شعر ورواية

.قصة (عروس المقهى …) من المجموعة القصصية (العيطة والغيطة) للحسين السطاتي

شيخ العيطة : الحسين السطاتي

عروس المقهى ….
بداية فصل الصيف، الجو بين معتدل وساخن، اليوم أحد بالمدينة الحالمة، المقاهي والمتاجر تفتح أبوابها، أخرجت النادلة “سعاد” المقاعد والطاولات، وسوتها بفضاء المقهى بعدما نظفت الأرضية ومسحت واجهة الزجاج لاستقبال الزبناء، كانت في العشرين من ربيعها، فتاة قروية دخلت المدينة في ريعان شبابها تنشد التمدن، معجبة بقصة شعرها المربعة والذي غيرت لونه إلى الأشقر “المزعر” بفضل صديقتها الحلاقة التي تجمل وجهها كلما سنحت الفرصة لذلك، ملابسها مثيرة تظهر جل مفاتنها، نزولا عند رغبة وأوامر مشغلها صاحب المقهى، واستدرارا لشهية بعض الزبناء الذين ينفحونها بدريهمات البقشيش.
الساعة تعدت الحادية عشر صباحا بقليل، المتواجدون بالمقهى في تزايد، دخل “حميد” الثلاثيني يتأبط الجريدة ممسكا بيده اليمنى رزمة مفاتيح وبيده الأخرى جهاز هاتفه المحمول وجريدة، في أناقة زائدة ببذلة كلاسيكية وربطة عنقه حمراء اللون أضفت على وسامته شيئا من الأهمية الإدارية، جلس بالفضاء الخارجي بل الملك العمومي المحتل والمحادي لقارعة الطريق حيت أوشكت الكراسي أن تلامس القارعة، وضع رجلا على رجل ثم شرع يجيب في هاتفه بفرنسية لم تعرفها هي غير المتمدرسة، والتي لم يحالفها الحظ في تلقي أبجديات العلم لانعدام المدرسة بدوارها.
ركزت نظرها على الزبون الجديد، أعجبتها وسامته ورشاقته، أخذتها لحظة شرود، تخيلته فارس أحلامها، وتصورت يدها في يده وهي في لباس العروس، والنساء وبنات الدوار يزغردن و يضربن الدفوف و”الطعارج” ويصلين على النبي، تذكرت الحلم الذي أسرت إليها به أمها خلال زيارتها الأخيرة لها في الدوار، حيت قصت لها ما حلمت به في منامنها، بأنها رأت ابنتها “سعاد” وجدت مفتاحا، وأن ذلك المفتاح روعة من الجمال، ويقال أن المفتاح في الحلم هو العريس، وها هو المفتاح يحمل رزمة مفاتيح، وقد وضعها أمامه على الطاولة وشرع يتصفح الجريدة، إلى أن أخذتها من شرودها الفتاة المسيرة للمقهى مخاطبة إياها بلغة آمرة:
– تحركي خلاص شوفي السيد أش يشرب؟
توجهت إليه في غنج ودلال بدوي، اقتربت منه، رسمت على وجهها ابتسامة عريضة، تليق بزبون محترم، انحنت تمسح الطاولة متعمدة إبراز نهديها شبه العاريين، عارضة سلعتها الطرية، لفحتها رائحة عطر، وقبل أن تبادره بسؤالها عن طلبه، رمى سهام عينيه إلى تنورتها القصيرة، وبلغة مأذبة بادرها :
– سمحي لي اختي ايلا كان ممكن شي قهيوة مهرسة في الطاس.
أعجبها تأدبه، أناقته، شياكته وابتسامته، لتستشيره بعدما أزاحت خصلات من شعرها كانت نافرة أمام وجهها، وقالت بنبرة أقرب إلى الهمس:
– بغيتيها خفيفة ولا قاسحة؟.
– بغيتها بحالك… وأردف مبتسما:
– خفيفة وزوينة ، تكون تشبه لك.
أعجبها تغزله، ابتسمت له وهزت عينيها لترى إن كان هناك زبون يطلبها، ثم غادرته و كلها نشوة، متوجهة بأرداف ممتلئة متراقصة إلى الفتاة المتواجدة خلف “الكونتوار”، المكلفة بإعداد الطلبات، فأخبرتها بالمطلوب:
-قهوة مهرسة خفيفة وديريها في الطاس ديال البنار اللي كيشرب فيه الحاج الباطرون.
توجهت لتقضي طلبات باقي الوافدين عن المقهى، تسافر بين الطاولات، توزع ابتسامتها الباذخة على جلسائها من الرائعين والتافهين، كانت تتابع نظراته إليها التي كان يرسلها من تحت الجريدة التي يدفن فيها وجهه، بادلته ابتسامات ونظرات غزل مغناجة، رأته يخرج قلم حبر ويخط به على الجريدة، وبخفة قدمته عن سابقيه من الزبناء، وضعت أمامه القهوة في الكأس البلوري، فتح علبة السجائر وجدها فارغة، ليتأفف في حنق:
-أوف اختي.. تأفف وسكت وهو يضع قطعة السكر في الطاس.
– سعيدة… قالتها هامسة بدفء وحنان، وابتسامة حلوة تسبقها، إنه اسم شهرتها، بدلا عن “سعاد” اسمها الحقيقي الذي ينادونها به في الدوار.
و هو يحرك قطعة السكر في الطاس بالملعقة، قال يتصنع الإعجاب:
-الله يسعد أيامك، اسم جميل ، والله يخليك ايلا سمحتي شي خمسة مارلبورو. قال عبارته وهو يحك قفاه، ويتفحص قوامها الممشوق.
اقتربت منه أكثر، لامس فخذها فخذه، أكثر من مرة، فلم تبعده، ولم تبدي أي نفور، بل أحست أنها استلذت مثله ذلك، و عيناها إلى الداخل تسرقان النظر إلى الحاج”الباطرون” صاحب المقهى، لتفادي شره، ومخافة أن يكون مصيرها الطرد من العمل.. سلمته السجائر مضيفة في دلال بدوي ظاهر:
– بالصحة والراحة والله يعفو عليك.
رشف جرعة من القهوة، وقال منتشيا:
-الله يعطيك الصحة، كاس زوين ولكن أنت زين منو.
ثم أضاف قائلا بعدما سوى ربطة العنق:
– ايلا سمحتي، عندك شي وقيت عشية.
برمت بيدها خصلتي شعرها، منتشية بمجاملة ضيفها، وبذكائها البدوي عرفت أنه صار خاتما بأصبعها، ودون طلب منه أملت عليه رقم هاتفها المحمول، وعلى وريقة من الجريدة كتب لها رقم هاتفه. رقص قلبها نشوة من فرط السعادة، أحست بلذة عجيبة، تركته وانصرفت تحوم حول الطاولات كالفراشة.
الشارع يغلي بالمارة، أشعل سيجارته، شرع يمجها في تلذذ، وهو ينز القهوة، ويتابع حركات سعيدة السعيدة بين رواد المقهى الذين زاد عددهم، وغصت بهم جنبات المقهى. ماسحو الأحذية يطوفون بصناديق خشبية صغيرة، كلما وقف أحدهم أمامه، ودق على صندوقه، أشار له بيده إشارة متعالية متعجرفة لينصرف. أتم شرب القهوة، وفي خلسة لملم الكأس البلوري في قطعة من الجريدة القديم تاريخ صدورها، دسه بحذر في جيبه، استغل الغفلة، ترك الجريدة ورزمة المفاتيح، وقلم الحبر الرخيص، ثم انسل واختفى وسط حشود المارة.
و هي قادمة له بكأس الماء لم تجده، التفتت يمنة ويسارا ، لاحت بصرها داخل المقهى، فلم يظهر له أثر، وضعت الكأس إلى جانب الجريدة ورزمة المفاتيح وقلم الحبر، لكنها لم ترى كأس”البنار” كما تقول، دق قلبها وجف حلقها. أحست بسائل بارد ينز من ظهرها، وبخفة أخرجت هاتفها النقال، ركبت الرقم الهاتفي الذي خطه لها على وريقة الجريدة، لتفاجأ بجواب صوت الفتاة الالكتروني.
– يتعذر الآن الاتصال بمخاطبكم، يمكنكم إعادة النداء لاحقا.
التفتت يمينا و يسارا محملقة، باحثة عنه، لكن دون جدوى، اختفى العريس، تلاشى حلمها… لاحظت زبونا جديدا مهندما في بذلة كلاسيكية وربطة عنق زرقاء، يجلس للتو على نفس الطاولة، رفع عينيه إليها مبتسما ومخاطبا:
-اختي الله يخليك، ايلا سمحتي شي قهيوة مهرسة في الطاس، ثم أردف باسما:
– وتكون قاسحة بحالك.
دون أن تشعر بما ستقدم عليه، والشرر يتطاير من عينيها الملتهبتين، هوت سعيدة بل التعيسة، على رأسه بالصينية وهي تسب وتشتم وتلعن، إلى أن قدم الحاج صاحب المقهى مهرولا:
-أش درتي يا المسخوطة، هذا راه لاجودان ديال الجدارمية صاحبي “سي الحسين”، راك مطرودة من الخدمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى