حضور المرأة في فن العيطة والتمتع بحريتها

جسر التواصل12 ديسمبر 2020آخر تحديث :
حضور المرأة في فن العيطة والتمتع بحريتها

شيخ العيطة الحسين السطاتي

الفن عموما هو إبداع الجمال، وهو التعبير عن الفكر أو الشعور، في صورة تبدو جميلة، فتثير فينا هزة، هي هزة الفرح الفطري، التي تثيرها المرأة في الرجل والرجل في المرأة..ولم ترتق أمة وتنل عظمتها بين الأمم إلا بالفنون، فالفن قوام المدنية وعامل أكبر في حضارتها ورقيها، وتعتبر الموسيقى فن من الفنون الجميلة، وهي مرآة لحضارة أية دولة كانت، فهي تعكس للناس مدى حظها في الرقي أو التخلف..ولا يمكن أن تقوم نهضة موسيقية إلا في دولة ذات قيم حضارية تحترم الإنسان رجلا وامرأة..والموسيقى لغة عالمية بل هي اللغة الوحيدة التي تفهمها كل الشعوب على اختلاف ثقافتها، فرُقي الشعوب من رقي موسيقاها ورُقي الموسيقى من رقي الشعوب.. والأغنية بما فيها من موسيقى وشعر وألحان وإيقاعات وأوزان، هي جزء لا يتجزأ من ثقافة الأمة، والينبوع لكل ازدهار ونماء، هذا الفن الذي يشارك في خلقه وإبداعه كل من الرجل والمرأة على حد سواء، هذه المخلوقة التي لها حضور عميق يعكس برمزيته معنى الحياة والطبيعة، والأرض والخصوبة، والجمال والمحبة.
والمغرب بلد غني بثقافته الشعبية وبثرائه الغنائي التراثي الذي بُني على الرجل والمرأة، وتتميز الأغنية الشعبية المغربية بتعددها وبطابعها الإزدواجي: أغنية عامية عربية، وأغنية عامية أمازيغية. فالأغنية المغناة باللهجة الدارجة العربية لها إطار جغرافي يتميز بالاتساع حيث تحيطه السهول الغربية وحوض سبو، وحوز مراكش، ومنطقة خريبكَة وأبي الجعد حتى مدينة بني ملال.. ويتوزع المشهد الطبيعي في هذه المناطق بين السهول والتلال، بين البلاد الساحلية والبلاد القارية، وكل هذه العوامل أثرت على أسلوب الأغنية في هذه المناطق، وفيما يتعلق بالأغنية الأمازيغية فهي تتمركز على العموم بالجبال، بما في ذلك جبال الأطلس وجبال الريف. ومن بين أشكال الأغنية الشعبية المغناة بالدارجة العامية المغربية نجد فن “العيطة”، هذا الفن الذي يؤدى من طرف رجال ونساء، أشياخ وشيخات. يشتركون في النظم والعزف والرقص والغناء على حد سواء، في مساواة بين الرجل والمرأة بدون تمييز ولا تميز، ولا عنصرية..وفن العيطة هو فن شعبي تحطمت على أعتابه كل العقد الذكورية التي فرضت على المرأة قيودا وأغلالا كثيرة، ومتنوعة أساليبها ومضامينها، فتارة باسم القيم والأخلاق وتارة أخرى باسم الدين، وتارة ثالثة باسم العادات والتقاليد. فيا ترى ما موقع المرأة داخل فن العيطة؟ وما هي مواطن جمال المرأة المغربية التي ألهمت الشاعر العيطي وشغفت قلبه وجعلته يتغزل بها؟ وإلى أي حد ساهم هذا الغناء في حرية المرأة؟ وهل هذه الحرية كانت على المرأة نعمة أم نقمة؟
“وإن هذا الغناء الذي يطلقون عليه اسم العيطة، وأحيانا أسماء أخرى للتمييز، هذا النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية- الأنثوية والذكورية- والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافق، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموما، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”. المرجع: الباحث الدكتور حسن نجمي في كتابه بعنوان: “غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب 1″، الصفحة 17.

 

لنلقي نظرة خاطفة على هذا الفن الغنائي التراثي، ففن العيطة كما هو معروف؛ غناء شعبي تراثي مركب، يجمع بين الموسيقى والغناء والرقص، فن واكب مجموعة من التطورات الاجتماعية التي انطلقت من مخالطة اللسان العربي بصفة فعلية لسكان كثير من المناطق المغربية الأطلسية، التي تقع خلف الهضاب الأطلسية، عند أقدام جبال الأطلس المتوسط، إلى منطقة الغرب، وإلى تخوم جبال الريف بالشمال، وكذلك أقدام الأطلس الكبير في فسحة الحوز ثم إلى منطقة تافيلالت سجلماسة، وكذا فيما يليها المناطق المجاورة بما في ذلك؛ الشاوية، ودكالة وعبدة إلى حدود مناطق حاحة..وفنيا هي فن شعبي مغربي- موسيقى وغناء ورقص- يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، وتحتوي على مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. وهي في الأصل أغنية تراثية محلية، كلمات وموسيقى وألحان ورقصات، تختص بها كل منطقة على حدة، وتختلف من منطقة إلى أخرى. ومواضيع مختلفة منها السياسي والاجتماعي والعاطفي، قد لا يدرك لكلماتها معنى من غير أبناء تلك المنطقة، سوى من كانوا مولعين أو مهتمين أو باحثين في التراث العيطي..ويشغل الغزل من الفن العيطي حيزا مهما واسعا حيث يكاد يكون الجزء الطاغي من هذا التراث، فقد برزت المرأة في هذا الفن بشكل قوي، ووجود صوتها صادحا نائحا منذ عقود خلت، دليل على فرضها لوجودها، ذلك الصوت الذي يبرهن على فعل كينونتها في الحياة، سواء كانت هي الصوت المباشر الذي يعبر عن قوته ووجوده، أو بصفتها مادة أدبية زجلية من خلال القصيدة العيطية التي أظهرت تأثيرها وقوتها سواء بصوتها أو بصوت الرجل.
إن فن العيطة يشكل صرخة الإنسان القروي، الرجل والمرأة على حد سواء، وهو نداء القبيلة والاستنجاد بالسلف، لتحريك واستنهاض الهمم، واستحضار ملكة الشعر والغناء.. فهو نداء كتعبير عن ألم مشترك، وعن الحب بلذاته وعذاباته..أشعار تغنى باللهجة العامية المغربية ضاربة في عمق البداوة الريفية، تحمل قيما إنسانية قوية، مازالت تصدح بها حناجر المغنيين من أشياخ وشيخات إلى يومنا هذا..فهو تراث أصيل ومعمر وفن حي متحرك ومتجدد. فن يجمع بين الأصالة والحداثة ليؤكد أصالته في أشكاله وقوالبه الموسيقية التقليدية، كما يؤكد حداثته في الاستفادة من الأحداث والوقائع كعوامل مثيرة للإبداع والتجديد والإنتاج، وقد سيطرت المرأة على النص العيطي، فاستطاعت أن تفرض نفسها وحضورها القوي، إما بصوتها الصادح الناحب، الباكي والشاكي.. أو كمادة شعرية غنائية من خلال صوت الرجل الذي اعتنى بذكرها في أبيات كثيرة متفرقة في قصائده العيطية. وقد ساهم فن العيطة من موقعه في حرية المرأة سواء بصفة مباشرة كفنانة فاعلة في الميدان الفني “شيخة”؛ “عياطة” و”طباعة”، زجالة ناظمة للكلام، وموسيقية ومغنية وراقصة، تمثل نمودجا للمرأة المتحررة لتصل في نظر البعض إلى تلك المرأة المتهتكة، أو كمادة نصية وصورة جمالية للتغزل في المتن العيطي الذي يبرز كينونتها المتحققة والمؤثرة والملهمة..
وتعد المرأة ركيزة أساسية في معظم قصائد فن العيطة، سواء قصد الزجال العيطي “الكَوال” المرأة بأبيات مستقلة، أم رمزً غزله بها من خلال مشاهد عديدة، وهي تشكل ركنا مهما في الحياة الريفية، تشارك الرجل في جل الأعمال الفلاحية، والزراعية، فهي الأم والأخت والبنت والزوجة والحبيبة.. الفلاحة، والنساجة الحياكة، والطباخة والمربية المعلمة، والشاعرة الزجالة، والمغنية الراقصة “الشيخة”، تلك المتحررة العارضة للأزياء والمتمردة على الرجال والنساء..فافتتن بها الفنان العيطي الشيخ نظام لكلام وهام بها، ووصفها في كل مناسبة، وأحبها واحترمها وأنزلها المنزلة الرفيعة التي تليق بها.
وفن العيطة هو فن بدوي بامتياز، والبدو الريفيون ذو نفوس حساسة وأذواق لطيفة، لا يعرفون مظهرا من مظهر الجمال خيرا من المرأة، فهي المثل الأعلى للجمال، فإذا ما رأى أحدهم الجمال أخذ بشغاف قلبه، وملك عليه مشاعره، وإذا فارق من أحب جاشت مراجل الحب في نفسه، وخرج من فمه ما يختلج بداخل نفسه من آلام البعد، وتباريح الشوق، وغالبا ما نجد العيطة المرساوية تبدأ استهلالها بالغزل كما هو في عيطة “الغزال”:
أهياوين أهياوين…ويلي يايلي
داز ما كلمتو…هيا واهيا
ونعس ما فيقتو…ويلي يايلي
يا مالي ما شفتو لغزال يا صحاب الحال يا سيدي..سيرا واهيا
مالي لغزال غادة كاين شي صيادة مالي… سيراواهيا
سيدي عيون وحجبان شاغلين البال يا سيدي…سيرا واهيا
ونجد أن الشاعر العيطي قد بث من خلال مطالع قصائده، عاطفته ومدى حبه من وصل أو هجر، ومن سعادة أو شقاء ،كما نجد ذلك في مقدمة عيطة “ركوب الخيل” تلك الرائعة المرساوية :
ايلي ياييلي …مال حبيبي مالو عليا ما بيدي ما ندير ياسيدي
واهلي واهلي …دار براسو كَاع ما عرفني بلا حيلة بلا سباب عداني
يا الحباب يا الخوت..سيادي صياد الحوت ما يتساهل موت، كل شي يفوت يا سيدي
هايلي هياييلي…رياض حبيبي فيه شي بولات نارو كَدات يا سيدي
كويتيني وشويتيني وشطنتيني…داري مقابلة دارو..الحبيب شاعلة نارو..
ونجد عيطة “ألباس” من العيط المرساوي، حيث يصف الزجال العيطي محبوبته من الرأس إلى القدمين، في وصف دقيق، تلك المعشوقة الصافية البشرة، التي سلبت عقله، أحب فيها شعرها الأسود الفاحم المتموج والطويل الذي له لون طائر الغراب ويشبه ظلام الليل؛ ( الشعر كحل غري غراب زاد العذاب..مخبل ومسبسب وطويل كظلام الليل)، وعيونها السوداء، واصفا جمال الخد والفم والرقبة والعنق والصدر والنهدين، وتوله الشاعر العيطي المرساوي بالبطن، واحتل وجدانه الشعري السمين والممتلئ مع ضمور في الخصر، فشبه البطن وطياته بالأقمشة ؛ (الكرش شقة مزوقة مفرشة في الحلقة)..وافتتن بالقامة الرشيقة، مشبها لها بالسمكة التي تعيش خارج الماء؛ (الزين ولقوام حوتة بورية)، وتمشي المعشوقة قطف المشي قريبة الخطى، البطيئة السير التي تمشي على مهلها دلالا وتغنجا منقوشة الأقدام بالحناء، والتي تشبه الحمامة الوديعة في لون الطوب؛ (الحنة في لكَدام والمشية حمامة طوبية)، كما هو مبين في المقطع التالي من عيطة “ألباس”:
ألباس أيلي ياييلي يا لباس…ألباس والو باس ما كاين باس
ألباس أيلي ياييلي يالباس…ألباس الحب والهوى معذب شي ناس
أنا جيبو ليا الزين الصافي زين السمية…جيبو ليا الزين هو عقلي وعينيا
الشعر كحل غري غراب زاد العذاب..مخبل ومسبسب وطويل كظلام الليل
حبيبي عينو حكلة وحاجبو خروبي…سيدي خدو وردة مفتحة في الجردة
يا مالي فيمو خاتم داكَها مكاوي…السنين جوهر وريحتو ورد مقطر
الشفايف حمرة بلعمان صباغة الرحمان…واللسان شهدة لعسل بلا قريص النحل
الركَبة غرسة مفتحة في العرصة…حبيبي في صدرو بيضات مسلوقات منقيات
كرشو شقة مزوقة مفرشة في الحلقة…ولحزام ولتحت تما تلفت ما بقيت عقلت
الزين ولقوام حوتة بورية….والحنة في لكَدام والمشية حمامة طوبية.
لقد اقتصرت أغلب القصائد الغنائية العيطية المرساوية الغزلية على وصف الجمال الخارجي للمرأة، بما في ذلك جمال الوجه والجسم والمظهر الخارجي، وقد نجد الزجال العيطي يصف هذا الجمال بدقة، غزل يفيض رقة وعذوبة، ولطالما كانت المحبوبة، كما يرى هذا الزجال، توحي بالاحترام مع جمالها الذي لا يقاوم، هذا الحب الذي ينهك صحة المحبوب..وتطرق أيضا إلى وصف ما ترك هذا الجمال من أثر في عواطفه ونفسه، ثم بعد ذلك نجده يعرج على ما خلفه في نفسه رحيل محبوبته من حزن كبير وألم عميق، كشفتها عنه الدموع الحارة التي ذرفتها عينيه شوقا واهتياجا، كما تصف العيطة الصورة الانهزامية للرجل أمام المرأة، ذلك الطالب ودها، والمرتمي في أحضانها، والمفتون بها، والهائم في سحرها والمرتجي عطفها.. ونجد هذا مذكورا في العيطة المرساوية “الكافرة غدرتيني”:
الكافرة غدرتيني…أش بلاني بيك حتى بليتيني..أنت كَولي متايبة لله
راني بايت كنتسنى…وقليبي ما تهنى… هذا عار الله حني فيا
يلاه نمشيو للواد…نديرو تما ميعاد…منبقاوش ديما بعاد
من صاب يا من صاب…نبقاو ديما صحاب..احباب ديما قراب
ايلي هياييلي..ايلا ما جيتي نحاسبك بدنوبي. عطيتي عاهد الله خاصك توفيه
لعدو يا لعدو..لعدو يا لعدو …لعدو يا لعدو
لعدو يا لعدو لوح سلاحك وآجي نتفردو…آجي نتفردو نتجردو ونتمرمدو
راني مكنتش ناوي حبك جابني…حبك عذبني وقلل صحتي
حبك سكن الدات قاس الكبدة دمات..حبك رشى لعظام يا حطب جهنم
ايلا كان كَلبي حجر…كَلبك أنت صخر
لوكان لبكى يصبر…نبكي عام وشهر
بكايا وشكايا…عليك مولايا
بكايا وشكايا…على صحاب الحال
حبيبي دموع الحب…تطيح كلعنب
سيادي دموع الكية…تسرسبو ليا
وأحب الزجالون العيطيون في المرأة الوجه الصافي النقي، والوجه الذي تشوبه سمرة قليلة “الحمراء”، والقامة الطويلة، كما نجد ذلك في العيطة الحوزية، في مقطع من عيطة “حادة”، مع عدم التميز والتمييز بين لون البشرة بلا تفاضل ولا عنصرية، حيث يصف قوة وجمال المرأة البيضاء والسوداء على حد سواء:
البيضا ايلا دارتو..تستاهل ايلا دارتو
كيف القالب هرسو مولاه…وداه للجماعة يتعنا بيه
الحمرة ايلا دارتو…تستاهل ايلا دارتو
كيف المنجل زندو مولاه …وداه للحصادا يتعزرا بيه
حادة يا حادة…هي والنخلة مكَادة…خلات السارح بلا غدا
وتختم العيطة الحوزية بالسوسة:
الحوز الحوز ما سخينا بفراقو…بناتو هايجات وأولادو زينين.
ونجد الشاعر العيطي الزعري ينظر إلى المرأة من خلال ملامح بعض الحيوانات الجميلة التي تعيش في بيئته كالفرس والحصان “العود”، والطيور الجميلة المغردة كطائر الحسون “سطيلة” والحمام البري الهادل “كَريكَر”، والحجل، والغزال، والخروفة..هذه المخلوقات التي تملأ عليه حياته وتشكيلات حواسه، وقد كان من الطبيعي أن تكون هذه الحيوانات هي مقياس التشبيه الذي يقيس به الشاعر العيطي المرأة في جمالها، وشغفه وهيامه بها..حيث نجد في عيطة “الحساب الزعري” من العيطة الزعرية، العديد من الأبيات الشعرية “الحبات” كالتالي:
كَولو لسطيلة…تطل ع طليلة
كَولو لكَريكَر…را لكَليب تضر
بعيني شفت البيض…في لكَواشش نايض
حبك كَرحني…زيد صارحني
مزوقة كالخروف..جامعة لحروف
الخروفة معروفة…ع من القنوفة
لحمام ولحجل…من الباب دخل
سولو عوينات لحمامة..فين خدامة
هبلني ومحني…لحمام لمحني
حبك كواني..وزاد سطاني

هذه عشرة أبيات من مئات بل من آلاف الأبيات من عيطة “الحساب الزعري” التي تغنى بها الفنان العيطي وهو يتغزل بمحبوبته، يصف صور المرأة المعشوقة التي تسيطر عليه، وتسلبه عقله، وتشغل تفكيره، وتستحود على اهتماماته، وتكون السبب في تدهور حالته الصحية.
كما نجد في غناء العيطة غزل صريح حسي فاحش، وغزل وجداني عاطفي، حيث يتخذ الشاعر العيطي من المرأة تارة طابع التكريم والتقدير، وتارة أخرى طابع الابتذال والمجون، ثم ما لبث الذوق أن تحول إلى البطن الضامر ففي الرشاقة جمال أخاذ، وفيه بعض مكامن القوة والإثارة والاشتهاء، ولنا في عيطة “الغابة”، من العيطة الغرباوية، صور شعرية رائعة في هذا الغزل:
الحمام اللي في لرسام…قرا لوحيدة السلام
سبع سلامات في سلام…لفحل مولاي عبد السلام
ياك العظة في الشنايف… واللذة في اللسان
فيمها كالملوية… يحلل الصيام
لا تغرك لغليظة راه البنة في لعظام..طويلة وجبوجية تنفع في الزحام وتحللي ليام
وفي مقطع آخر من نفس العيطة نجد:
ايلا مت بين يديك قبري جيريه…ويلا عشت حرام عليك قلبي تغيريه
ايلا جاب الله الموت…حفرو قبري في طريق…وديرو لحجر عليه
وديرو الشاهد صابرة…وتكون الحبيبة حاضرة…والمقاصة حاضرين
وفي مقطع آخر من هذه العيطة “الغابة”، نجد أن الجوانب الخلقية والجمال النفسي للمرأة، لا يقل أثرا في نفس الشاعر العيطي عن جمال الجسد، بل لعله أعمق منه وأقوى اجتذابا، فالمرأة العفيفة والمتمنعة هي أسمى وأكثر تفضيلا لدى الرجل:
حبك عذبني وقلل صحتي…يا وحيدة حرام عليك ديتي محبتي
مكَواني يا مكَواني…حبك هبلني وسطاني
والله ما ننساك ولا نقطع رجاك…حبك الشاغل بالي ديتي عقيلي رديه
زينك جاني اعجوبة بين كدا وسهوبة…خيالك كالفقيه اللي حاضي لكتوبة
لالة كنت بلا حراز…علاش وليتي مكسوبة.
كية على كية وزدتيني نتيا…مللي شفتك يا الكَمرة ما مشيت لوالديا
ديرو سلوم طلعوني نشوف…نار غزالي گادية في الجوف
ديرو سلوم وهزوني نرگب…نار المحبوب شاعلة في الگلب
وفي العيطة البلدية الجرفية الفيلالية، تلك العيطة الصحراوية السجلماسية، لم تعد المرأة يستهل بها القصائد الغنائية فحسب، بل نجدها صارت تحتل قصائد كاملة، فنجد الشاعر العيطي الصحراوي أخص عضو العين بعيطة تحمل اسمها “عيطة العين”، بصفة العين الطبيعية “عين الماء” مصدر مياه الخير والحياة الخصبة، والعين البشرية مصدر الجمال الفاتن للمرأة، ومصدر الشر والحسد..فالمحبوبة الصحراوية في الغالب سيدة معتبرة في الصحراء، وتمة ملامح عدة تشير إلى ذلك، فهي بنت قوم محترمين، رفيعة النسب وعالية الشأن، ومن المتفق عليه بين الزجالين الأشياخ العيطيين الصحراويين، أن تكون المحبوبة حوراء، بيضوية الوجه، أسيلة الخد، وطويلة القامة كالنخلة “نخلة محنية”، وقد صور الزجال العيطي الفيلالي حبيبته بدينة سمينة تمثل الخصوبة والأمومة، وضخمة الأوراك، عظيمة العجز ثقيلة الأرداف كالناقة المليحة “ناكَة جرفية”، وذلك لتأثره بالبيئة والقيم الصحراوية، فبدانة المرأة الصحراوية دليل على ترفها وغناها وحسن نسبها. كما أحب الشاعر العيطي الصحراوي العيون الحوراء الجميلة الواسعة التي فيها أو في طرفها حور، وقد شبه عيون المرأة بعيون البقرة الوحشية “بكَرة وحشية”، لسعة عيونها حيث تمتاز البقرة بسعة العيون وشدة سوادها ونصاعة بياضها. فكانت محبوبته هي تلك الواحة التي يلجأ إليها في صحراءه، ونجد هذه الأوصاف في “عيطة العين”:
عينيا آه يا عينيا…..عيني عينيك عجبو عينيا
عينيا آه يا عينيا…عينيا ايلا وتيت سامح ليا
سامح ليا بضاض ..ما عمل لي شرعية
سيدي بضاض صعيب.. والربطة زغبية
سيدي العين الكحلة.. صردية حورية
مالي والعين واسعة.. بكَرة وحشية
عين مسكي الحيـــــــة…..وسط الجبال مبنية
نخلة عالية محنية……الميهة صافية ونقية
الخدود الوردية….العيون الحجلية
ولحزام والمشية…ناكَة جرفية
لحناني صحراوية….الكاس والصينية
بلاد النخلة….بلاد النعمة..بلاد الرملة
بلاد التمرة….بلاد الصحرا…بلاد الخضرا
قليبي مكَواه….الزين كواه….والعين دواه
قليبي مكَواه….خرج من جواه….من غير هواه..ع الرجا في الله
العين كحلة بلا كحل تهبل وتقتل…..العين كحلة بلا مرود تداوي وتمرض
الحاجب نخلة مخلخلة دايرة خبلة ….الخد وردة بلا ندى مفتحة في الجردة
الشعر كحل غري غراب زايد العذاب….الشفايف حمرة بلعمان صباغة الرحمان
على دوك العينين المخبلين ديما جدبانين…على دوك العينين المحورين مركَد الزين
عيون وحجبان شاغلين البال فاقصين العديان…الزين الصافي زرب كتافي الهمة والشان
سيدي الله يبليك ما بلاني وتجرب حالي…يا اللايمني في حالي خليني في هبالي
الله يشربك من مايا وتفهم لغايا…الله يدوقك من طعامي وتفهم كلامي
الله يبليك ما بلاني وتحسن عواني…الله يدخلك من بابي وتجرب عذابي
والشاعر العيطي بإحساسه الرهيف بكل ما في نظرة المحبوبة من عطف وحنان وسحر، واشتداد وجد ومحبة، قد أثر في وجدانه الشعري، بالاستجابة والتفاعل بتذوق الجمال وسمو الرؤية الحسية، لكن حين ينشد التعبير عن نظرة هذه العين الثاقبة الواسعة الفاتنة، وهذه النظرة العميقة النافذة التي سببت جراحا خفية للشاعر، وهذا الفيض من الحنان الذي يشع منها نجد الشاعر العيطي يرمز إليها ويعطيها عدة تشبيهات:
عينيك عينيك جابو الهوى من شيشاوة…عينيك عينيك ردو الغاشي وهو ماشي
عينيك ملاح قهروني مخلاوني نرتاح…عينيك سلاح في قليبي زادو لجراح
عينيك ماس جرحو الكبدة ولقليب تقاس.. عينيك قرطاس سهروني بيتوني عساس
عينيك نسور صيدو الزرور من فوق السور…عينيك بحور ميهة صافية يداويو المضرور
عينيك سيوف طعنو الجوف مبقيت نشوف…عينيك نبلة في قليبي دارو خبلة
إن هذه الأبيات من عيطة “العين”، من العيط الفيلالي الصحراوي، نجد كذلك بعض هذه الأبيات في العيوط المرساوية؛ عيطة “عريس الخيل” وعيطة “ركوب الخيل”، وعيطة “ألباس”، وعيطة “عشاق الخيل”،..وقد نجدها في أنواع أخرى من الغناء العيطي.
واستمرت المرأة بكونها ملهمة لروح الشاعر العيطي، حين أمعن النظر في جسدها وتمادى في التعبير عن ميله لهذا الجسد بما فيه من إغراء وفتنة ألهبت أنينه وأيقظت حنينه، فكشفت ظنونه ونواياه، وبذلك فالحضور الأنثوي هو الذي يبرهن على دور المرأة في النص العيطي، ودورها في الحياة اليومية المغربية، وتثبيت فكرة الصوت الأنثوي الجهوري من خلال صوت الشيخة، أو حضورها في الغناء من خلال الصوت الذكوري للمغني “الشيخ العيطي”، لقد تغنى شعراء العيطة في المرأة، فأجاد الكثير منهم وصف ما أحبوه فيها وخاصة مفاتنها، وما سحرهم فيها، فنظموا وأبدعوا مواطن الجمال في هذه المخلوقة.
لقد كانت المرأة ولازالت، وستظل قبلة المحبين، وغاية العاشقين، وملجأ الملتاعين، وملهمة الأدباء والشعراء والفنانين، فمنذ قرون خلت كانت السمة الغالبة للمرأة المغربية الريفية البدوية بأنها تلك الأنثى المقهورة والمغلوب على أمرها، المحرومة من الحقوق والمسلوبة الحرية، – ومازالت إلى اليوم تناضل من أجل أن تنال حقوقها كاملة، رغم ما حققته من حقوق وحرية نسبية- كان في ذلك الأمس البعيد القريب نساء مناضلات لعبن دورا في الحياة النضالية والتحريض على المقاومة ضد المستعمر الأجنبي وضد الظلم والطغيان والقهر، وفنانات شاعرات مبدعات، وإن كان هذا الدور لا يصل إلى ما وصلت إليه المرأة المغربية في عصرنا الحالي، فقد كانت نساء “شيخات”، شاعرات، موسيقيات ومغنيات، منهن نذكر “حادة الزيدية” الملقبة ب”حويدة خربوشة”، شاعرة ومغنية قبيلة أولاد زيد بمنطقة عبدة، وذلك بنظمها لكلام ثوري تحريضي وهجائها للقائد عيسى بنعمر، وتضحيتها من أجل قبيلتها حيث تحكي الرواية نهايتها التراجيدية على يده بعدما دفنها حية بالحائط، كما نجد الشاعرة الشيخة “امباركة لمبيهيشية بقبيلة بني ملال التي نظمت العيطة الخالدة الشهيرة “الشجعان” التي كانت تدعم رجال المقاومة وتشجع على التضحية والجهاد في سبيل الوطن. وعبر مرور السنين كانت المرأة “الشيخة” مشاركة للرجل “الشيخ” في جل الأعمال الفنية التي تخص فن العيطة، من نظم لكلمات الزجل والعزف على الآلات الموسيقية، وغناء لمتون عيطية ورقص وقيادتها لمجموعات موسيقية غنائية إلى يومنا هذا. ومثلت الشيخة هذا الفن أحسن تمثيل داخل المغرب وخارجه، وأعطت الساحة الفنية العيطية عشرات بل مئات الفنانات الشيخات “العياطات الطباعات”، شاعرات ومغنيات مبدعات..ووفرت العيطة للمرأة “الشيخة” فضاء فسيحا رحبا تعبر فيه عن مكنونها وتفرغ فيه أوجاع آلامها وجراحها، وتظهر فيه موهبتها الفنية، وتتمتع بحقوقها وبكامل حريتها..حريتها في الحركة، وفي التعبير وفي الإبداع، وفي اللباس ( اللي تشطح ما تخبي وجهها)..
وعلى الرغم ما قدمت المرأة “الشيخة” لهذا الفن، فإن المجتمع غالبا ما يحشرها في زمرة ذاك العالم الموبوء الذي يساوي عن حق لا غبار عليه بين الشيخة والمومس. ولها نصيب كبير في هذه النظرة، وهي تتحمل مسؤولية تصرفاتها، فقد نجد الشيخة تشعل سيجارتها وتنفث دخانها وسط حشود الجماهير، وتتبادل السباب والشتائم والقفشات مع الرجال بلغة ساقطة وبلهجة السرير، وتشرب أنواع الخمور أمام الملأ ضاربة للعادات والتقاليد عرض الحائط، وهي لا تقف عند هذه الأفعال التي تزري بها فحسب بل تزيد عليها باختلاق سلوكيات داعرة أخرى يصعب السكوت عنها في مجتمع يدعي أنه محافظ ويتشبت بطهرانية مستحيلة..فهي نفسها تعترف أنها تعيش خارج السرب وتتعدى دائرة الحدود الأخلاقية والاجتماعية السائدة في المجتمع، وبهذا تتحول إلى امرأة متمردة في نظرهم غير صالحة تهدد نظام القيم والأخلاق، وكأنها جسم غريب مريض معدي يخشى انتشاره في الجسد الاجتماعي وخاصة في الشطر الأنثوي منه.
إن المفهوم الأصلي لحرية المرأة هو أن تملك المرأة روحها وجسدها وكل ما يتعلق بها، مثل اختيار نمط حياتها واتخاذ قراراتها وتحديد مصيرها وهدفها في هذه الحياة، وتكون هي المسئولة الوحيدة عن نفسها بدون وصاية أو ولاية أحد. أي أن تكون إنسانة حرة بإنسانيتها مع مراعاة القيم والأخلاق الإنسانية.
والشيخة كأية امرأة، تحب الحرية والتمتع بحقوقها، وقد ضمنت لها العيطة مساواة حقوقها الفنية مع الرجل، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضدها، فهي تستمتع بكامل حريتها، وأحيانا تزيد عليها، وهذا في حد ذاته يجعلها أداة للمتعة والاستمتاع من طرف الجمهور سواء بصوتها أو بجسدها، فهي تقوم بتخطي عتبة السلطة الرجولية المكرسة اجتماعيا وأخلاقيا، وتدخل هذا العالم الموبوء عن طواعية بل عن قصد وسبق إصرار، فالشيخة لم تولد شيخة بل أصبحت شيخة، ومعظم الشيخات أكثرهن بدويات الأصل من أوساط فقيرة، عشن طفولة بائسة مغتصبة..نشأن في بيئة فقيرة الثقافة والمال. فالشيخة تهرب في البداية من القهر والاستغلال والاستعباد، والحرمان من التعليم والتبعية المادية والزواج المفروض، وتنشد أن يكون لها الحق في إبداء رأيها، والحق في العمل أو عدمه، فتوجهت إلى عالم فن “تشياخيت”، هذا العالم الفني الذي اختارته تنشد الحرية والانعتاق والاستقلال المادي، فكان لها ذلك لكنها اصطدمت بواقع مرير وهي تحترف الغناء والرقص في منفى المجتمع، ذلك المجتمع الذي يتمتع بها ويستخدمها لمصلحتة وينفيها..فهي تلك الهاربة من النار إلى الجمر.
إن الشيخة تحب الحرية..ليس من أجل ضمان استمرار وجودها كجسد في السوق في حالة حرية فحسب، وإنما من أجل حرية حركتها داخل الجغرافيا التي تعيش فيها ومن حقها ذلك، فهي تريد حرية التنقل بين المدن وحتى خارج الوطن، وتريد أن تتمتع بحقوق تضمن لها العيش بحرية وكرامة، بعيدا عن الخوف والقهر والاستغلال..لكن بعضهن تنشد أن تصبح منفلتة من أية ضوابط أخلاقية فصارت سلعة في السوق يستغلها المجتمع ويتمتع بها الرجال..وهي تتحمل مسؤوليتها وتدفع ثمن اختيارها، وتدفع هذا الثمن غاليا، لذلك نجدها متمردة جامحة لا تتردد قي الذود عن حريتها الشخصية التي تعتبرها سبب وجودها ومناط وجدانها وكيانها الخاص.
وكما يقول الدكتور الباحث حسن بحراوي في كتابه “فن العيطة بالمغرب الصفحة 107:
==” تجسد الشيخات الثورة على الأشياء وهن يتجاوزن حدود ما هو مقبول كسلوكيات رجالية ونسائية..إنهن يدخن ويشربن الخمور ويمكن أن تكون لهن أكثر من علاقة جنسية حينما يعتبرن أنوثتهن رأسمالهن المرتكز عليه.. وعلى هذا النحو من الممارسة المنافية لمبادئ الاحتشام وقواعد الأخلاق تختار الشيخة التواجد الطوعي في موقع مكشوف من المساحة الاجتماعية المسيجة بتعريفات عامة وخاصة لا تقبل التجاوز أو التأويل..وبامتهانها جسدها الخاص تتفاقم النظرة المصوبة إليها باعتبارها كائنا “فضائحيا” ويصبح من الصعب القبول بها كامرأة سوية اجتماعيا..”==
وختاما لهذا المقال، فبصفتي شيخ للعيطة، موسيقي كومنجي ل”رباعة الشيخات”، ومغني ممارس ومهتم بهذا الفن، أرى أن بعض الشيخات، بالرغم من تحررهن من السلطة الأسرية يدخلن في منعطف جديد متمثل في سلطة بعض الأشياخ القساة، وأرباب أماكن العمل المشبوهة (كبريهات، حانات ليلية، ملاهي..)، وبعض سماسرة الفن، وإكراهات العمل الليلي المضر بالصحة والماس بالكرامة، وبذلك يدخلن في مغامرة جديدة فيها من المكابدة والمغامرة وشظف العيش والاهانة بقدر ما فيها من اللذة والشعور بالإنعتاق، فرغم وفرة المقابل والإكراميات المجزية “التعلاق”، التي تنالها الشيخة..فانها تعاني كثيرا من اشتراطات الزبائن وأمزجتهم المتقلبة، خاصة الطينة من الجمهور التي لا يهمها من العمل الفني سوى جسد الشيخة ومواصلة العمل والغناء..كما أن الشيخة مجبرة على العمل مع الفرق الغنائية خلال أيام الصيف الحارة في أوقات وأماكن مختلفة ؛ في الأعراس، والمناسبات الخاصة والوطنية، وفي المواسم والمهرجانات.. وعليها أن تقبل وتتقبل العمل في أماكن مختلفة من المسارح والقاعات الكبرى إلى الدواوير والمداشر النائية، وفي الضيعات بأماكن البهائم في الإسطبلات والحظائر مقابل أن تضمن لها ما يكفي لسد حاجياتها ومتطلبات الحياة المعيشية، ولكي تتحوز ما تعتمد عليه خلال أيام العطالة الطويلة، وفصول الشتاء الماطرة الباردة، فهي بدون تقاعد، ولا تأمين صحي ولا تغطية صحية ولا اجتماعية.. ورغم هذه المشاكل التي تعترض الشيخة، فإنني أرى أن المرأة كانت ومازالت وستظل تلك الملكة المتوجة على عرش الغناء العيطي، وبدونها لا تكتمل متعة الفرجة، فحضور المرأة “الشيخة”، ضمن مجموعة غنائية، يعطي الفرقة المنشطة والحفل نشاطا وحماسا، وزخما فنيا وحضورا قويا. فهي بمثابة الكمنجة داخل جوقة الفرقة العيطية، هي الصادحة الناحبة القائدة، المثيرة والمؤثرة، وبدونها لا يساوي القوس شيئا، ولا تكتمل الفرجة إلا بها. فهي كائن حي عاقل، مفكر، مبدع..وليست مجرد وعاء يطفئ داخله الرجل نيران شهواته الحيوانية. فقد غنت ورقصت فأبدعت وأمتعت وأقنعت لكن بعد أن قاست مرارة الحياة ولاقت أشد المحن، فهي التي تصرخ وتنادي لتنال حريتها، وتطلبهم ليتركونها وشأنها تغني لتعيش وتعيش لتغني، تمسد حنجرتها وتغني بأعلى صوتها صادحة نادبة ناحبة :
خليوني نغوت…باش نتقوت
خليوني نعيط…باش الجرح يتخيط
خليوني في حالي…حتى يعفو العالي

الاخبار العاجلة