الأغنيةالتراث الشعبيفن وثقافة

الأغنية العيطية بين حنين الماضي وواقع الحاضر وآفاق المستقبل

شيخ العيطة الحسين السطاتي


الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي توحد كل الشعوب، وهي تلك النشوة الحسية الممتعة التي تحس بها القلوب، وهي الفن الذي يتخذه الإنسان في كل بقاع العالم وسيلة للتعبير عن أحاسيسه ومشاعره في شتى بقاع الأرض بواديها وحواضرها، وقد ارتقت وتغيرت الموسيقى والأغنية عبر مراحل على مر العصور، عصرا كان ذهبيا لبعض الأنماط منها، وعصر شهد انحطاط تلك الأنماط وتقهقرها بعد عز وسؤدد..ليصير تراثا فنيا حضاريا يعبر عن تطور وازدهار أمة في تلك المرحلة، وكأنه مخلوق حي يصاب بأمراض ويشفى، لكننا لا نريده أن يموت.. فارتقاء الشعوب من رقي موسيقاها ورقي الموسيقى من ارتقاء الشعوب..
والمغرب بلد غني بثقافته الشعبية وبثرائه الغنائي الموسيقي الغنائي، حيث يزخر بألوان عديدة من الألوان الموسيقية التراثية التي تمتاز بنصوصها العميقة المعبرة، وألحانها الجذابة وإيقاعاتها المتنوعة الخلابة، التي تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، ومن بين الفنون الموسيقية التراثية التي عانت من عوائد الدهر وشر البشر نجد فن “العيطة”. هذا الفن الذي قطع أشواطا وهو يتموج بين التطور والتحضر وبين الانحطاط والتقهقر. وكل من له أذن موسيقية سليمة وذوق غنائي نظيف، وله غيرة على الأغنية المغربية سيجد أن هذه الأغنية بكل أصنافها تعاني من الركود والجمود بل المرض، إلا بعض الاستثناءات القليلة، حيث لم نعد نسمع تلك الأعمال الفنية التي ترقى لجودة ما كنا نطرب لسماعه.
إن هذه الأزمة الصحية “الكورونية” التي يشهدها العالم، والمتمثلة في انتشار وباء “كورونا”، جائحة “كوفيد 19 المستجد”، قد أثرت سلبا على الجسد الفني العيطي، كما أضرت بباقي الفنون الجميلة الأخرى، بل أصيب الجسد الغنائي العيطي بالشلل التام من جراء المنع من مزاولة أي نشاط موسيقي عيطي من طرف السلطات المعنية، إلا بعض الاستثناءات من “أشياخ” و”شيخات” أولئك الذين يزاولون أنشطتهم الفنية خارج أرض الوطن..فالفنان العيطي اليوم يعيش أزمة حقيقية سواء من حيث ظروف العيش القاسية التي يتخبط فيها أو ندرة إلى انعدام الإنتاج والإبداع، لكن السؤال المطروح في هذا الشأن: هل كان هذا الجسد معافى قبل هذه الجائحة، أم كان مريضا وزادت كورونا على علته؟
إن لكل عصر أدواته ووسائله الخاصة، ونحن اليوم في زمن كثرت فيه الألوان والأنماط الموسيقية، وتعددت وتنوعت فيه الآراء والأذواق الفنية للأشخاص التي نجدها تتراوح بين ماهو ميال وعاشق لألحان وأنغام الماضي الذي يسمونه بالزمن الجميل، وبين من يفضل الموجة الحالية السائدة للنغمة الدخيلة المتمردة، والكلمة المستوردة، والأنغام والألحان والإيقاعات الموسيقية المقلدة، ولابد هنا من وقفة تأمل وتساءل لنرى معالم الأغنية العيطية على وجه الخصوص، هل هي تسبح في موجة تنشد الصعود والتألق أم أنها بالكاد تتنفس الصعداء وتكاد تغرق؟ ويا ترى كيف هو حال العيطة اليوم؟ وهل ولت حقبة زمن العيطة الجميلة؟ وكيف يمكن إخراج الأغنية العيطية من الوضعية التي آلت إليها، والسير بها قدما مستفيدين من الموروث الثقافي الضخم الذي تركه لنا الأسلاف “أشياخ” و”شيخات”، ذلك الرأسمال اللامادي الذي لم ولن يستطيع الزمان طمره وإخماد بريقه؟ وهل نستسلم للغزو الفني الموسيقى الدخيل فندع موسيقى الآخر تطمس معالمنا التاريخية والحضارية الفنية، ونصبح في القادم شعبا بلا حضارة وبلا موسيقى؟

لقد صرنا نعيش قصة ذلك الغراب الذي أراد أن يقلد درج ومشية الحمامة، فنسي مشيته، وظل ينط تائها لا يدري ما يفعل، وعلى أي قرار يستقر، إن يد الغرب قد امتدت إلى حياتنا في كل المجالات، ومنها المجال الموسيقي الغنائي، وتوغلت بصورة زلزلت القيم المتوارثة في مفاهيمنا، وخلقت فيما بيننا صراعا حضاريا اتسعت أثاره على موسيقانا بجلاء..وبدا ذلك واضحا في حيرة الشباب المغربي بين الموسيقى الغربية التي بهرته بإمكانياتها التعبيرية الضخمة، وبين موسيقانا المغربية المتوارثة..وقد أدى ذلك إلى أن اتخذ الفن الموسيقي عامة بكل أصنافه وألوانه في بلادنا طابعا جديدا قد يتسم بشيء من الحيرة والقلق، رغم أن هناك أسماء على قلتها يشهد لها بالاجتهاد والتطوير، فلم تتبلور لدينا الموسيقى الجديدة المناسبة التي تستطيع أن تفي بالاحتياجات الجمالية والوجدانية للشخص المغربي الجديد، بعد أن تفتح ثقافيا وعلميا وفكريا..
إن الأغنية العيطية قد عاشت ازدهارها في سنوات الثمانينات والتسعينات، ونشير على سبيل المثال إلى رائعة “خربوشة”، تلك العيطة العبدية التي تناقلتها الأجيال وبمختلف التوليفات اللحنية، من العيط العبدي المتوارث عن الأسلاف إلى العيط المرساوي حيث جددها الشيخ “بوشعيب البيضاوي” مع الشيخ “الماريسشال قيبو” والعواد “بوشعيب زليكَة”..، إلى الشيخة “الحاجة الحمداوية” التي غيرت معالمها من فن “ربايع الشيخات” إلى النمط الأوركسترالي بجميع آلاته الموسيقية، ثم إلى الفنانة القديرة “حياة الأدريسي”، التي وضعتها في قالب عصري أضفى عليها الطابع المتمدن، كما نجد العيطة المرساوية “ركوب الخيل” التي أدتها مجموعة من المجموعات في نمط “الأوركسترا”، ثم جدد فيها الفنان “عصام كمال” مزج فيها بين الموسيقى العيطية والموسيقى الغربية لنجد موسيقى هذه العيطة تظهر من جديد في نمط أركسترالي سيمفوني رائع وبديع من طرف أوركسترا السمفونية الهولندية. وكثير هم الفنانون المبدعون للأغنية العصرية المغربية الذين لقحوا أغانيهم بإيقاعات وألحان العيطة، كما وصلت العيطة إلى بلدان خليجية ومشرقية. وأركسترات عالمية للسيمفونيات..


إن التراث الموسيقي ليس بالكتاب المقدس وهو متغير ومتجدد، والتراث الذي لا يتطور يموت، والعضو الحي الذي لا يتحرك لا ينمو، فموسيقانا العيطية ستواكب نهضتنا، وتعبر عنها بوسائل العلم والفن، إذ لكل عصر مبدعيه وجمهوره وآلاته، وليس هناك ما يعوقها عن الاستفادة ببعض الأساليب الدخيلة المناسبة التي لها أصل في ثقافتنا وفنوننا الموسيقية، وبما لا يتعارض مع طابعها العام والحفاظ على روح الهوية العيطية المغربية، فلا بأس بتعدد التصويت في أنساق ترتاح إليها الأذن المغربية التي ألفت سماع موسيقى العيطة في أنغامها وألحانها وإيقاعاتها وفي لغتها وأساليبها البلاغية، ولا بأس من تعدد وتنوع الآلات الموسيقية بما فيها التقليدية والعصرية والكهربائية والالكترونية والرقمية.. مع المحافظة على روح أنغامها.. والاعتماد على التكوين والتدوين الموسيقي، وتدارس التراث الموسيقي في كل زمان ومكان، فكما أن المثقف العام يحتاج إلى فهم اللغات الأجنبية لينفذ منها إلى أجواء المعرفة العالمية، فكذلك الموسيقي المغربي عموما أو العيطي على الخصوص بتذوقه ودراسته لإنتاج وإبداع الآخر، أكيد سيجني معرفة في ذلك الاطلاع وتلك الدراسة، ويحصد منها وسيلة يفيد منها في إنتاجه وإبداعه.. فإن الأفكار المبتكرة تثيرها أفكارا مكتسبة، لكن يجب الأخذ بوعي وحذر وتبصر فما كل ما يحوزه الآخر الأجنبي يجب مجاراته وإتباعه.


لقد استفادة الأغنية العيطية كباقي الفنون التراثية الأخرى من التطور التطنولوجي والرقمي، واستطاعت مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري أن تخدم العيطة، وأضحى من السهل على أي فرد عاشق لفن العيطة أن يصبح فنانا ومغنيا عيطيا، لكن لا أعتقد أنه سيصير شيخا للعيطة، إلا إذا خضع لتدريبات مكتفة واطلاع واسع على هذه الموسيقى، لقد أصبح البعض يقيم عمله الغنائي بعدد المشاهدات “اللايكات”، على “اليوتوب”، يعتقد أن هذه المشاهدات كافية لنجاح عمله العيطي ولو كان رديئا، ومعروف الطرق الملتوية المزيفة التي تجعل ذلك العمل الفني يشاهد من طرف ملايين الجماهير، حتى لو كان عملا إباحيا فاضحا وخادشا للحياء..لكن يبقى لهذه الأغنية الجديدة عمر الوردة وتدبل، وهذا في نظري بصفتي شيخ للعيطة ليس معيارا لنجاح العمل..وعكس ذلك كانت العيطة في عصرها الذهبي للرواد تخلد وتُعمر. كما أن للإعلام دورا مهما في تسويق الرداءة، وانعدام لجان فنية موسيقية تسهر على الفرز والعزل..وإنشاء رابطة فنية لرعاية الأعمال الجيدة ودعمها..
إن من حسن حظ فن العيطة أن له ارتباط وطيد بالفن الشعبي المغربي، هذا النوع الغنائي الذي يلقى قبولا واقبالا وانتشارا واسعا من طرف الجمهور، ويجر معه فن العيطة، حيث تبدأ الوصلة الغنائية بعيطة تراثية كلاسيكية، وتختم بالإيقاع الشعبي الخفيف الراقص، والبراويل والأغاني الشعبية المختلفة المواضيع، لهذا أعتقد أنه لا خوف على فن العيطة من الاندثار والتقهقر.
وختاما بصفتي شيخ للعيطة مغني وكومنجي ل”رباعة الشيخات” أدعو الله سبحانه وتعالي أن ينجينا من هذا الداء الكوروني، ويرحم موتانا، وأتوسل للخالق أن يشفى الجسد الفني العيطي.. وأختم هذا المقال وأنا أستحضر وأتذكر الشيخة وهي تغني أمامي في الحفل، تبتسم وفي قلبها وجع، الدمع في مآقيها يترقرق، وحبالها الصوتية توشك أن تتمزق، وهي تبتهل وتتوسل لله وتعيط عيطة “الشاليني” ولا تعي بما تنطق:
نطلب العالي الخالقني….بيض السحاب….يطفي هذ الغضب يا العالي
العالي يا العالي….كلشي فيدك يالغالي…..على الشاليني
نطلب العالي يا سيدي…..العالي لعلو….مولانا يعفو ياسيدي
مالي يا مالي…يعفو على اللي تلفو ياسيدي…..والشاليني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى