع، بالنجدة والإنقاذ، وكانت أصابعه الناحلة المعروقة تداعب أوتار كمنجته الغجرية في انسيابية، والقوس باليد اليمنى يقسمها من النصف وكأنه يمسك بحفيده يزيل أوساخه داخل حمام تقليدي.. وكان وهو يغني يتفنن في سرد الفضائح، مختزلا هموم الناس ومشاكلهم في عبارات فجة، وفي قالب فكاهي ساخر لكنه حزين. تماشيا مع نحيب الكمان، ونداء الشيخات..بينما كانت “البنادير” ترسل فيضا من ألحانها الداوية…
تقف الخيول أمام الخيمة والخيالة فوقها، وهي تطل من أعلى بعيون قلقة، ترفع رؤوسها في الهواء وتنقل ثقلها من قدم إلى قدم في خفة ونخوة، كأنها ترقص على نغمات “العيطة البيضاوية” المنبعثة من داخل الخيمة الصادحة بها حناجر الشيخات، ومن ورائها سماء زرقاء صافية، أخذ لونها يضعف بالتدريج تحت وهج الشمس الغاربة.
الوقت يمر بسرعة، ساعات الفرح تطير، الليلة مفعمة برائحة البارود والدخان، وصوت الزغاريد والهتافات، ونحيب الشيخات..قبيل غروب الشمس بقليل، بدأت تغمر الجو لفحات نسيم الهواء الطلق تكتنفها رطوبة لطيفة عبقة برواح نباتات وأشجار عطرة توقظ في النفس كوامن النشاط والحيوية.. عقلت خيول التبوريدة بمعاقل قريبة من خيمة الحفل، هب الفرسان الخيالة إلى الداخل، الموسيقى تصدح، والحمير تنهق بالخارج والخيل تصهل والكلاب تنبح إلا القطط وحدها قد توارت عن الأنظار.. اكتملت الصورة، تختلط الأنغام بالصياح والتأوهات، والضحكات والقفشات والحوار..تكتظ الحفلة بالمدعوين وعابري السبيل، وغيرهم… بدو لوحت الشمس بشرتهم…، الأسِرة المحيطة بالداخل مملوءة عن آخرها بالزوار، والباقي كل فرد جلس كما يحلو له، هذا متكئ، وذاك مقرفص، والذي بجواره في جلسة بين القيام والقعود، والآخر مستسلم لوثارة الكرسي، والبعض يتوسد الواحد منهم ركبة رفيقه، ومنهم من خلع جلبابه القديم ليجعل منه متكأ لمرفقه، لاتناسق في اللباس، لا قيمة للهندام، ولا اعتراف بالمظاهر، كل شيء طبيعي فحتى الضحكات كانت من الأعماق..وجوه قوية صدئة لفحتها الشمس، تقاطيع كالصخر تحميها القبعات، هذا معمم وذاك مقبع، وآخر مطربش.. المناكب تتكئ على بعضها البعض، أجسام في جلابيب سوداء كالوطاويط الضخمة تمتد على الأرض… الجل موجه النظر إلى مجموعة الشيخات المنشطة، البعض منشغل بالمخدرات والبعض مشغول بالمؤخرات..تأتي وفود المتفرجين الأجانب من الدواوير الأخرى، يتحلقون جماعات إذ تختلف الأسماء حسب الألقاب، فمنهم من يحمل اسم مدن وعواصم أوربية ومنهم من يحمل أسماء مشاهير في الفن والسياسة، أو رؤساء دول وحتى أسماء الحشرات: “صويلح طورينو، الغزواني مارساي، بعيز ميلانو، الحبيب قمامة، سعيد غزلان، امحمد الرويبعة، الميلودي الحنحان، أحمد الخطار، سعيد جاك شيراك، المعيطي ساركوزي، عويقة القافز، الهويشمي رونالدو، الجيلالي شارون، الحفيان بوتفليقة، بحيبح ولد جويليقة، أحميدة عتابو، عمر ولد الصوبا، صالح ولد الكرشة، حويسين الكمانجة، عليوات الشيكي، بوجمعة الفخ، حمامة الشطاح، الميلودي الطحيشة، العريبي الدحيشة، سليمان قرطالو، مبارك النعيرة، الهويشمي الدبيبينة وآخرون…..”، أشخاص يحملون كنى ألصقت بهم، فالألقاب عندهم لا تخلق اعتباطا فلكل واحد نصيب من اسمه الجديد..وجوه مرهقة تظل نهارا تترنح تحت لهيب الشمس، عطشى كفروع الأشجار التي جفت من قلة الماء، ومتعطشة لمثل هذه الليلة، إنها ليلة استثنائية بالنسبة لهم، تؤشر على ليلة حمراء ساهرة حافلة بالملذات وضروب اللهو.

حل الليل، انخفضت درجة الحرارة شيئا ما بالخارج، عكس ما هي عليه داخل الخيمة، أضيئت المصابيح العمشاء الباهتة، دارت الكؤوس وفاحت الأفق برائحة التبغ والكيف وماء الحياة “الماحيا”، والنبيذ الأحمر والجعة.. أترعت الأكواب ودارت على الأفواه النهمة المشتاقة، والشيخ الكمانجي “القوابزي” “العريبي الخيراني” يدعك الكمان ويداعب أوتارها بأنامله الطويلة الرقيقة وترا وترا، يسوي إيقاع نغماتها رافعا إياها فوق ركبته، مصغيا إلى عزفه مرتبا إياه حسب مقامات وأدراج عشوائية لا يعرفها إلا هو، موسيقى تقليدية درسها وراء قطيع الغنم… كانت الموسيقى الصادرة عن “الكمنجة” الغجرية تبعث لحنا شجيا حزينا دليلا على القهر الذي يعيشه عازفها، ارتفعت معه عقيرة الشيخات بالندبة، استهلتها “الشيخة مليكة” -المدعوة “الزريقة” مولات السالف- بالغناء فسايرتها “وريدة” و”رحمة بنت الشرقي” و”ربوحة بنت لغزيويني”، شيخات مغنيات يتألمن ليفرح غيرهن وليفجروا حقدهن الدفين.
تتدخل الشيخة “مليكة” في الوصلة الزعرية بصوت حاد ماعزي يشبه إلى حد ما الندبة وبصيحة مجروحة تصدح:
– مذا من سر …في زغب الصــــــــــــــــــدر؛
– العريس مكَفض… ع الله يحفـــــــــــــــــظ ؛
– خلي وجهك نقي…ليام تلاقـــــــــــــــــــــــي ؛
-رجال الدرك… يهلكو بابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاك ؛
– فليسات الخرفان… داهم لاجودان؛
– حيح يا الحياح… را الحرامي طــاح ؛
– كب لي نشرب …على غدايد الحب.
-من كثرة لحشيش…مات ليه الدحيش
يقف “عويقة القافز” منتصب القامة قصيرها، وهو شاب في العشرينات من العمر، خفيف الحركة متحفز النشاط لا يقر له قرار ولايسكت له صوت..ينظر إلى أخوه “الشكَدالي” توأمه الجالس أمامه، ويناديه بلغة الأمر:
– كب الماحيا.
يملأ الأخ الشقيق التوأم له نصف الكأس ويمده إليه، فيرجعه له منتهرا:
– عمر الكاس حتى للفم، مقراوكمش في السكويلة الغش حرام.
– يملأ له الكأس حتى يتدلفق، ويمده إليه.
يمسك كأس الخمر وعينيه مصوبة إلى الشيخة “مليكة” وهي تلولب بطنها تماشيا مع الموسيقى الصاخبة، يعب ماء الحياة دفعة واحدة، يتلمظ تجحظ عيناه، يتجشأ ويحمد ربه.. يمسح فمه بطرف كمه الأيسر، ويمرر يده على رأس “المعيطي ساركوزي” مشاركه في الشرب ويصرخ بأعلى صوته شامتا:
– وتبارك الله على “ساركوزي”، العيطة عليك يا الحادر عينيك…وأتبع قوله ضحكة مجلجلة.
تصدح الشيخة “وريدة” كما يحلو لها أن يناديها المتفرجون، وهي لا تحمل من الوردة إلا أشواكها، عمرها يتعدى الثلاثين، نحيلة ذات سحنة صفراء مرضية، جسدها الضعيف..المتناسق الرشيق..يتهادى وسط قفطانها الأحمر المشدود عليها..لها عينان داكنتان تحف بهما حاشية سوداء من الأهذاب الطويلة، عيناها توحيان بالمرح والعبث..شعرها الأسود يتهدل بدلال ودلع على قفاها وكتفيها، خصرها ضامر كنبتة عذبها الجفاف، ينعتونها عودا من أعواد جهنم.. لم يبق منها غير ملامح فتنة فانية، حسب ما يروج أنها هاربة من بيت الزوجية، كانوا قد زوجوها منذ أعوام من رجل كهل امتص ربيع عمرها، يوم تزوجها صبية غضة قاصر، جفف زهرة ربيعها بعمره السبعيني، على الرغم من أنها لم تتجاوز أنذاك سن الرابعة عشرة من عمرها، تزوجها صغيرة بينه وبينها تقف ما يزيد على خمسين سنة، نصف قرن يفصلهما، لم تعرفه إلا في ليلة عرسها، نسوا أن بفعلهم هذا أهلوها لتكون شيخة، كانت صفقة عقدها والدها ليداري بها خسارته، كان قد اشتراها الكهل فتية من أبوها لتضخ به دماء جديدة، وهو لا يشبع من الجنس، رجل كهل أساء عشرتها وعذبها..كانت ترفض ممارساته الجنسية الحيوانية فيضربها بوحشية، ترك بها عيب برجلها اليسرى التي تخمع بها، كان عرجا طفيفا بساقها غير واضح تماما يطبع مشيتها، الشيء الذي أعطاها وسط الجمهور لقب “العرجة”..كان البعض من الجمهور يتنابزون عليها بألقاب مثل، “العرجة، العوجة، كَوادالوبي، فخيخة ” وكانت ترد عليهم بابتسامات تتمطط عليها شفتيها اللتان وضعت عليهما من الأحمر القاني، وجنتاها اخترقتهما تجاعيد متقاربة عميقة وقد اكتستا لونهما من مسحوق وردي، بينما ارتسم خطان من كحل عبر عينيها اللتين غابتا في محجريهما..وقد فضلت أن تعيش حرة، أن تبتسم في وجه الجميع رغم مرارة ظروفها، وهي التي تمردت على الجميع، وتركت بعلها والتجأت إلى الأعراس ترثي حالها بغناء العيطة، لعلها تجد متنفسا يخفف عذابها الدفين. كانت تظهر حزينة، وقد زادها الحزن سحرا وسط الخيمة، لتبدو وهي في حزنها أجمل بكثير من تألقها وهي في سعادتها..وقد حان لها أن تحرر نفسها من الأحزان لتعيش وتحيا..ولطالما حاولت أن تبدو جميلة في الأعراس، مفعمة بالأنوثة، حتى وهي في أسوأ المآسي والأزمات، فما من سبب لتزيد بؤس الناس بماضيها القاتم وشكلها البائس..
تخطف سيجارة من فم مخلوق بشري غريب جالسا أمامها، تمجها في تتابع بتلذذ، وتنفخ دخانها على وجهه المخربش في تحد واضح، هي التي أهانها رجل فأهانت كل الرجال، ثم تسقط رماد السيجارة بطريقة المحترفات بالغواية وسط شعر رأسه الأكرث، وهو يضحك منتشيا ومفتخرا بالإهانة.. يرفع السارح راعي الغنم “بعيز ولد الحفيان” تلابيبها وهو يصرخ معاتبا الشيخ:
– وااا الشيخ….وااا الخيراني ، أنت منين جبتي لينا هذ القرعوشة، ياك ع مقود مقود، وجيب لينا شي حاجة مقودة!

وبدلال بدوي فاجر، تقف أمام “شعيبة الفروج”، خمسيني متربع في جلسته، متكأ بظهره على العمود الركيزة للخيمة، رجل أسمر البشرة له وجه يشبه وجه الدجاجة، على بشرته شحوب يدل على المرض، ونبت من الشعر نما منذ أيام…يرتدي جلبابا أسود رثا قُدَ من أكمام، وعلى رأسه طاقية زرقاء بهت لونها، تحرجه “وريدة” برقصها العاهر، تراوده عن نفسه، شعرت بالنار في نظراته الشبقية، كما شعرت بغيرة النساء البادية على وجوههن من بعيد، وبإلحاح ذبابي تريد من كرمه وسخائه وهو الشحيح، آخرون إلى جانبه يغمزون لها، يهمسون لها، ويحرضونها عليه، تغزوه بنظراتها الشبقية لهفة إلى الخمر التي تطلبها..رشاها أحدهم بكأس خمر، جرعته دفعة واحدة، أكرمها آخر بكأس “ماحيا” تجرعته في مرارة وتلمظت، ثم تنفست بعمق وهي تشعر بأنها تريد أن تسكر، تريد أن تتيه، تريد أن تضيع رغم ضياعها، تريد أن تدوخ…تنتقل من حضن إلى حضن.. جلست في حضن “ساركوزي” بعدما شمت رائحة البسباس تفوح من فمه، تريد أن تشرب الويسكي، وبالفعل تحقق لها ما تمنت، يشرع ساركوزي في تلمسها وهي في حضنه كالقطة الأليفة المدربة، يتدلى على ظهرها شعر طويل منقع بزيت رخيص، وكانت تمضغ العلك وتتجشأ بين فترة وأخرى، وهي جالسة في حضنه كاشفة عن فخدين أبيضين كالشمع مطرزين بالوشم هما سلاح الإغراء لديها..تشرب من كأسه، يحسو هو رشفة، ويناولها الكأس فتحتسي رشفة… وهو في تلك اللحظة أسعد مخلوق في الدنيا لهذا التوفيق، وهي تقاسمه كأسه ومواضع شفتيه، والحاج “الفكاك” صاحب العرس يتقبل هذا المنظر الخليع بصدر رحب ونفس راضية..وما لبث أن تورد خذاها بعض الشيء، ووقفت تستأنف مهمتها، نظرت إلى “شعيبة الفروج” في إلحاح وبين أصابع يديها أوراقا مالية، كان يشرب مسكر “الماحيا” المخلوطة بالريدفور وماء الرادياتور، وأمامه قنينات من الجعة تركها مسك الختام..انحنت قليلا، لفحتها رائحته، كانت تنبعث منه رائحة التبغ والتبن والعرق والتربة الرطبة، زلزلت ضرعها أمام عينيه، وسمعت آهات من صدور البعض فضحكت، تنهد “الفروج”وابتسم، ولو كان يتقن الصياح لصاح، وجعلت تتودد إليه، وتعرض لعينيه المشغوفتين محاسنها الغاوية، وتداعبه بنظرات حلوة من عينيها.. و مهما تكون “وريدة” قليلة الجمال، فإنها أمامه في تلك اللحظة في جمال الزهرة..وهي المحاطة برهط غجر، أفواههم مفتوحة وعيونهم تتفحصها في نهم وشراهة، قسمات وجوههم، ونظرات أعينهم توحي للناظر إليها ، كأنهم يبحثون عن شيء مفقود، يتكلمون بينهم بهمس شديد، أو صراخ أشد، لا وجود عندهم لشيء وسط..وبإلحاح ذبابي منها، أخرج “الفروج” محفظة جلدية ضخمة من جيب الجلباب الداخلي، وفحص أوراقها بتمعن، ثم أخرج ورقة بنكية من فئة عشرين درهما، قلبها في كفه مرات وهو يحدق فيها ليتأكد منها، سلمها لها وهو يطلب منها في زهو من أنفق أمواله في الليالي الحمراء، وقبل أن يبدأ الكلام تهدلت شفته السفلى كاشفة عن بقية من أسنان هدمها التبغ، ثم رسم تعبير جد على ملامح وجهه وهو يقول بلهجة كبار الفلاحين والأعيان وبصوت يشبه إلى حد ما نباح كلب مسن هرم:
– شوفي يا “وريدة” بغيتك تغني ليَ ديك العويطة ديال “خربوشة”.
رفع عينيه إليها في تحد وهو يضرب براحة يده اليسرى على صدره وأردف:
– بغيتها تكون “عيطة بيضاوية”.
نطق بهذا القول في زهو وافتخار وسرور، بل في شبه انتصار على أعداءه بالخيمة.. خطفت الورقة المالية من يده في تلهف فاجر ماكر، وفي عصبية ساخطة وهي تشتم:
– هاك هاك..على وجه خربوشة..، وجهك مخربش كوجه الدحش!
تناثرت حولها ضحكات مجلجة، من بعض المتفرجين الشامتين، فصعد إليها عينين ثاقبتين، وجدها تنظر إليه بوجه خالي من تعابير الخوف.. وحدجها بنظرة يلوح فيها الغيظ، ليرد عليها ثائرا والرذاذ يتطاير من فمه:
– تفووو…سيري يا الشيخة بنت الشيخة الله يوكلها ليك في غريبة.
تعالت الضحكات والقفشات حولهما، ليرد عليه “حسن الموسطاج” ضاحكا:
-وااا شعيبة الفروج، وراها غبيلة ماشي غريبة، راه حبس ماشي حلوة العرس.
إلتقط “الفروج” زجاجة “الجعة”من عند قدميه وفتحها، وألصق فتحتها بفمه، ثم مضى يجرع ليطفي لهيب الحرقة، أما الشيخة “وريدة” فقد ألفت سماع مثل هذا الكلام، لم يعد يثيرها، وهي التي تفاخر أنها تزوجت كهلا وتركته يتحسر عليها، وعاشرت ذكورا وخبرت أنواع القضبان من الحماري إلى الخنصر والبنصر.. جالت ببصرها على الحاضرين، وتحركت وسط الخيمة، متنازلة عن كبريائها المطعون بالإهانة، وشعرت بسعادة الرجال من حولها، وبغيرة النساء التي كانت تنظر إليها بشزر، وببعض الاشمئزاز.. وراحت تجود بالرقص، على إيقاع الموسيقى الصاخبة، كان رقصها جميلا، وأضفت حركات رجلها الناقصة ابداعا راقصا، ترقص دون توقف، وأحيانا تدوس عابثة بخلق الله من الرجال، هي التي رأت في حلم أنها تمشي فوق رؤوس الرجال..
فضاء الخيمة يزداد حرارة، والإيقاع الصاخب يرتفع وينخفض، الجو مفعم برائحة العرق والدخان، ارتفعت أنغام الموسيقى تملأ النفس بهجة وايناس..تغلق “وريدة” عينيها، والناس من حولها مشدوهين، فتفتحهما في تؤدة وهي ترفرف برموشها الطويلة المزيفة، وكثر الضجيج، والطلبات، هذا يريد العناق، وداك يريد الرقصة الخاصة به، وآخر يريد “عيطة بيضاوية” تذكره بماض جميل وتاريخ عريق تليد.تفتح عينيها، تتوقف عن الرقص وتسوي حزامها لتشد به خاصرتها، الضجيج لا يصدع رأسها بل يزيدها نشوة وانشراحا، تتأمل وتنظر إليهم لمعرفة وجودها، وهم يقذفونها برصاص كلماتهم، كان البعض يمتدحونها فقط لامتلاكها، وكانت هي معهم لينة ناعمة تعرفهم أنهم يحبونها، وتعي جيدا أنهم يريدون حبا من نوع آخر، لكنها مضطرة لكي تعيش، واستمرار عيشها على حساب كرامتها..شدت أكمامها وهزت رأسها، ثم واصلت عملها، وهي تشعر بأن رقصها يروقهم ويسعدهم، كانت ترقص رقصة الرتيلاء وقد تركت وراءها الحشمة والحياء، ثم رفعت صوتها المشروخ بالنواح، وقد أوغل في العظام، ومضى إلى الحاضر والماضي والمستقبل، ببحة حادة لا تخلو من ندبة تختزل فيها عذابها، وهي تنوح بصوت مبحوح، كان في نبرات صوتها نحيب كأنها تؤكد بقايا الأنوثة فيها:
– حالفة على الشيباني… ما نرجع ليه ثانــــي؛
-حالفة على ليهودي…. ما نكَول ليه سيدي ؛
-والله النصرانـــــــــــــــي …..ايلا ركب ثانـــــــــــــــي؛
-العيطة والوتــــــــــاق…. حتاهما مـــــــــــــــــــذاق؛
-كَيطون مجرتــــــــــــل ….ولا زواج الـــــــــــــــذل؛
– على غدايد الرجالا….نبقى هجـــــــــــــــــــالا؛
– دويدة الشيباني ….مات وطنــــــــــــــــــــــــــــــي.

يرفع إليها “بحيبح ولد جويليقة” عيناه الجاحظتين، وهو عسكري متقاعد، في سن الخمسين، هزيل القامة طويلها، ذو عينين لوزيتين جاحظتين، تفصحان عن جدوة وذكاء، أصلع الرأس ذا لحية هي مزيج متساو من اللونين الأبيض والأسود، تظهر على ملامحه فتوة الشباب. برغم تقدمه في السن! يحييها بتحية عسكرية وأصابع يده اليمنى مبسوطة متلاصقة فيما بينها، تكاد تلامس صدغه الأيمن، ويده اليسرى ممسكة بكأس مملوءة بمسكر”الماحيا”،صارخا من وسط المتفرجين وقد أخذ منه السكر:
-وتبارك الله على كَوادالوبي….الله يحجبك والله يعمر جبحك. الله يقوي من أمثالك.
يعب كأسه دفعة واحدة يتلمظ، يغمض عينيه ويفتحهما بصعوبة، يمرر يده على فمه ماسحا لحيته، ويستأنف دعاءه لها:
-سيري يا بنيتي الله يجيب ليك شي نحاس فين يغبر قزديرك…والله ينقي طريقك من أولاد لحلال. سري أنا راضي عليك قد ما صبت وسحات..

بينما “وريدة” المتمرسة بالغواية، لم تفتها أي حركة من ظواهر شهوانيته، بل جعلت تتفرس فيه وتحملق إليه بعينين منومتين، ورمت له بقبلة من طرف أصابعها عبر الهواء المثخن بدخان السجائر ورائحة تفصد العرق.. وراحت توزع ابتساماتها الباذخة، إلى أن وصلت أمام “رحال ولد الطيان” صانع أواني فخارية، وهو يجلس على كرسي آلي متحرك، رجل أسمر الملامح، تغزو وجهه تجاعيد صلبة، ويحتل الشيب جزاء من رأسه المشبع بالمحن والحيل، صغير العينين مثلث الوجه، ذا مظهر يشبه مظهر الثعلب الذي يحوس بحثا عن طريدة..وقد حطم رقما قياسيا محليا في تعدد الزوجات، فاقت زوجاته العشرين، لم يعدد وإنما كان يتزوج الثانية بعد أن يطلق الأولى، كان يتزوج بالفاتحة ويطلق بأمر من أمه، وهوايته هذه جعلته مرفوضا من الأهل والأحباب، يضع في حجره صندوق مملوء بعلب سجائر مختلفة أنواعها يبيعها بالتقسيط، وقد نشطت تجارته في هذه الليلة مما زاد نشاطه، لا يفارقه مذياع ضاعت موجاته، تنغزه “وريدة” من كتفه، ليرفع إليها عينين محتقنتين قائلا:
– واش تجوجي بيا؟
تجيبه نفيا بإشارة من رأسها، ترمش برموشها المركبة المزيفة باسمة، وبإشارة بأصبعيها: الإبهام والسبابة تلمح له أنها تريد من ماله، ليرد عليها في غيض:
– سيري تلعبي مع كَرانك، خليني نبيع ونشري، سيري في حالك من القبح وقلة الحيا.

همست في وجهه بكلمات مبهمة، تبدو قذفا وتركته يسب ويشتم كل نساء العالم، وعادت أدراجها قرب الشيخ الكوامانجي الذي كان هائما مع كمانه في لحن حزين، وتحولت الموسيقى إلى إيقاع بطيء، وراحت تغني وتتمايل بارتخاء مع نغمات الموسيقى وتصدح بحبات من عيطة “الحساب الزعري” :
– خليوني نبكـــــــــي…ضرني كَلبي
– شلا في كَاشوشي….منعاودوشي
– القليب تقسح….كيبيكي بالصح
– سعدي لكحل…ما لقيت ليه الحل.
– خليوني نندب…على غدايد الكلب
– ويختم غنائها زميلها في الحرفة قارع البندير “صويلح زميم”:
– ياك الغزالة ما تعايرنا..ياك يالالة ما تخاصمنا….حبك يا العرجة…ع تدرج وجا.
واستأنفت تتناوب معه في حبات “الحساب الزعري”، كانت تغني كلمات بالهم طافحة، اشرأبت إليها أعناق وفغرت أفواه، كانت تلقي الكلمات الموجعة الصاهدة بالأنات، وكان سرب الكلمات الناعية يندلق من حنجرتها مخلوطا بالندبة، كانت تغني للمقهورات، وعذاب المهديات، تغني عن ماضيها المغتصب وحاضرها البئيس، ومستقبلها المبهم، نبراتها الصوتية مجروحة بين الحزن العميق ورنة الانتصار، في نبرة صوتها أنين مغموس في وجع عميق، كانت شفتاها بالأسى تنطق، وأحبالها الصوتية تتمزق، والدمع في مآقيها يترقرق، وقلبها بالحسرة يخفق ويدق، والجمهور من حولها ينتشي ويتذوق، تارة يبصق وتارة يصفق، وهي غائبة عن عالمها لا تعي بما تنطق…
يرد عليها الشيخ “العريبي الخيراني” متسائلا :
وياك ابنتي ما تعايرنا ياك ألالة ما تخاصمنا اللي ما عندوش الحب علاش كيشرب؟
يخبط الخماس “بوعزة الموسطاج ولد بوطربوش” راحتا يديه مع الفراش الأحمر المبتوت منتشيا، عمره فوق الأربعين بشارب كث وفم كبير خالي من الأسنان، عريض الوجه متورد الملامح، رمادي الشعر قصيره، ذا كرش ينسى أن يخفيها عن الأنظار حين ينفعل، أقلع طاقيته التي فقدت ألوانها الأصلية بفعل القدم دون أن يبالي بقرعه، وهو يصرخ من وسط المتفرجين يتلفظ في مدح الشيخ:
– هكاك نبغيك يا سي “العريبي الخيراني”، فاجيتيها علينا هذ الليلة الله يفاجيها عليك.
جرع كأس “الماحيا” دفعة واحدة، رفع كأسه فارغا مكملا دعاءه لشيخه وهو من أتباعه:
– حفظاك الله ورعاك يا با العرببي، لهلا يحركَـ فيك شي عظم حتى نتحركَو كاملين.
كان يضع أسفله زاد الشراب مستورا بسلهامه الوردي الشاحب، وخلفه صديق من حين لآخر يمده بغليون الكيف “السبسي”، فيناوب مع الشيخة”وريدة” تدخينه، وهي التي تظل واقفة في طولها المتجرد، وفي كل همسة تتكئ لتأخذ دورها في الشرب أو التدخين.
زعيق الأنغام يصم الآذان، الكمنجة تنوح، تقرع البنادير في حركات انفعالية، “احميدة الطعارجي”، يسترسل في قرع الطعريجة، وكأنها طلقات غادرة من مسدس رشاش.. قام “عباس البالة” من مكانه وقد تعدى الأربعين من العمر، عريض الوجه، جاحظ العينين، ضخم الأنف، لحيته على ما يبدو عمرها أسبوع، يرتدي معطفا ذو ألوان قزحية ربيعية مفتوحة، وعلى رأسه طربوش فاقع الحمرة، كجمرة مشتعلة، غضون جبهته وندوبا بها تزيد وجهه الشاحب قبحا.. ومن خلف صف الشيخات شق مكانا له بينهن محاولا الاندماج وفرض وجوده كراقص، بدأ يترنح ويتمايل، يرقص رقصا من إبداعه، كان يتلوى راقصا بحركات مثيرة أمام الشيخة “مليكة” بطريقة تثير الضحك، جسده يهتز، تخترقه ارتعاشات واختلاجات عميقة، تنم عن اندماجه في الصخب الراقص، وكأنه يرقص “التانغو” على إيقاعات العيطة.. لم يستطع أن يركز أفكاره وهو يرى صدرها يعلو ويهبط ويتزلزل، أخرج من جيبه ورقة مالية من فئة مائة درهم، وضعها في حزامها، على مستوى البطن، هزت يديها إلى شعرها جمعته وشدته بمشابك كانت قد خبأتها بعناية على مستوى الصدر، وبدأت تراقصه، كانت ترقص دون أن تعرف لماذا ترقص..قفطانها الأحمر فاقع اللون، يكشف أنوثتها.. ويبرز مفاتنها..وكان هو يرقص وعيناه مغمضتان وكأنه في حلم، ووجهه يسيل وجدا وانتشاء، وأخذ يرقص ويداه تتحركان في الفضاء مثل جناحي طائر يحوم على وجه الأرض بهدوء وأناة، وكانت تنظر إليه وتبتسم وكأنه حيوان نادر، ولحظة رفع يديه إلى رأسها، فقام بانتزاع المشابك التي تضم شعرها واحدا بعد الآخر ليتركه ينسدل كستنائيا على كتفيها، وبدا منتشيا وهو يلامس بعض من خصلاتها، واستأنف رقصه، كانت تبدو له لحظتها كممثلة هندية بأصباغ لامعة، وكان يتخيل نفسه البطل “شاروخان” وهو يراقصها، رفع رأسه إليها مظهرا فما مشوها بآثار الجراح كأنه فم ثور وحشي، يزيده هولا شاربان كثان، ثم مد حنكه المزغب رقع إلى وجهها النضر المصقول متلفظا:
– حوبيني..حوبيني.
توقفت عن الحركة وتفرست في وجهه متأملة آثار الجدري القديمة المتناثرة على خديه وجبينه ممتزجة بتجعدات، فبدا لها كخرقة بالية متسخة، ولو انفتح باب العرش أمام بدوي بائس في ليلة القدر، لما شعر بذلك الفرح الذي هزه في تلك اللحظة وهي تلثمه في خده، قبلته قبلة صامتة لا صوت لها..مد لها الخد الآخر وفمه يسيل لعابا، لكنها هذه المرة أبعدت وجهها عنه وصدته، جر شعرها محاولا مداعبتها لكنها رفضت، صارخة في وجهه:
– طلق مني ..بعد علي. ودفعت وجهه بيدها البضة المنقوشة بالحناء.
هز عينيه الجاحظتين إليها، وحاول أن يثور في وجهها، ويصب عليها جام غضبه، ثم أمسك بذراعها في قسوة عازما على صفعها، لكنه لم يستطع، إذ أنه نسي نفسه، وذاب غضبه، وانطفأت شعلة ثورته عندما أحس بملمس جسدها البض، فتراخت قبضته، ومسح بعينيه الخيمة ثم قال بنبرة أقرب ما تكون إلى نباح الكلاب بصوت أجش متهدج.
– واك واك يا الحق، الله ينعل بو الوقت. الله ينعل بو النشاط، واللي ما عرفك خسرك…
يتنفس بعمق ويهز عينيه منومتين وهو يصرخ بصوت عال:
– والله يعطينا الشتا..وسير يا الجفاف لماريكان. عبارات تتردد على لسانه كثيرا كلما بدأت نشوة “الكيف” و”الماحيا” تتصاعد إلى رأسه وتسري إلى سائر أعضاء جسمه..ألقى بنظرة خاطفة على وجوه الجالسين وعلى محيطه بعين لا تعط اعتبارا لأي شيء، ناداه أحد الجالسين وكأنما أفرغ على رأسه دلو ماء بارد:
-“وأنت جلس يا عباس وكون تحشم، بقا ليك ع الشطيح والرديح”
رمقه عباس بنظرة حقد وتحدي قائلا:
– ماسوقكش..ديها في سوق راسك.. حتى يكون عرس اختك وهاديك الساعة تكلم”
رد عليه معقبا على شطحاته في استخفاف ظاهر:
– “وأنت اجلس وهنينا أش داك للشطيح، خلي الشيخات يلعبو، أنت عينيك خارجات كيف الكلب اللي قاجاه الدفة “

تضحك زمرة من المتفرجين، لم يتقبل”عباس البالة” الإهانة، يركل بقدمه منتقده في الرقص، ينزع الطاقية من فوق رأسه ويخبطها على الأرض، ويحملها، ينفضها بيده، ثم يعيدها إلى مكانها، والعيون تلاحق الشيخة مليكة، وهي ترتفع راية للجنس والكبرياء، إذ لن تصمد أمامها ذكورة أي رجل بالخيمة، وبمجرد أن تحط عيناه على عينيها تندفع دماؤه هادرة في شرايينه، وتود شفتاه اقتناص شفتيها وطرحها أمام الأنظار..عاد إلى مكانه تحت وطأة الضغط، ضغط الأجسام ونهر الأفواه، ولم يبالي بمنتقديه، إذ يعتبرهم حسادا غيورين، عاد إلى مجلسه مزهوا يترنح، مفتخرا بعمله الجبار، وهو ما يعني له أنه حقق انجازا مهما يعتبر قيمة مضافة في سيرته الذاتية بالقبيلة، ترى أيترنح من جراء مفعول مسكر ماء الحياة الذي أفرط في شربه، أم سريان سم العيطة في شرايينه، أم متأسفا على مبلغ مائة درهم شقاء أسبوع غصبته منه الشيخة وضاع منه في لمحة بصر وفي لحظة غواية.
ومضت ساعات الليل الأولى في غناء ورقص وإغراء وإغواء، وكان الشاب ” عبد العزيز” يجلس وسط شلة من خيرة أبناء الدوار حول مائدة زينت بأنواع المشروبات الكحولية، من نبيد أحمر وأبيض، وقناني الجعة، وشمبانيا استقدمها معه من الشمال..لم يعد يرضى بشرب الماحيا..وهو شاب في الثلاثين من العمر، طويل القامة، متوسط البنية، في إجازة عمل، “جدارمي” حديث التخرج في الوظيفة العمومية، حيت يعمل ضابط صف للدرك الملكي برتبة رقيب، لم يتعدى عمر خدمته ثلاثة سنوات بكوكبة الدراجات النارية، لكن كما يقول ويفتخر أن الشمال المغربي كريم والمخدرات سخية..كان تعيينه الأول بمدينة تطوان، ليس بضربة حظ بل صفقة أبرمها مع “كولونيل” ابن بلدته وقريبا له بالقيادة العليا..اشترى منزلا فخما بمدينة وادي زم، ويملك سيارة من نوع “مرسدس 190، بيضاء اللون، واشترى أربعة هكتارات من الأرض بمنطقة السماعلة، فهو بالنسبة للكثيرين مثالا يحتدى به بالمنطقة للابن المجتهد البار لوالديه والعاق لوطنه، كان بين الفينة والأخرى يبرز حافظة نقوده الكبيرة ويستخرج منها ورقة مالية ويرمي بها إلى إحدى الشيخات، وتارة يسلم الورقة المالية لأحد مجالسيه لينوب عنه بأن يضعها للشيخة في الحزام..وقد شرب حتى سكر وانبعثت النشوة في دمه فاهتز طربا وقهقه ضاحكا ونسي صفته المخزنية، وداخلته رقة فملأت نسائم الأريحية فؤاده، ولم يلبث أن نازعه شوقه القديم إلى الرقص، وكان قبل توظيفه يهوى الرقص واللعب مع “عبيدات الرمى” والشيخات، فلم يعص شوقه ونهض بجسمه الطويل وقد أخذ منه السكر..وألحت عليه شهوة الظهور والإعلان عن النعمة، وأخرج رزمة أوراق مالية وهو يترنح ويتمايل، وراح يطوف على أفراد المجموعة الموسيقية المنشطة واحدا واحدا، يعلق لكل واحد منهم ورقة بنكية من فئة مائة إلى مأتين درهم، أما الشيخات فكان حظهن الأوفر، لكل واحدة منهن خمسة أوراق مالية من فئة مأتين درهم..

بأمر من “الحاج الهاشمي الفكاك” صاحب العرس، يجلس الواقفون، ليبقى “الجدارمي” الكريم لوحده يرقص ثملا وسط الشيخات، والشيخ “العريبي الخيراني” ملامح وجهه كلها تضحك، ليدخل بذلك في عيطة “الوجبة الدايرة” في الحساب الزعري إكراما للسي عبد العزيز الجدارمي، وتتناوب الشيخات في مدحه، لتستهل “مليكة” الحَب الزعري ببحتها الحادة صادحة :
سعدي بالجدارمية…مهلين فيً
وليدات الدرك….يطحنو باباك
نبات مع المخزن…ولا ع نموت احسن
لا سماحة للاجودان….اللي دارني سكران
ليرد عليها الشيخ “العريبي” ببحته التخيمة الخروفية، آمرا ناصحا:
شدي في الموطار…فيه ما يدار
صحاب الموطورات….كَاع كَريمات
العطار والموطار….رفاكَتهم خطار
الموطار والفقيه…..لا ثيقو فيه..
وبصوت تخيم أجش يختم الفنان صاحب البندير “الشيخ صويلح زميم” الوصلة الزعرية:
ويا بابا ما تعايرنا وياسيدي ما تخاصمنا…..الخلعة مو لبزازل بغات بورطابل
تلتفت إليه الشيخة مليكة وتجيبه في الحين مبتسمة: واشريه ليها.
وكان الدركي “عبد العزيز” يرقص نشوة، ممتلأ النفس ثقة وطمأنينة وسعادة، وكان بين لحظة وأخرى يبرز حافظته ويستخرج منها ورقة مالية، ويرمي بها أمام الشيخات، ليتسابقن في مرارة ومهارة لالتقاط الورقة المالية وهو ينتشي ويضحك، والجمهور من حوله يستمتع بالمشهد. ودنا من “مليكة” وجعلها تلاحظ أن حافظة نقوده حافلة بأوراق النقد الجديدة من فئات مختلفة ألوانها وقيمتها…أخرج بعضها وأخذ يرشها فوق ٍرأسها منتشيا..يخرج من جيبه هاتفه المحمول أسود اللون، بيده اليمنى يضع الهاتف على أذنه، وبيده اليسرى يمسك بالعمود زمام الخيمة “الركيزة”، يجري اتصالا هاتفيا يرفع صوته فوق صوت الكمنجة والشيخات، ليخبر المتصل أنه في ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة.
أمام كرم الدركي الحاتمي، يحمى وطيس الايقاع، ويزداد نشاط المجموعة المنشطة، يسترسل الشيخ الكوامنجي “العريبي الخيراني” في ألحان سريعة بكمانه الصادحة تصحبها الإيقاعات الصاخبة في وصلة “الخيلاز”، تتقابل الشيخات الأربعة في موجة الرقص، شيخات فنانات، فاتنات، بوجوه مصبوغة ملطخة بآخر تقليعات مساحيق التجميل التي أصبحت تتفوق على الجراحة التجميلية علها تخفي ندوب الصورة بعد أن فشلت في تغطية بشاعة الصوت، تتوسطهن الشيخة “مليكة” برشاقتها وخفتها، والجمهور يصوب عيونه عليها ، يحثها على الرقص، ويأمرها بالجد في عملها..ذلك الجمهور المتعطش لهاته الليلة الذي يشيد بأدائها وبجمالها ونظراتها التي يعشقها الشيخ قبل الشاب، وكانت ترقص بوحشية على نحيب الكمان و ألحان البنادير الداوية..ترقص، تشطح، تتشقلب، ثم تتمدد على الأرض وتتدحرج يمينا وشمالا تماشيا مع الموسيقى وهي تتمرغ ونرقص رقصة الطير المدبوح وفؤادها يتمزق لوعة وأسى. لا تهن ولا تفتر ولا تستعفي ولا تعتذر، وليس من حقها أن تجادل أو ترفض..هي التي ولدت في مهد الشقاء ونشأت في حجر البؤس والآلام..قد يحاسبوها على الضعف والعجز والحياء والخجل والاحتشام وهم يدعون الطهرانية، يدعون أنهم مجتمع محافظ، يحاسبونها محاسبة القاضي للمجرمين على الذنوب والآثام..
وتمر الساعة وكأنها دقائق معدودة وسط هذا الجو اللاهي، وحلى الدفء والسمر، إنها ليلة مشهودة في تاريخ القبيلة قلت نظيرتها، كان الجميع في حبور وسعادة انشرحت لها السرائر، وكانت “مليكة” ترقص وتبتسم في ثقة من أشعل الفتيل وأوقع الجميع تحت سطوته، كانت شعلة متوقدة من النشاط، وجهها بشوش تبدو أصغر الشيخات، لها رشاقة المهرة، كالمغناطيس الجذاب الذي يستهوي قلب المتعطش الناظر إليه.. كانت ترقص بطريقة تخلب الألباب، وكان جسدها شهيا، يثير الشهوات الدفينة، وكانوا يلاحقون قامتها الممشوقة بنظراتهم المسحورة، ويتابعون رقصها وشطحاتها اللولبية وتلك الاهتزازات التي تقطر حلاوة في الردفين، كانت وقتئد ترقص أمامهم رقصة المهرة الجامحة، وفؤادها يتمزق لوعة وأسى، هي التي رقصت في كثير من الأعراس ولم تكن يوما عروسا..وكان البعض منهم يحملون الكؤوس ويلوحون بها ذات الشمال وذات اليمين، تلويحا مصحوبا بصرخات أشبه بالنداء على الأم، وكانت هي ترد على استغاثاتهم بصوت حنحنة رقيقة مقلدة صهيل فرس جامحة..ولكن اهتمامها كان مركزا في هاته اللحظة على مائدة “بوعزة الموسطاج ولد بوطربوش”، الذي كان ينهض ويرفع كأسه إلى أعلى، تحية لها كلما ابتسمت له من بعيد، ثم يهتف صارخا بصوت أجش:
-واه ميمتي ميمتي، حيطمتني بنت الكافرة بالله.
يجرع كأس الخمر جرعة واحدة، يتلمظ، يتجشأ، يحمد ربه عن شربه للخمر، ويشكر الله الذي أحياه حتى عاش هاته اللحظات.. ثم يستطرد بصوت جهوري:
– عاش بوعزة الموسطاج لعاب الشيخات، وسير يا الجفاف للمريكان الله يلعن بوك. واااه ميمتي ميمتي.

ومليكة الشيخة تؤدي وصلة المتعة العابرة، وهي في تلك اللحظة ليست أما لأحد، بل حبيبة الكل، ولما انتهت الوصلة العيطية، كانت تبتسم للجميع، وهي توزع ابتساماتها الباذخة، كنحلة توزع شهدها، وقد سحرت المكان بسحرها الأنثوي الأخاذ، موسوعة عيطية تجمع فيها ما تفرق في غيرها من شيخات المنطقة: جمال الصورة، وخفة الحركة، وروعة الصوت وصدق العيطة..تعالى لها التصفيق والهتاف وتشبت بها كثيرون، تتلقفها غمزات الشباب وهمسات الشيوخ ..ولكنها أفلتت منهم بدبلوماسية المهنة..وحملت حقيبتها اليدوية وأخرجت منها أحمر شفاه، ورممت ما اسود من شفتين مكتنزتين مرتجفتين، بدلت السجائر بريقهما..ثم راحت تجول بين السكارى الذين كادوا يلتهمونها بنظراتهم النهمة.. كانت ترمق الناظرين بعينين ينعكس النور على زرقتهما الصافية ! رعشة طفيفة دبت في أهدابها المسبلة، وجهها المتوهج الحلو الملامح يعكس عذابا دفينا هائلا تدفنه ظلمة الليل، ونواح الكمنجة مع ندبة الشيخات، ويخمده عبث السكارى ومرارة الكأس.

كان الليل في أوله، وقد أسدل ستاره الأسود، السماء برغم الضجيج تحتها، إلا أنها تخلد إلى سكون القرية النائمة. تحت ضوء القمر الشاحب ونجمة الشمال المبرقة في كبد السماء، الخيمة تغلي من الداخل، أطفال يجرون حولها ويتعثرون بأوتادها وبحبالها، وجوههم البريئة تعكس ضوءها الأصفر الشاحب، رجال كبار السن يجلسون حول موائد صغيرة، غير بعيدين عن الحفل، نحبت الكمان ودقت البنادير وغنت الشيخات، واستبق الفتيان إلى الرقص، وشمل الفرح الخيمة والناس جميعا..في زاوية الخيمة يتربع “العلواني البصير” رجل كهل يربو على السبعين ذو وجه قمحي متجعد مقدود، يرتدي جلبابين واحدة فوق الأخرى، ويحيط رأسه بعمامة بيضاء يثبتها بين الحين والآخر، برغم أنها مستقرة ترجح كفتها إذا وضعت في الميزان أمام جسمه وملابسه جميعا، كان يجلس كحاكم متنكر في ثياب العامة، وضع بجانبه عدة الكيف -(سكين وسبسي مزخرف من صنع غجر دوار أولاد نهار، علبة وقيد مازال محتفظا بها، ويفتخر بها، عليها صورة السبع الذي دجنه –حسب روايته- الشيخ “بويا رحال البودالي” وأهداه لشركة لوقيد، “مطوي” مزين من جلد ثعبان)- يشرع في قص سنابل الكيف، يملأ الغليون (السبسي) يسلم “شقف” منه إلى “صالح ولد الحفيان”، -كهل في مثل سنه وجهه كضفدعة مسنة-، رأسه لا يتوقف عن الحركة، حليق الرأس والذقن كعادة الكهنة المصريين القدامى، نحيل الجسم، تلوح من عينيه نظرة حادة، تهزأ من فعل السنين، يشع منها الخبث والمكر..وجهه المتجعد الغائر العينين، البارز العظام لم يدع للموت شيئا يلتهمه-ليبدي رأيه في جودة المسحوق المخدر، يحدق في المسحوق بدعة وهو يحرك فمه الخالي من الأسنان كأنما يلوك شيئا وهميا، مكره يفوق مكر كل ثعالب الدنيا، رشف جرعة من فنجان الشاي، ثم بدأ يعب الدخان، يتوهج غليون السبسي، يقوس المدخن عينه الحولاء… ينفث الدخان إلى الأعلى، يعيد الكرة مرتين، في استلذاذ، ثم ينفخ في ثقب الغليون ليلقي الرماد شعلة متوهجة على تكشيطة الشيخة “رابحة” رغبة في حرقها، هي التي نفخت في رماد جمر مشاعره المحروقة، وهو يشير إلى”العلواني البصير” بأصبعه جهة المسحوق، وهو الخبير بمفعول هذه المادة المخدرة، يتلفظ ناصحا:
– خاصاه نغيزة، زيد شوية طابا، درحيه، درحيه…
تقف أمامه الشيخة “رابحة” أو “ربوحة” كما يحلو لها أن ينادونها، تطلب منه في توسل وذل وتدلل أن يمدها بالعشبة، كانت الشيخة الوحيدة بالمنطقة سمراء البشرة مكتنزة، لونها بين السمرة والسواد لذا ينادونها ب “الشكيليطا” سنها مابين الخامسة والعشرين والثلاثين، لكنها تبدو أكبر من سنها، كانت مليحة رغم سوادها، نجلاء العينين عسليتهما، متفلجة الأسنان، ذات ناب ذهبية، متنمصة الحواجب..ويزيدها القفطان الأحمر تأنقا، شعرها مصبوغ بلون أشقر لم يكن ينسجم مع لون بشرتها الذي يميل إلى العسل، ممتلئة حد البدانة تكاد رقبتها تختفي، لكنها لا تتنازل عن تطويقها بالسلسلة الذهبية، كأنها تبرز الحد الفاصل بين الرقبة وباقي مكونات الجسد الممتلئ عن آخره، كانت مرحة جدا، تضحك وتتضاحك، تتحف الحضور بنكاتها السمجة ومستملحاتها التي لا تنتهي، وجمالها المصبوغ ليس أقل زيفا من سعادتها، ما يزال في شبابها المتحفز للرحيل بقايا من جمال افريقي ناضج وأنوثة هامسة..هي الأخرى ضحية دكتاتورية ذكورية، وقد سبق وأن باعها زوج أمها إلى عجوز دفع أكثر، شيخ هرم مدبر، قلما يعنى بمثلها مثله، لتترمل بعد سنة من زواجها إذ لم تحتمل الشرايين الباردة لقلب زوجها المسن، غليان دمائها الحارة، فاستقال من الحياة راضيا بمسك الختام، كموت هانئ في حضن صبية..ودفنت كرامتها وهي مراهقة..لقد ماتت كرامتها منذ أن تزوجت الكهل..وهاهي الآن بعد موته تدفن أنوثتها وسط أعقاب السجائر وكؤوس الخمر، والنظرات الشبقية لسهارى الليل..
يمد لها “العلواني البصير” الغليون المملوء بمسحوق الكيف والطابا بعدما أشعله ومج منه نفسا عميقا، تلقفته منه في لهفة، فدخنته واقفة أنفاسا متلاحقة، وتألقت بشرتها السمراء تحت ومضات النور الأعمش وبدت كأنها النبيذ وراء البلور..أرجعت له الغليون وتبسمت له وغمزته في إيماءة شكر وعرفان بالجميل.. وهزت عينيها ملوحة إلى شيخها “الكومنجي”، والذي سايرها العزف في وصلة “الحساب الزعري”، وهي تعيط وتتغزل، مادحة لون بشرتها العسلي :
– نعاس الكحلة …شحال كيحلا
– حب العزاوة…..داير غــــــزاوة
– بايتة نتمرمد…مع وليد العبد
– وخا ضراوي وعنطيز….في القليب عزيز
…يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى