شعر ورواية

“ربما كان أبي هو السبب..” لمحمد الطايع

 

محمد الطايع

 

لم أشترط الكثير ، لم أكن متطلبا ، كل الذي طالبتك به ان تكون صادقا معي ، مثلما كنت أنا بالغ الصدق معك ..

لست أدري ، ربما كان أبي هو السبب ، أبي الذي علمني و أنا صغير ، معنى العفة و الكرامة و الصدق ، أبي الذي اكتشفت ذات عمر مضى ، أنه حقق المستحيل ، و استطاع بعبقريته الخارقة ، أن يعطي مما لايملك ، فهو لم يكن أبدا صادقا ولا عفيفا ولا كانت الكرامة تعني له شيئا ..

لكن ، و لأنه كان يفتقد هذه المبادىء فقد أوصاني بها كثيرا ، فحذرني من الشرك بالله ، والشذوذ الجنسي و السرقة و شهادة الزور ، فعل ذلك وهو لايصدق مع نفسه أن الله على كل شيء قدير ، ربما لاعتقاده أن ابن الذئب يمكن أن يكون أسدا ..

هكذا حدث ، فتعلمت أعظم الدروس بأسوأ الطرق و أشدها قسوة على الإطلاق ، فما أغرب أن يعاقبك اللص على السرقات الصغيرة ، و ما أسوأ أن يعاقبك الدجال على كذبة بيضاء ، ربما بسبب مثل هذه الظروف المخادعة و الحرجة ، ازددت يقينا بجدوى القيم العظيمة ، و راهنت بحياتي من أجلها ، لكنني بالمقابل ، لم أحلم بما هو أكثر من المستطاع ، و لذلك تجدني لا أرغم أخا و لا صديقا و لا حبيبا أن يكون أكثر مما هو عليه ..

هذا وأعرف الفرق جيدا بين الرجل والبطل ، أعرف أنه بإمكان أي ذكر أن يكون رجلا ، وبإمكان أية أنثى أن تكون امرأة ، لكن أن تكون بطلا ، فذلك أمر صعب ، وصعب جدا ، فما معنى يا سيدي و ياسيدتي أن تكون بطلا ، لا أن تكون مجرد رجل أو امرأة ، الفرق بسيط جدا ، وهو من زواية أخرى فرق شاسع و عملاق ، إنه كذلك حين تدرك حجم الثمن المدفوع في سبيل تحقيقه ، فقد يكون الثمن حياتك نفسها ، و لن تنال حتى كلمة تأبين حين يسلخ جلدك في العراء ..

نعم أيها الراغبون في الشرف ، لكن تحول بينكم وبينه بعض المطامع اللئيمة ، ايها الراغبون في المجد ، لكن تنقصكم بعض الشجاعة ، أيها الراغبون في الجنة ، ما أرحم ربي بكم وهو يعلم أن أجسادكم الخبيثة تشتهي الإكتواء بالنار ..

الخطة بسيطة ، و الثوب على المقاس إلا من أبى ، سادتي الكرام ، إنه الصدق بكل فصاحة ، فقط ، الصدق ، لو كنا صادقين واستثني من دائرتنا الكريمة ، عباد المصالح ، و أهل النفاق وأعداء الحقيقة ، لو كنا صادقين مع أنفسنا أولا ومع الناس واجبا ، و مع بعضنا البعض دائما ، كنا سنكون خير أمة أخرجت لهذه الارض ..

لكننا كذابون ، نكذب في كل شيء ، فيود الواحد منا لو أن له اسمين ، وعنوانين وقلبين وعشرة وجوه ، يستعلمها حسب اللزوم ، يا أيها المغفلون أضعتم الكثير ، حين التجأتم ذات ضعف وحيرة للكذب ، وكان على الأقل أسلم للجميع لو التزموا الصمت ( لم أطلب من الوردة أن تخبرني عن مكانها ، لكنها هي من بالغت في وصف الحديقة ، كما لو أنهم أخبروها أنني واحد من ملوك الأندلس ، إطلاقا ، كنت سأعشقك لو اطلعت عليك فوجدتك تزهرين في مزبلة ، كنت سأعتبرك رمزا للجمال لو عرفت أنك رفعت رأسك من بين الحطام ، لأنك مخلوقة عظيمة ، آمنتْ بالجمال وهي في أحضان القبح ، وصدقت العطر و هي تفتح أكمامها وسط الضياع ، هكذا فكرت و يا للأسف .. ) دمرتني نواياي البريئة ..

يا أصدقائي الفقراء ، أيها الكادحون ، والله العلي العظيم ، لو أنكم كنت تخبرون بعضكم البعض أنكم محرومون من نعم كثيرة ، و ملذات لا يحرجكم أنكم لم تتذوقوها يوما ، و مشتهيات لاتعرفون أسماءها ، لو أنكم تجنبتم التفاخر بالوهم والعيش الكريم الغير موجود إطلاقا ، لانتصرتكم على مصاصي الدماء ، و لوقفتم جميعا أمامهم مثل البنيان المرصوص ، لكنهم الآن يسكرون نشوة و يشربون نخب انتصارهم بسبب خيانتكم لأهلكم و لدينكم و لكل شيء كان بالإمكان أن يمنحكم قيمة ..

حاججته فقلت له ، إن القوم جوعى ، قال ، أنت الجائع الوحيد ، قلت له ، إنهم يكرهونك ، قال وحدك الحسود البغيض ..

لو أن تارك الصلاة قال ، أنا لا أصلي ، لو أن الغائب ، قال بعد عودته ، كنت في بيتي اعاني ألمي و و حدتي وأشكو ضعف حالي لربي ، لو أن كل فتاة أخبرت صاحبتها بمستوى معيشة اهلها ، لو أن كل مظلوم باح بمعاناته ، لو أن كل ذي جرح نزف علنا ، لتعلمنا كيف نساعد بعضنا البعض ، الحاجة أم الاختراع ، فكيف يخترع الحل لمشاكله من لاتقبل نفسه المريضة أن يعلن حاجته ؟ ما حاجتنا لمصائب قوم كي نستفيذ منها و مصائبنا كموج البحر ، لكننا نغرق في صمت ، و نحمد الله على نعمة الصمت الحكيمة ، لولا أننا هكذا ، لم يكن سماسرة الوهم ليغتنوا على ظهورنا ..

إننا و للأسف الشديد ، لم نتعلم كيف نواسي بعضنا بصدق و حب ، و نكون على قلب رجل واحد ، ونزرع في انفس بعضنا الامل ، واليقين بأن نواميس الحياة منصفة ولو بعد أمد ، ان نحب لا نحب الا في الله ، وان نكره لا نكره إلا في الله ، لو أننا كذلك ، لم نكن لنصنف في أسفل الأمم ، فالرقي ليس معناه ان تكون ثريا مدججا بالسلاح الفتاك محاطا بالحرس والكلاب وان تأكل أطايب النعم ، وأن تقرأ أمهات الكتب ، و أن تمارس الجنس صباح مساء ، و أن تصلي بثوب شديد البياض ، وأن تكون شاعرا لايشق له غبار ، الرقي هو أن تكون صادقا مع نفسك ، الرقي هو تعرف نفسك من أنت ، وتنقي قلبك وأخلاقك ، حتى لايبقى في حياتك سر يخجلك الجهر به ، فإن كنت سكيرا اشرب كأسك علنا ، فلا تسكرن بالليل وتنهى نهارا عن شرب الخمر ، ثم تأمر بجلد السكارى ..

ليتك تكون واضحا مع القريب و البعيد ، مع الله المطلع على الخفايا ، و مع العدو كما الصديق .. أقولها حسرة لأنني تافه ، حقير ، وضيع كما ترى ، سمني كلبا إن شئت ، فانا فعلا بالغ السوء ، لا خلق لي ولا فضيلة ، لكنني صادق ، فهذه لعنتي الخاصة أطلقها مسعورة ، على كل من يدعي أن سره كجهره وأنه مثل محارة في عمق البحر يغسلها بملحه صباح مساء ، و قلبه مرحاض يتبول فيه الشياطين عند الفجر و عند الغروب ..

ما الذي جنيناه ؟ نخاف من بعضنا البعض ، نكذب بعضنا البعض ، نسخر من انفسنا ، نسخر من كل شيء جميل تبقى فينا ، ولا رغبة لنا في الانكشاف امام بعضنا بوجوهنا الحقيقية وقلوبنا الحقيقية ، بعيوبنا ، فقد أخذتنا العزة بالإثم ، وظن كل محتال أنه استطاع أن يرسخ صورة الملاك في اذهان من عرفوه ، ألتقي بأصدقائي الذين أحبهم بكل جوارحي ، أسلم عليهم بمودة وأخبرهم بأحوالي كما هي ، ثم أكتشف أنهم جميعا ( ولاد القحاب بكل معنى الكلمة ) ما اقبح المشهد ، يؤسفني أن أقر بأن الذين صدقوا الحديث والبوح كانوا قلة ، قلة قليلة ..

من يملك ألفا يسرق من لايملك عشاء ليلة ، و من يملك وطنا يحرم عليك ان تكون مواطنا ، ويجرمك إن أنت فكرت في مغادرة الوطن ..

مع دخول العام الجديد ، سقط الكثير من المقربين من عيني ، وتلاشت كراسي المحبة التي كنت اضعها لآخرين في قلبي ، قلبي الان شبه فارغ ، ودماغي متخفف من اثقاله ، لست ملزما بأن أكون وفيا لأحد ، ولا ودودا مع آخر ، فبينما أنا اخبره بنية حسنة ولست متوسلا عند أهله ، أنني اعاني قهرا و فقرا وضياع و وحدة ، و أخبره أنني عاق أبي الذي عقني قبل أن أفكر في عقوقه ، وأنني لا أجد حرجا في السكر و الزنى متى توفر لي المال ، فأنا لست متزوجا و لا بيت لي ولا أهل و لا أملك خطة للثراء السريع ، وأنني لم أدخل مسجدا منذ عشرين سنة ، وأنني أحيانا لص صغير حين لا أجد من يقدم لي يد العون ..

يتبسم ابن الحقيرة في وجهي ، وكم أود أن أحشر كأس القهوة في وجهه حين يقول : أنت المخطىء ، لم أكن أظنك هكذا ، ما أشد بعدك عن الله ، لابد أن تنال عقابك ..

نعم كان علي أن أفهم يا مسيلمة الكذاب ، اين يتجلى خطئي ، إنه حبي لك ، وثقتي بك ، واعتقادي بأنك بطل ، وأنا أخبرك بكل الحقائق عني ، بينما أنت أيها الذكي الاسطورة ، تخفي أسوأ الحقائق ، ثم ها قد كشف الله غطاءك ، وعرفت عنك كل حقيرة ، دون أن أتقصى أخبارك ، فالجرائم المخفية مثل الجثث العفنة ، يكفي أن تذوب قطع الثلج المحاطة بها لكي تفوح روائحها العطنة ، فها نحن ذا أصبحنا سواسية ، كلنا حشرات في نفس القبر ايها الجلاد الحقير ..

والآن ، لابأس ، لست قاضيا ولا أملك محكمة ، ولست أيضا أنقى منك ، كما ان جرائم من هذا النوع ، وحده الزمن من يعاقب عليها ، لكنك خسرت الكثير حين كذبت وكذبت وكذبت ، خسرت يقيني بك ، وتصديقي لك ، فما أشد تفاهتك إن ظننت ذات يوم أنني سوف أكون لجانبك في أية معركة ، منذ اليوم لن تجد مني سوى الابتسام ، سوف نقضي أوقاتا ممتعة جدا ، سوف نضحك بسبب و من غير سبب ، سوف نقهقه حتى ونحن نساق للمقصلة ، فما أجمل هزيمتنا وما أروع خيبتنا ، لابأس ..

من العادي جدا أن نهوي جميعا الى القاع ، ولسوف نرى أينا قادر على تحمل العيش وسط الجحيم ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى