الأغنيةالتراث الشعبيفن وثقافة

العيطة ومساهمتها في الأغنية الوطنية

شيخ العيطة الحسين السطاتي

لكل شعب حضارته وموروثه الثقافي والغنائي، إذ يشكل الغناء أحد أبرز التعبير الفعلي التلقائي في حياة الإنسان، من خلال ما يتيحه من حيز واسع لبث المشاعر والأفكار والآراء، وبارتباطه بتقلبات الحياة اليومية على اختلاف أحداثها، بحلوها ومرها، وبانتصاراتها وهزائمها.. ولكل بلد نشيد وطني وموسيقى وأغاني وطنية، تلهب حماس الجماهير بحب هذا الوطن، وتجعل قلوبهم عند سماعها ترف وتدق لتلبية ندائه. بداية بموسيقى النشيد الوطني، حيث يؤدى هذا النشيد بغناء جماعي وذلك بميل واحد للتحريض وإلهاب الحماس مع هيمنة الإيقاع العسكري، ويبقى انضباط المجموعة المؤدية لنص النشيد والتزامها بعدم الخروج عنه أهم الخاصيات التي تميز النشيد الوطني عن الأغنية الوطنية. هذه الأغنية التي تتميز بكونها تؤدى غالبا بصوت مغني فردي مع ميل إلى التطريب، وله حرية الارتجال والتزويق اللحني والخروج عن النص الغنائي، الشيء غير المتوفر في النشيد الوطني الذي تؤديه جماعة من المنشدين لا يسمح لهم بالارتجال عند الأداء.
وتلعب الأغنية الوطنية دورا مهما في حياة الشعوب، في كل دول العالم، فمن منا لم يتغن ولم يطرب لسماع أغنية “العيون عينيا” لمجموعة “جيل جيلالة”، وأغنية “يا صاحب الصولة والصولجان”، للموسيقار أحمد البيضاوي، وعيطة “الشجعان” للشيخة “مباركة البيهيشية”، وأغنية ” يا بلادي عيشي”، للراحل الفنان “محمود الادريسي”، وأغنية “يلالي يلالي الصحرا بلادي”، للشيخة “فاطنة بنت الحسين”…وغيرهم..كلمات، وألحان وإيقاعات منتقاة ..موسيقى غنائية راقية عبرت عن إحساس عميق وواقع حالم، كانت ومازالت تثير فينا إحساس بحب الوطن والتضحية من أجله والغيرة عليه. أغاني وطنية كانت صادقة عبرت عن شعب وملك ووطن، وجميعها حضيت بالتفاعل الجمهوري معها وباحترام الشعب لها، لأنها حركت ورجت العاطفة الجياشة لديه المرتبطة بالوطن والأرض، وعبرت عنه وعن تلك المراحل التي عاشها..فكل ما ينبع من القلب يصل إلى القلب.
والمغرب فسيفساء من التراث الغنائي المتنوع، وتختلف أنواع فنون هذا الغناء لغة وأداء ونغما باختلاف مناطقه، وكثيرا منه يتخذ العربية الدارجة “العامية المغربية” لغة في التعبير، كما نجد كذلك الغناء باللغة الأمازيغية بأصنافها الثلاثة ” تشلحيت، تريفيت، وتمزيغت”، وكذا باللغة الحسانية. وكل فن غنائي ساهم من موقعه في الأغنية الوطنية، ومن بين هذه الفنون نجد فن “العيطة”.
لقد كان لفن العيطة حضورا متميزا، ودورا مهما في الأغنية الوطنية وذلك باستنهاض الهمم وإثارة الحماس في النفوس والتحريض على الثورة والدعوة إلى النضال والمقاومة، فيا ترى كيف ساهمت العيطة في الأغنية الوطنية؟ وكيف هو حال الأغنية الوطنية بين الأمس واليوم؟ وهل ارتداء بعض الفنانين ومنهم أشياخ وشيخات لأزياء بألوان العلم الوطني أو التوشح والتلفع بهذا العلم فوق المنصات خلال السهرات الكبرى وبالمسارح.. يعد من خصوصيات الأغنية الوطنية ويفي بالغرض؟ وهل كل من تغنى بالأغنية الوطنية كان وطنيا ووفيا للوطن؟
إن فن العيطة هو فن موسيقي غنائي يندرج ضمن الفنون التراثية والأغاني الشعبية المغربية التي تغنى ومازال يتغنى بها الجمهور، إذ يعتبر تراثا موسيقيا وغنائيا وتعبيرا ثقافيا وشعرا شفويا، كما يعد أحد التعبيرات التمثيلية الفرجوية المغربية، يؤديه فنانون مغنيون “شيخات” و”أشياخ” صناع الفرجة والفرح في الثقافة المغربية بشكل عام، والثقافة الشعبية بشكل خاص، على طول جغرافية الوطن، فنا أصيلا وتراثا شعبيا رافق المغاربة طوال عقود من الزمن ولا يزال مستمرا. وإنتاجا فنيا قام بالتعبير عن هموم وأفراح جزء كبير من المغاربة الشعبيين خلال فترة حاسمة من تاريخ البلاد..وسجل لنا مظاهر حية من معيشهم وطقوسهم وأحلامهم…
“وإن هذا الغناء الذي يطلقون عليه اسم العيطة، وأحيانا أسماء أخرى للتمييز، هذا النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية- الأنثوية والذكورية- والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافق، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموما، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”. المرجع: الباحث الدكتور حسن نجمي في كتابه بعنوان: “غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب 1″، الصفحة 17.

و”العيطة” فنيا هي فن شعبي مغربي يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، أشعار تغنى باللهجة العامية العربية المغربية، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، كما أنها مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. ويأتي التركيب كخاصية موسيقية وهوية إيقاعية وزجلية داخل فن العيطة..
وتسمية العيطة: معناها اللغوي “النداء”، وعيط في اللغة العربية أي ناد، وتعني النداء بصوت مرتفع حيت المنادي يطيل عنقه ليصل الصوت إلى المنادى عليه، نداء بالجهر بصوت ذو صرير يتوخى منه لفت الانتباه، وهي نداء القبيلة والاستنجاد بالسلف لتحريك واستنهاض همم الرجال واستحضار واستدعاء ملكة الشعر والغناء.
– وعلى المستوى الاصطلاحي، فالعيط عبارة عن مجموعة من الأشعار العامية تنشد في طبقات صوتية مرتفعة وتحمل معاني الاستعطاف والحسرة وطلب المساعدة والعون والتمني. ويعتبر هذا الفن تراثا موسيقيا وتعبيرا ثقافيا وشعريا شفويا، كما يعد أحد التعبيرات التمثيلية الفرجوية المغربية، إذ يمثل وجدان جزء أساسي من المغاربة على امتداد خريطة ممتدة من جنوب البلاد إلى شمالها، كما أنها فرع أساسي من فروع الموسيقى المغربية عموما والموسيقى الشعبية خصوصا، فنا أصيلا ضاربا في جذور التراث الشعبي والثقافة المغربيين.
وتنقسم الأغنية العيطية إلى فترتين مختلفتين: الفراش ؛ وهي المرحلة الزمنية ذات الإيقاع البطيء. والغطاء: وهي المرحلة الزمنية ذات الإيقاع السريع ويستدعي أحيانا أن يكون مصاحبا بالرقص.
“ومن الناحية الإيقاعية الصرفة تتشكل العيطة من مجموعة أجزاء مستقلة تسمى “قطيبات” تفصل بينها “حطات”..جمع حطة..وتعمل بمثابة لازمة موسيقية تنهي مقطعا وتعلن عن الدخول في “قطيبة” جديدة..وقد تتعدد فصول العيطة الواحدة فتفوق عشر “عتبات” كما في بعض نماذج العيطة المرساوية. وتختتم العيطة بإيقاع سريع..يشبه “الدريدكة” في الملحون..مهمته الإعلان عن الانصراف النهائي ولذلك يسمونه “القفل” أو “السدة” أو السوسة.. وقد تفتتح العيطة بمدخل يكون عبارة عن تقاسيم أو “مشاليات” يؤديها عازف الكنبري أو العود أو الكمان..ويكون ذلك على سبيل التمهيد لولوج العيطة بمعناها الخاص..وتنتهي ب”تعريضة” وهي فسحة موسيقية راقصة تكون مصاحبة بالأرجل يسمى “الحساب”. (المرجع الباحث الدكتور حسن بحراوي في كتابه “فن العيطة بالمغرب الصفحة 9”).
ونذكر أن هناك مجموعة من أنواع العيطة، سميت حسب المناطق الجغرافية التي نشأت فيها، وهي كالتالي:
العيطة المرساوية، والعيطة الحصباوية التي تسمى أيضا بالعيطة العبدية، والعيطة الملالية، والعيطة الحوزية، والعيطة الجبلية، وقد تفرعت عيوط أخرى حيت نجد العيطة الزعرية وهي تابع من العيطة الحوزية وقد ظهرت خلال ما بعد الاستقلال وهي لا تتميز بصورة التركيب، ومنها انشق صنف الحب أو الحساب الزعري، وهناك العيطة الغرباوية التي تفرع منها الهيت الحسناوي والهيت الغرباوي الحلوفي، والعيطة الشيظمية، كما نجد هناك نوع آخر بمنطقة تافيلالت سجلماسة يسمى بالعيطة الفيلالية الجرفية، وتسمى أيضا بالعيطة الجرفية البلدية، ثم هناك نوع مشترك بين هذه العيوط ويسمى عيطة “الساكن”، التي لها علاقة بالذِكر بألحان روحانية وإيقاع الجذبة، وهذا الأخير “الساكن”، يوجد في جميع أنواع العيطة.
وتقدم العيطة صورة فنية بديعة عن البيئة البدوية؛ الجبلية، أو الصحراوية، أو الساحلية أو السهلية الزراعية والرعوية الخصبة التي احتضنتها ورعت محاولاتها الأولى، وهي أغنية تحريضية ثورية حماسية، نص شعري بمواضيع مختلفة، تؤرخ للشجاعة والحماس والثورة ضد العدو، والجهاد في سبيل الوطن وضد المستعمر، كما توثق الاضطهاد والمس بالكرامة الذي كان يتعرض له الشجعان الأبطال المغاربة على يد السلطات المخزنية الغاشمة، والعدو المستعمر الظالم، أولائك الأبطال الذين كان يقودهم نضالهم وثورتهم وتمردهم إلى أقبية السجون وساحات الإعدام، كما تتغنى العيطة كذلك بجمال الطبيعة وخيراتها، وجمال المرأة والعشق والهيام، ونجدها تشير لبعض مكونات البيئة التي ترعرعت وسطها كتمجيدها للخيل والفرسان والفروسية، كما تتناول مواضيع عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية ، وقد ساهمت بالكثير في الأغنية الوطنية الحماسية.
ورافقت العيطة التحول الاجتماعي والسياسي المغربي منذ عقود وعبر مراحل وفترات تاريخية عصيبة، سواء بتمردها وتحريض نصوصها للمواطن ضد ظلم وتسلط السلطات المخزنية المغربية الظالمة أو ضد المستعمر الفرنسي والأسباني، وذلك عبر مراحل تاريخية بالشعر والغناء، سواء بالمدح أو الهجاء، أو الغزل والرثاء، كما يبدو من هذا الكلام العيطي في عيطة “الحصبة “، هذه العيطة التي سميت باسم الشيخة “حادة الزيدية الغياتية” والملقبة ب “خربوشة”، في إطار التمرد على السلطة المخزنية، المتمثل في ظلم وجبروت القايد عيسى بنعمر على قبيلتها أولاد زايد بمنطقة عبدة:
الحمرا وخربوشة وزروالة والكريدة …وايلا مشيت نولي
أبابا ما يدوم حال يا سيدي…
منين أنا ومنين أنت أهياوين أهياوين….ايلا مشيت نولي
أبابا يا بابا جيبو الخيل يا سيدي
لفراق صعيب أهياوين أهياوين أهياوين
الزين يلوح أهياوين أهياوين…يا بابا ما يكون باس يا سيدي
ويلاه يالاه..ويالاه نتفكرو لحباب..أشدوك عليا
أهيا وهيا عاد الخيل…وجيبو الزين يا سيدي
ويا سيدي ويا سيدي أيا سيدي..هكداك بغيت أنا
ولاباس ولباس ولباس…لعدو مدار قياس
ومزال ومزال….مزال الحق يبان
أنا خرجت بلادي وخرجت لحكام…خوفي من ليام
مول لعلامات زين السلامات…مولاي عبد الله بن احساين
والمعاشي سيدي سعيد….مول الزيتونة
والقدميري بابا عمر….مولى حمرية
الغليمي سيدي أحمد….العطفة بن عباد
تعد هذه العيطة، أغنية تورية حماسية تحريضية، وهي تشعل فتيل الثورة وتدعوا المجاهدين للمقاومة والجهاد بالثأر من العدو، كما نجد “العيطة العبدية” تقوم أيضا بتمجيد هذا القائد بصفته كان راعيا لهذا الفن داخل قصوره ورياضاته وتذكر أبناءه بالمدح وحسن الخلق في عيطة “العمالة” ما تسمى أيضا بعيطة “الشاوية”:
العمالة كواتني وزادت ما بيا….وبالي بيا ….يا الخوا الخوا لغدر عيب
الشعيبية كويس حياتي رفقي بيا…تكايسي عليا …حبيبيبي حبيبي ديني معاك
ولد ارحيحيل عاجبو عاودو يا سيدي ….بالي بيا…سروت لعبادي سارو اليوم
لعلام لخضر شاكَ الويدان يا قيدي…بالي بيا و…..كَولو زيدو كَول لو زيدو ياسيدي… أهيا وهيا
كَول لو زيدو راه الخيل مشاو يا بابا…اهيا وهيا
نزلو تتغداو راه الخيل عياو يا سيدي…أهيا وهيا
سيدي بولامة مصيفط الخدام يا قيدي…أهيا وهيا
سيدي بالي بيا…هاه هاه سروت لعبادي دازو ليوم
ياو هذا مكتوب كتبو الله عليا…ما عملتو بيديا
المظمة حاسكة رهيفة يا الكامونية
الله الله الله سيدي صباحك سيدي مساك….الله الله الله
ما جيت إلا نزها معاك…عادا الهوى عاد
سيدي أحمد يا بابا أحمد…..الله الله الله
سيدي أحمد يا حرش لعيون…عادا لهوى عاد
سيدي ادريس يا بابا ادريس….الله الله الله
سيدي ادريس يا ذهب لكويس…عادا الهوى عاد
سيدي عيسى كَال شي كلام….الله الله الله
حتى من الخادم دايرة اللثام….عادا الهوى عاد
داك العسكر عاطي السلام….الله الله الله
سيدي سويلم شاد اللجام…عادا الهوى عاد
حتى لخويدم هازة لعلام….الله الله الله
ها حبابي عملو لي الشرع…كان مت ولا حييت با علال الساجني.
كما نجد أن العيطة قامت بإثارة النزعة الوطنية بين الأوساط الشعبية، وحثها على المقاومة والجهاد، قبيل وبعد فترة الاستقلال، وقد عملت على تحريك الحمية الوطنية، إبان فترة عقد الحماية الوطنية، لذا فقد عكست العيطة، صمود القبائل ومقاومتها للتوغل العسكري الفرنسي بمختلف مناطق السلطنة سواء في مناطق الحوز، أو الأطلس المتوسط، أو في منطقة الشاوية،. ” ففي فترة المقاومة كانت مواضيع النص العيطي تنقل أحداث المعارك، التي كانت تندلع بين الوحدات العسكرية الفرنسية بأسلحتها العصرية وقواتها المدربة وتنظيمها المحكم، والقبائل بقواتها التقليدية ونظامها العسكري العتيق”. المرجع : كتاب “النص الغنائي بالمغرب” للباحث الدكتور محمد شقير الصفحة 24.
وهكذا تداولت الألسن، أبيات العيطة الحوزية “خالي يا خويلي” التي تحيل على المعارك التي شهدتها منطقة الحوز:
فين أيامك يا بن كَرير…ع الغبرة والكور يطير
فين ايامك يا بوعثمان…الطرابش كبلعمان
الموتى كيف الدبان…شي مكسي وشي عريان
أولاد العديان كيف الفيران…وولاد الوطن كيف البيزان
فين ايامك يا لاربعا…كان موسم ولا حركة
لا خزانة ولا عود بقا…حس البكا والموت شلا
آش هاذ ليام البدالة….شي عطاتو وشي لعبت بيه
الله يخليك يا ليام….مشاو الطلبة وبقاو لعوام
كَالت ليكم كَلنا ليكم..كل حاكم وخط ايديه
كل غدار وكناشو…حتى الجاري عاد يفاري
طاحت الظلمة في البيرو….آش هذ لحكام تاع الظلمة
جات لبرا لفم الجمعة….تجمعو القياد بربعا
يجسد هذا النص الغنائي بإيجاز شديد وبكلمات عميقة ومعبرة ميكانيزمات وآليات المستعمر سواء العسكرية أو الإدارية لبسط نفوذه على المنطقة؛ بما في ذلك استخدام الأجهزة المخزنية من شيوخ ومقدمين وجراية أي مساعدي هؤلاء المقدمين والشيوخ، مع ما رافق ذلك من ظلم وقهر وتسلط. كما نجد وصفا غنائيا بديعا لسقوط الشهداء القتلى، والضحايا الجرحى على أرض المعارك التي تم خوضها ضد القوات الغازية، وتلك المقاومة الشرسة لأبناء الرحامنة بمنطقة الحوز “سيدي بوعتمان، بن كَرير، لاربعا..”
كما نجد العيطة الزعرية تخلد بعض الرجال الشجعان المقاومين الذين خدموا البلاد والعباد ومنهم بعض القواد أمثال : القايد “التهامي بن عبد الله” والقايد “الحاج المكي”، والقايد “الحاج العربي بن عمر” بمنطقة زعير، الشيء الذي جعلها تخلدهم في نصوصها بكل الاعتبار والتنويه الجدير برجال أبطال شجعان، كما في عيطة “بوعبيد الشرقي”:
ولواه يا الراكَد هاه..واه ياوي واه ياوي…جابوه حبابو..واه ياوي واه ياوي
دوزها واحد في القياد…واه واوي واه واوي هاه
دوزها القايد التهامي…واه واوي واه واوي هاه
وكملها حجة في النبي …واه واوي واه واوي هاه
الحاج التهامي بن عبد الله …واه واوي واه واوي هاه
عمارت الثلاث بقا خاوي …واه واوي واه واوي هاه
مول الغرفة والضو طفا …واه واوي واه واوي هاه
أنت شريفي القايد المكي …واه واوي واه واوي هاه
مول القفطان الكبريتي …واه واوي واه واوي هاه
زين الخرطة فوق الكَمري …واه واوي واه واوي هاه
مول السنحات الوردية …واه واوي واه واوي هاه
مول التريات الوردية…واه واوي واه واوي هاه
مزوق عيالو بالحكحلة ولباس ولباس ولباس
ونجد أن الغناء العيطي يعكس المقاومة الوطنية المتمثلة في المعارك التي دارت بين أفراد المقاومة وتوغل القوات المستعمرة الفرنسية داخل منطقة خريبكة ووادي زم وأبي الجعد، حيث خلدتها العيطة الزعرية في عيطتها الشهيرة “جعيدان”، هذه العيطة التي تؤرخ لانتفاضة قبائل وادي زم وأبي الجعد:
واه ياوي هياوي هياوي هاه…جعيدان يبان هاه
وسيري لا تخافي والي هاه…..مالين الخيل خرجو لفعايل هاه
وهاه ملين الخيل يا بابا…وهاه حركو وهجمو ياسيدي
مالين الخيل يابابا…حركو وهجمو ياسيدي
الحركة جات يابابا…سنحو وهجمو يا سيدي….مالين الخيل يابابا
واش من والى يتوالى…..واش القياد تكون من والى
دوزها واحد في القياد…..دوزها القايد العربي بن عمر
حط الرباعة في فم الدار..واللي داز يدي لخبار
فين أيامك يا بوكَروم…..ع الحركة والخيل تعوم
فين يامك ياود زم….راه الزناقي تجري بالدم
تكشطو عيالات القبطان….تكشطو في حوز جعيدان
بين السماعلة وبني خيران…كشطوهم أولاد الوطن
عوينكم بوعبيد الشرقي….الخواجة مزواق لولاد
راه لقواس مقابلة لقواس….الشرقاوي على ولادو عساس.
ونجد العيطة الملالية قد خلدت سيرة المقاوم “امحمد بن داود” الملقب ب”دويدة الشيباني” في عيطة رائعة تحت عنوان عيطة “بنداود”، وتسمى أيضا بعيطة “امحمد”، وهي عيطة ملالية حماسية، تؤرخ للشجاعة والحماس والثورة ضد العدو، والجهاد ونكران الذات والتضحية في سبيل الوطن، كما توثق الاضطهاد والمس بالكرامة الذي كان يتعرض له المغاربة والمقاومين الفدائيين الأبطال الذين كان يقودهم نضالهم إلى أقبية السجون وساحات الإعدام، وكان أشياخ وشيخات العيطة بمثابة جنود بلا بنادق، سلاحهم في ذلك النغمة الحزينة والكلمة الرزينة:
هجمو هجمو….كَاع ما حشمو
قتلو وعدمو…..كَاع ما رحمو
كَولو لمي وعاودو لمي…..كَولو لمي لا تخرجي غلمي
كَولو لمي لا ترفدي همي….كَولو لمي لا تمسحي دمي
كَولو لمي ايلا مات بنداود خلا ما يتعاود….كَولو لمي ايلا مات دويدة ع كوي لكبيدة
كَولو لمي ايلا غاب وليدك نفسو هايجة….وليدك نفسو هايجة من تادلة حتى لطنجة نقاوم العديان….
ونظرا لكون منطقة الأطلس المتوسط قد عرفت اختلاطا أمازيغيا- عربيا؛ فهناك بعض العيطات العربية كانت تردد بهذه المنطقة تشيد بمقاومة قبائل القصيبة وأيت عطا وأيت بوزيد وأيت عتاب للمحتل الفرنسي، والتي من بينها المقطع التالي من عيطة “الشجعان” الملالية للشيخة “مباركة لمبيهيشية”:
فين عزك يا القصيبة….كان موسم ولا سيبة
وأيت عطا وأيت بوزيد….من تما زيد وزيد
غوتت الشلحة في زيان…والعسكر شد البيبان
غوتت في البرج العالي…دارتها غوتة وتزغريتة….( المرجع: كتاب “النص الغنائي بالمغرب” للباحث الدكتور محمد شقير الصفحة 29.)
ونجد كذلك مجموعة من الأغاني الشعبية بألحان وإيقاعات عيطية، وبكلمات مستحدثة خلدت الأبطال المقاومين تغنى بها الأشياخ والشيخات ومازلنا نتغنى بها إلى يومنا هذا، أغاني عن شهداء الوطن والحرية والنضال من أجل الديمقراطية، من بينها أغنية ” علال بن عبد الله”:
علال يا بن عبد الله….نورك شعشع في القبلة يا سيدي علال
أهاو أهاو أهاو أهاو ويا سيدي علال
هيجتي النفس الباردة…يا سيدي علال
رواح الشهدا حاضرة…يا سيدي علال
غيبتي يا نجم وهلال…يا سيدي علال
كَاع نموتو ما يدوم حال…يا سيدي علال
أهاو أهاو أهاو أهاو ويا سيدي علال
كما لعبت العيطة الجبلية بدورها دورا مهما في شحن الجماهير وتحميسهم وتشجيعهم على الثورة ضد العدو المستعمر، ونجد ذلك في قصيدة “القبطان صولي” للراحل الشيخ محمد العروسي، هذا الفنان الذي كان فنانا وطنيا مقاوما عاشر الحركة الوطنية وهو شاب خلال فترة المقاومة، مجاهدا بفنه حيث تعرض للاعتقال جراء القصيدة الغنائية الهجائية في حق القبطان الفرنسي المعمر “صولي”، والتي كان يغنيها مركبة كلماتها على ألحان عيطة جبلية، والتي يقول مقطعها:
باسم الله باش بديت…سيادي على نبينا صليت
على القبطان “صولي” غانيت….مع البون قطعو علينا حتى الصابون
ااخوتي مكاين باس…كيعطيونا ربعي للراس
شحال دا الناس ماتو بالجوع…أيا القبطان صولي يقول جيبو الحولي
وأنا كَالس في الباب…صولي عبا لينا التيران
أنا كَالس في القيطون…صولي عبا لينا الزيتون
أنا كَالس في البيت…صولي عبا لينا الزيت
الله يدلها دعوى…صولي عبا لينا حتى الصلغوا… ( المرجع: كتاب “النص الغنائي بالمغرب” للباحث الدكتور محمد شقير الصفحة 254.)
وفي عيطة الساكن نجد العيطة الشهيرة “العلوة” تتغنى بالأبيات التالية:
كَيسر كَيسر كَيسر….جمعة ولات خميس
الله يرحم الخامس….فاتح المدارس
الخادم يا بنتي….لا تبكي لاتشكي
الفراق جابو ربي….دبا يرجع سيدي
وقد تغنى أشياخ وشيخات العيطة خلال فترة المرحلة الوطنية ونفي الملك محمد الخامس رحمه الله، بعدة قصائد تدعو إلى التآزر والتضامن والتلاحم فيما بين أفراد الشعب المغربي، وأن النصر قريب وانتظار عودة الملك المحبوب من منفاه آتية، كما نجد ذلك في الأغنية الشهيرة للشيخة “الحاجة الحمداوية”:
خوتنا في الاسلام….هزو بنا لعلام
زيدو بنا لكَدام….ايلا خيابت دابا تزيان
ويا بابا ..ويا بابا عيط الله تصيب الله…المغرب بلادي يحيا
الله ينصر السلطان…..وولدو مولاي الحسن
وزين الوطن……دابا مول الحق يبان
ويا بابا ..ويا بابا عيط الله تصيب الله…المغرب بلادي يحيا
الشلحة في لجبال….تصيح كالغزال
وتعيط يا رجال…يحيا الملك والوطن
ويا بابا ..ويابابا عيط الله تصيب الله…المغرب بلادي يحيا
خوتنا ياالمسلمين….عونو الفدائيين
ولو بالكلام الزين…ينصرهم رب العالمين
ويا بابا ..ويا بابا عيط الله تصيب الله…المغرب بلادي يحيا
وكذلك بالنسبة للمجوعة العيطة المرساوية بما في ذلك: الشيخ بوشعيب البيضاوي، والشيخ الماريشال قيبو، والشيخ بوشعيب زليكَة والشيخ عبد الله البيضاوي.. في مجموعة من الأغاني الشعبية منها أغنية: دابا يجي يا الحبيبة، وهادي كاينة، والشيباني…” وغيرها من الأغاني التحميسية التحريضية التي تشجع على النضال والمقاومة وتمجد سير المقاومين الوطنين.

إن أشياخ وشيخات العيطة لعبوا دورا كبيرا ، وكان لهم حضورا متميزا، فمن خلال أصوات حناجرهم الصادحة النادبة والنادية، ورقصاتهم المستقطبة والرامزة، ومن خلال نصوصهم الغنائية، غنوا ورقصوا وناضلوا وهللوا وقاوموا وواجهوا ومجدوا وأشادوا واحتجوا واستنكروا وتمردوا.. وتعرضوا من أجل نضالهم الفني إلى شتى أنواع التعذيب والتنكيل ومنهم من قضى نحبه ومنهم من زج بهم في السجون لقاء مقاومتهم ونضالهم من أجل وطنهم، أعطوا الكثير ولم يأخذوا سوى القليل، وأغلبهم لم يحصدوا سوى السجن والعذاب. ومنهم من لم يتحوز حتى على تلك البطاقة الشرفية “بطاقة مقاوم”..وحتى بعد الاستقلال كانت فرق “رباعات الشيخات”، حاضرة دائما خلال كل الاحتفالات الوطنية؛ مناسبات أو أعياد وطنية، وأحيت فرق الشيخات سهرات للجنود بالصحراء المغربية على الحدود فيما سمي بين الأشياخ بليالي “الكلاطة والعيطة”، كما شاركوا في المسيرة الخضراء المظفرة..لقد كانت فرق العيطة حاضرة بقوة في جميع الاحتفاليات الوطنية لحشد الجماهير وجمعها، ولتنشيط الحضور؛ يغنون ويرقصون على الخشبات بالقرى والمدن في القاعات وعلى المسارح الكبرى، وعلى ظهر الشاحنات والباخرات وحتى فوق العربات المجرورة بالدواب “الكارو”، يشاركون الشعب المغربي فرحة هذه المناسبات الخالدة والذكريات المجيدة..كان بالنسبة إليهم الفن من أجل الفن، يبدعون ويغنون من أجل الفن والحرية للمواطن وللوطن..
ونجد اليوم فنانات وفنانون يكتبون ويلحنون أغاني يسمونها وطنية هذا جميل ومقبول ويستحق التشجيع، لكن أكثرها أجدها لا تحمل أي قيمة ولا قدرة على توحيد الشعب، ويتم الترويج لها عبر قناتي القطب التلفزيوني العمومي وعلى الإذاعة الوطنية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي “الفايسبوك، اليوتوب، التويتر..وعبر تطبيقات التراسل الفوري، إلا أن هذه الأغاني لم يلتفت لها أحد وسرعان من ينطفئ بريقها ويخبو لهيبها ولا تحرك ساكنا في مشاعر الجماهير، والشيء الوحيد الذي في هذه الأعمال أنها توافقت مع العصر الذي غُنيت فيه، العصر الذي حول كل شيء إلى إسفاف؛ فلم تعد للموسيقى معنى، ولم يعد للكلمة معنى، ولم يعد للنداء مجيب..كما صرنا نرى العديد من الفنانات والفنانين يرتدون ملابس منها التقليدية والعصرية، خيطت وطرزت بألوان الراية المغربية ألوان حمراء ونجمة خماسية خضراء، ومنهم من يحمل أتناء غنائه على الخشبة أو في مهرجانات، أو خلال سهرة بالفضاء العمومي أو سهرة منقولة على شاشة التلفزة، -وغالبا نفس الفنانون ونفس الوجوه وكأنهم هم الأكثر وطنية بين المغاربة، _ نجد الفنان يغني وعلى كتفيه الراية المغربية الحمراء التي تتوسطها النجمة الخماسية الخضراء، لهذا ينبغي على هؤلاء الفنانين أن يصونوا الأمانة، وأن يمثلوا هذا العلم أحسن تمثيل قلبا وقالبا، قولا وعملا، ومنهم من أوفى بذلك مشكورا، عكس بعض الأشخاص الذين يتقلدون مناصب عليا بالبلاد عسكرية ومدنية، ويرتدون أزياء لبدل رسمية وبنياشين برتب سامية، وخانوا الأمانة والعهد الذي عاهدوا الله والملك عليه، وخانوا الوطن بعدما باعوا ضمائرهم للفساد والرشوة، فساهموا بذلك في تخلف البلاد وفقر العباد.
إن الأغنية الوطنية هي الأخرى بدورها تضمر ويخبو فتيلها مع هيمنة الفساد والاستبداد وإهمال أحوال البلاد والعباد، حيث يعتقد المواطن بأنه يعيش في وطن يتنكر له ويهمله ومن حقه رد خيار الجحود والإهمال بالعقوق والإهمال واللامبالاة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى