شعر ورواية

قصة.” Swarovski “. لخديجة أجانا

خديجة اجانا

 

 

للمرة العاشرة ينزع نظاراته ويمسحها ثم يعود ليقرأ الصفحة نفسها… أغلق الكتاب بعدما صارت السطور تتراقص أمام عينيه، والحروف تتداخل… نزع نظاراته، واستلقى على الفراش يفكر في ضرورة تغييرها…
“موعد الفروض قريب ولن أتمكن من تصحيحها.. غدا أتصل بطبيب العيون لحجز موعد.”
في الفصل صباحا، أحدث دخوله على تلاميذه موجة من الضحك الهستيري. أهدر نصف الحصة لإخمادها دون أن يفهم بواعثها، زمجر وتوعد ملوحا بدفتر التنقيط، ثم تهالك على كرسيه تعبا غاضبا يردد هامسا: ” جيل ما أوقحه!” أشرقت في عقله فكرة، نادى التلميذة التى تجلس أمامه فى المقعد الأول، وأمرها بكتابة أبيات شعرية أخذ يمليها عليها، فكتبت:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفه التبجيلا
اقعد فديتك هل يكون مبجلا
من كان للنشء الصغار خليلا
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا
حسب المعلم غمة وكآبة
مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا
…….
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا
فطن التلاميذ لعتابه، وتبدلت سحناتهم، وأخذوا يترقبون في قلق خطته التالية، غير أن التلميذة ذيلت الأبيات بكلمة: swarovki، وبعثت إليهم إشارات التقطوها فأشعلت حماستهم…
قام ومشى إلى آخر الفصل تتبعه وشوشات وضحكات مكتومة، قرأ بيسر الأبيات المدونة على السبورة، شغلته الفرحة عن الانتباه إلى التذييل. “عجبا، همس لنفسه، لم تخني كما ليلة امس، لعله التعب فحسب، أما النظارات فما زالت صالحة، كنت سأتسرع في تغييرها.”
– من صاحب النص؟ سأل.
جاءه الجواب جماعيا صاعقا:
Swarovski.. Swarovski.. Swarovski…
– من Swarovski؟ سأل غاضبا وأسر:”جيل ما أجهله!”
– شاعر روسي..
– شاعر ألماني..
– شاعر أمريكي..
– شاعر ياباني..
انفلت منه مرة أخرى القياد.. انتابه دوار وغثيان… لم ينقذه من العفاريت إلا رنين الجرس معلنا انتهاء الحصة.
في قاعة الأساتذة، أثناء فترة الاستراحة، كانت عيون زملائه مصوبة عليه كالسهام، بعض زميلاته لم يتمكن من حبس ضحكهن فآثرن مغادرة القاعة…
على مائدة الغذاء، تبادلت زوجته وأبناؤه نظرات وغمزات قبل أن يفاجئهم قائلا: “كدت أن أتورط اليوم…”
– تتورط؟ قاطعته سائلة زوجته.
– حجزت موعدا مع طبيب العيون.. لكن اتضح لي أن نظاراتي ما زالت صالحة جدا.. جدا..
– عليك تغييرها…
– ولم التبذير؟
– كما تشاء، يا حبيبي، لكن عليك أن تنزع نظاراتي.. فلا أدري إن كنت وضعت الملح أم السكر في الطعام…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى