سياسة

كلمات سياسية : الحزب السياسي…

 

محمد أديب السلاوي

-1-

“الحزب” في اللغة العربية، هو ما يعنيه المفهوم نفسه في اللغات الأخرى، هو كل جماعة من الناس، تشكلت قلوبهم وأعمالهم، من أجل هدف ما أو فكر ما/ وإن لم يلتق بعضهم بعضا في الزمان والمكان.
وفي القرآن الكريم، ورد مصطلح “الحزب” عدة مرات، خاصة في سور: المائدة، المؤمنون/ الروم/ المجادلة/ الكهف/ الرعد/ مريم، لكنه جاء بمفاهيم مغايرة بما يتفق عليه الفقه الدستوري وعلم السياسة في منابعها الغربية.
وفي التاريخ العربي الإسلامي، لا نجد أثرا لهذا المصطلح في الأدبيات السياسية القديمة، ولربما يعود استخدامه لأول مرة، في العصر الحديث، إلى بداية القرن الماضي، حيث نشأت الأحزاب على النمط الأوروبي في مصر أولا ثم في العديد من البلاد العربية.
وفي السياق الغربي، حيث لم تظهر الأحزاب إلا في القرن التاسع عشر، تعتبر تنظيمات سياسية، انتظمت في البداية على أساس التمايز الطبقي/ الاجتماعي/ الاقتصادي، واستندت في أفكارها وطروحاتها على تراث عصور التنوير التي كيفت الوعي الثقافي، والقومي الأوروبي، حيث تحددت بنياتها السياسية إجمالا حسب منطق القسيمة بين اليمين الذي يمثل قيم الأمة في دلالاتها التقليدية المحافظة، ويعكس مصالح طبقة أرباب العمل والصناعيين التي أفرزتها الديناميكية الرأسمالية، وبين “اليسار” الذي يعبر عن قيم الرفض والتغيير، التي هي الوجه الآخر لحركية الحداثة، كما يعكس مصالح طبقة العمال والفئات الوسطى.
وقد عرف الحقل السياسي الغربي، تطورات متلاحقة، غيرت من ملامح هذه القسمة، من أبرزها انتقاء الصراع الطبقي في شكله التقليدي الذي عرفته المجتمعات الرأسمالية في القرن الماضي ومطلع هذا القرن، حيث لم تعد الطبقة العاملة تمثل قاعدة ارتكاز إيديولوجية أو اجتماعية، وإنما تم استيعابها في مجتمع الرفاهية الذي أفرزته الثورة الصناعية الثالثة، القائمة على التقنيات الرخوة( )، وإذا كانت الإنطلاقة الحزبية الغربية محدودة في قسيمتها، فإنها في العصر الحديث، جعلت الحزب السياسي ركنا أساسيا من أركان الأنظمة الديمقراطية، فهو جماعة (قانونية)، تتكون من المواطنين، متفقة على تنفيذ برامج أو مبادئ سياسية معينة إذا تولت السلطة: فالحزب يقوم بإبراز المبادئ والأهداف الإجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يؤمن ويناضل من أجلها، ويعمل على تأطير وتوعية الجماهير وبلورة أهدافها ومطالبها واتجاهاتها المختلفة.. لأجل ذلك أصبحت الأحزاب السياسية قاعدة أساسية للديمقراطية، وشرطا ملزما لوجودها.
وفي نظر العديد من المفكرين السياسيين وجدت الأحزاب السياسية من أجل القيام بمهام مضبوطة، ولربما في الزمان والمكان. فهي تنوب عن الفرد/ المواطن في التعبير عن مواقفه ورغباته ونظرته إلى نفسه وإلى عصره وإلى وطنه، تحكم وتعارض باسمه، فالتنظيمات الجماهرية/ الجمعوية هي أقدر من الفرد على المساهمة في التخطيط من أجل الحاضر والمستقبل، وعلى مواجهة كل حالة طغيان أو استبداد أو تجاوز، وعلى مراقبة ذلك من خلال مواقفها السياسية والاجتماعية والثقافية.

-2-

وفي الفكر السياسي المعاصر، الحزب السياسي هو “اجتماع أشخاص يعتقدون العقيدة السياسية نفسها”( ) وهو “تنظيم سياسي يقوم أعضاؤه بعمل مشترك لإيصال شخص أو أشخاص إلى السلطة…( ) تعارض مجموعة أخرى بالآراء والمصالح…( ) وهو في مختلف الأنظمة السياسية المعاصرة، في البلدان التي هي في طريق النمو، أو في البلدان المصنعة، يعني جماعة منظمة من المواطنين، متفقة أو مقتنعة بإيديولوجية أو عقيدة سياسية أو أفكار/ برامج، تناضل من أجل الوصول إلى السلطة، وتحقيق أفكارها/ مبادئها/ إيديولوجياتها، والتعبير عن مواقفها ونظراتها إلى حاضرها ومستقبلها، وإشراكها في التخطيط والقرار.
وإجمالا، فالحزب في الصيغ الغربية الحديثة، هو تشكيل إيديولوجي حديث، قوامه الانتماء السياسي لعقيدة سياسية واحدة، ومن الناحية النظرية حل هذا “التشكيل” محل الانتماءات العصبية والقبلية والقرابية والجهوية، ومحل الولاءات التقليدية عموما.
ويمتاز الحزب في هذه الصيغ بإمتلاكه إيديولوجية خاصة، تتضمن قراءته وتفسيره الخاص للتاريخ البشري والمحلي، تفسيرا اقتصاديا أو سياسيا أو فلسفيا، ويتضمن تحليله الخاص أيضا لبنية المجتمع ومقاصده تحليلا تعبويا وتأطيريا يساعد الفاعل السياسي المنخرط على التحرك والفهم والنضال والتأطير.
ويمتاز الحزب في هذه الصيغة كذلك، إلى جانب إيديولوجيته، بشكله التنظيمي، فهو يقوم على تنظيمات خلوية قطاعية، وبخاصة في القطاعات الانتاجية والثقافية والخدماتية.
كما يمتاز أيضا بروحه الديمقراطية، فهذه الأخيرة هي روحه التنظيمية السارية في جسمه، من أدنى مستوياته إلى أعلاها( ) سواء فيما يتعلق باتخاذ القرارات… أو فيما يتعلق باتخاذ المبادرات وصياغة السياسات والمواقف.

وفي العالم اليوم أصناف متعددة من الأحزاب السياسية، يمكن تمييز أربعة بارزة منها:
1- الأحزاب الجماهيرية: بعضها يلتف حول الزعامات، وبعضها الآخر يلتف حول الإيديولوجيات/ الأفكار والبرامج، ولكن غالبيتها يرتبط بامتداد الاقتراع العام، ويسعى للحصول على أقصى عدد من المنخرطين/ المناضلين، المؤطرين إيديولوجيا وانتخابيا.
ويهدف عادة هذا الصنف من الأحزاب، إلى توسيع وتمتين قاعدته الاجتماعية بكل الذين يقتنعون بنضالاته/ إيديولوجيته/ برامجه… لذلك لا يعتمد مقياس العضوية فيه على ثقافة أو ممتلكات أو مال أو جاه، بقدر ما يعتمد على الاستعداد للعمل وفق بنية الحزب التنظيمية، التي غالبا ما تكون محكومة بضوابط السلوك الحزبي المطلوب… وتمثل أحزاب “الطبقات الوسطى” إلى حد ما نماذج الأحزاب المجاهيرية الواسعة.
2- الأحزاب النخبوية: وتجمع حولها شخصيات بارزة في مختلف القطاعات، تظهر وتختفي في كل استحقاق انتخابي، هدفها الأساسي الحصول على مقاعد مريحة في البرلمان والحكومة وكافة المجالس والهيئات المنتخبة.
3- أحزاب الأعيان: وغايتها أن تكون إطارا مفتوحا على صفوة المجتمع، سيما الاقتصادي والمالي، فهذا الصنف من الأحزاب لا يسعى إلى توسيع قاعدته الاجتماعية، بقدر ما يعمل من أجل استقطاب الأشخاص النافذين في المجالات الإدارية والمالية، والقادرين على تمثيل الطبقات السائدة على الصعيد الاقتصادي.
4- أحزاب التجمع: وهي إطارات منفتحة من الناحية التنظيمية على الأطر والكفاءات، أهدافها الاجتماعية والسياسية دقيقة ومحدودة، وأهدافها العامة، كسب الرهانات الانتخابية والعمل على استقطاب أوسع الهيئات الانتخابية.
وكل هذه الأصناف في عالم اليوم، لا تقاس أهميتها بحجمها أو بعدد المنخرطين فيها، بقدر ما تقاس بمسارها التاريخي، وبحجم مساهماتها الإيديولوجية والمؤسساتية، في الرقي السياسي، وفي توسيع آفاق المشاركة الشعبية في بلورة هذا الرقي والدفع به إلى تحقيق المزيد من أهداف الديمقراطية.

-4-

وفي عالم اليوم، تطور المفهوم الحزبي في المنظومة الديمقراطية بعدما أصبح يشكل عمودها الفقري الأساسي، فهو الممر الطبيعي إلى السلطة، والقناة الأساسية لأنظمتها، وهو العامل الطبيعي الملازم لكل مراحلها، وهو حجر الزاوية في كل بناءاتها.
بهذه الصفة أصبح الحزب السياسي، في عالم اليوم، بلعب أدوارا هامة في الحياة السياسية للدول والشعوب، فهو يؤطر المواطنين في صفوفه وهياكله ومنظماته الموازية. ويمثلهم في هياكل الدول وفي مؤسسات الشأن العام، ويقوم بدور وسيط بين الحاكمين والمحكومين… ويعمل بذلك على خلق الممارسة السياسية الخلاقة التي تضمن للمجتمع تماسكه ووحدته وللدولة استمراريتها، بالإضافة إلى مساهمته في التنشئة السياسية، وتأطير الناخبين والمنتخبين، وتكوين الرأي العام وتوعيته وتعبئته.
وحسب مقاربات العلوم السياسية المعاصرة في الغرب، تقوم الأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية بوظائف متعددة أبرزها:
– الوظيفة الانتخابية
– وظيفة المراقبة والتوجيه بالمؤسسات العمومية
– وظيفة التعبير عن الأوضاع السياسية
– وظيفة الوساطة بين الفئات المعبر عنها وبين الحاكمين.
– وظيفة الدفاع عن القيم السياسية للكثلة التي تمثل قيم الشعب والدولة.
فالأحزاب السياسية في الغرب وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت هي التي تتولى زمام السلطة في إطار تنافسي، تطبعه المساهمة والاقتراع، خاصة بعدما أصبحت الديمقراطية عملية أساسية لاتخاذ القرارات الجماعية التي تسجد حكم الأغلبية، وبعدما أصبحت الانتخابات حقا مكفولا لجميع أعضاء الجسم الانتخابي، تكرس مفهوم التناوب على السلطة، وهو ما جعل الديمقراطية التمثيلية أو النيابية في الغرب، (أوروبا وأمريكا)، ترتكز على الأحزاب السياسية كعمود فقري أساسي لا محيد عنه، فالأحزاب السياسية بهذه الصفة أصبحت تمثل جانبا من جوانب المؤسسة السياسية للدولة، فهي دراعها في العمل السياسي العام، وهي الوسيلة التي يشارك بها المواطن في الحكم وفي اتخاذ القرارات المتعلقة به وبحياته ومستقبله( ).
وفي القارتين الأوروبية والأمريكية كذلك، أخذت الأحزاب الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية، تبحث بصورة خاصة عما هو صالح للإنسان في برامجها، على اعتبار أن الحزب هو أداة رئيسية للنشاط السياسي الشعبي للدولة الحديثة، فهو قبل أن يكون أداة لإعداد المرشحين إلى الانتخابات، أو تكوين “وزراء المستقبل” هو أداة سياسية ديمقراطية، ومدرسة تسعى قبل كل شيء إلى تكوين وتأطير أعضائها وتوعيتهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا… وحضاريا كذلك، من أجل أن يكون للوجود الحزبي، غاية سياسية نبيلة.

-5-

لربما ساعد الحزب، كتنظيم وإيديولوجية، ساحة العمل السياسي في عالم اليوم، لتتحول السياسة إلى مجال سام لتدبير الشأن العام، وتنظيم التنافس بين الناس، بأساليب عقلانية/ قانونية/ حوارية… ولكنه في العديد من الدول المتخلفة/ السائرة في طريق النمو، مازال يدفع بالسياسة لتكرس نفسها كمجال واسع للصراع من أجل السلطة والثروة والجاه والحظوة. حسب ثقافة وأفكار وتنظيم هذا الحزب أو ذاك، يتقلب الصراع السياسي، بين التنافس الشريف والعنف الخبيث. بين التنافس المشروع والتنافس العشوائي. إلا أن ما يجنيه المواطن في العديد من هذه الدول، من هذا الصراع، سلبا أو إيجابا، هو انتماؤه دائما إلى السياسية ومفاهيمها وأهدافها وتطلعاتها. ذلك لأن السياسة داخل التنظيمات الحزبية وخارجها، هي مجال مفتوح باستمرار للصراع الحاد من أجل المصالح، يجوز فيها استخدام كل الوسائل القانونية وغير القانونية، العقلانية واللاعقلانية، الأخلاقية واللاأخلاقية…. ومن تمة أصبحت دعوة الفكر الإنساني لتنظيم المجال الحزبي في هذه الدول، بناء على حقوق المواطنة، وعلى الإعتراف بحق الآخر، وحق الإختلاف معه. دعوة تحتل موقع القانون الذي يعطى للحزب السياسي، مشروعية البقاء والتطور والاستمرار.
إن الديمقراطية –كما هي في الغرب- ليست مجرد إجراءات أو مؤسسات، وإنما هي أيضا قيم ومشاعر واتجاهات مواتية ومشاركة وإحساس بالاقتدار السياسي، وبروح المبادرة وجميعها من المهام الأساسية للأحزاب السياسية التي تشكل العمود الفقري للديمقراطية وأداتها التنفيذية.
في المنظور الديمقراطي، مهام الأحزاب السياسية، هي قبل كل شيء تحرير الإنسان من الداخل، وإعطائه أقصى حد من الحرية للتعبير والمشاركة، ومنحه أكبر قدر من الثقة، حتى يحصل على النظام الاجتماعي المطلوب، وحتى يحقق المشاركة الضرورية… وهو ما يعني أن سلامة الديمقراطية ونجاحها لا يتوقف فقط على أصوات الناخبين، وإنما يتوقف أساسا على سلامة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية نفسها، وهو ما يعني أيضا فتح المجال أمام أصحاب المهارات والمؤهلات والمواهب للمشاركة في العمل السياسي، وإجراء انتخابات حقيقية وشفافة وموضوعية، في أجهزة الأحزاب لفرز هياكلها وقياداتها، وإعطاء الأهمية القصوى للمسألة الديمقراطية، باعتبارها معيارا للتميز بين الأحزاب والتجمعات الأخرى، في اتخاذ القرار والتموضع على الخريطة السياسية، وهو ما ينعدم في المؤسسات الحزبية بالدول المتخلفة/ السائرة في طريق النمو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى