العيطة الجبلية

جسر التواصل26 سبتمبر 2020آخر تحديث :
العيطة الجبلية

شيخ العيطة الحسين السطاتي

العيطة الجبلية: تلك الأغنية الشعبية التراثية الشجية، التي تمثل لوحة تشكيلية تجريدية بديعة تسحر المتخيل، تجعل المتأمل فيها لا يمل، أبدعها فنانون مجهولون جبليون في الأصل، قرويون رعاة ورحل، لوحة تجمع بين جمال طبيعة الجبل، وروعة رقصات النحل، ونشوة الحصاد بالمنجل، وجودة غلة أشجار التين والزيتون والرمان والنخل، ولذة السمن والزيت والعسل، ومتعة فرجة الصيد والفروسية والقنص تشارك فيها المرأة كما الرجل، ونسوة تبدو على وجوههن سمة الحياء والخجل…لوحة متكاملة رائعة مصبوغة بألوان الشروق والأمل.
المغرب فسيفساء من التراث الغنائي المتنوع، وتختلف أنواع فنون هذا الغناء لغة وأداء ونغما باختلاف مناطقه، وكثير منه يتخذ العربية الدارجة “العامية المغربية” لغة في التعبير، ومن بينه نجد فن “العيطة”، فهو فن موسيقي غنائي يندرج ضمن الفنون التراثية والأغاني الشعبية المغربية التي تغنى ومازال يتغنى بها الجمهور، إذ يعتبر تراثا موسيقيا وغنائيا وتعبيرا ثقافيا وشعرا شفويا، كما يعد أحد التعبيرات التمثيلية الفرجوية المغربية، يؤديه فنانون مغنيون “شيخات” و”أشياخ” صناع الفرجة والفرح في الثقافة المغربية بشكل عام، والثقافة الشعبية بشكل خاص، على طول جغرافية الوطن، فنا أصيلا وتراثا شعبيا رافق المغاربة طوال عقود من الزمن ولا يزال مستمرا. وإنتاجا فنيا قام بالتعبير عن هموم وأفراح جزء كبير من المغاربة الشعبيين خلال فترة حاسمة من تاريخ البلاد..وسجل لنا مظاهر حية من معيشهم وطقوسهم وأحلامهم…
“وإن هذا الغناء الذي يطلقون عليه اسم العيطة، وأحيانا أسماء أخرى للتمييز، هذا النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية- الأنثوية والذكورية- والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافق، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموما، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”. المرجع: الباحث الدكتور حسن نجمي في كتابه بعنوان: “غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب 1″، الصفحة 17.
وهذا الفن الموسيقي من أعرق فنوننا الغنائية الشعبية، غناء البدو.. فن رعوي أصيل، نداء كتعبير عن ألم مشترك، وعن الحب بلذاته وعذاباته..وعيط في اللغة تعني صاح، والعياط يعني الصياح، والعائط الصائح وجمع عيط عيطات.. ورغم ما أضيف إلى هذا الفن التراثي من تحسينات وتهجينه بآلات موسيقية عصرية، قد عانى ولا زال يعاني من الإهمال سواء على مستوى الدراسة أو على مستوى التأليف والنشر، ويعاني من قلة المصادر التي يمكن أن يعتمدها الباحثون والمهتمون بعلوم الموسيقى، وعموم المواطنين الشغوفين بهذا الموروث الثقافي..وهو غناء تراثي مركب، واكب مجموعة من التطورات الاجتماعية التي انطلقت من مخالطة اللسان العربي بصفة فعلية لسكان كثير من المناطق المغربية الأطلسية، التي تقع خلف الهضاب الأطلسية، عند أقدام جبال الأطلس المتوسط، وكذلك أقدام الأطلس الكبير في فسحة الحوز إلى منطقة تافيلالت سجلماسة، وكذا فيما يلي المناطق المجاورة بما في ذلك؛ الشاوية، ودكالة وعبدة إلى حدود مناطق حاحة.
و”العيطة” فنيا هي فن شعبي مغربي يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، أشعار تغنى باللهجة العامية العربية المغربية، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، كما أنها مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. ويأتي التركيب كخاصية موسيقية وهوية إيقاعية وزجلية داخل فن العيطة..
وتسمية العيطة: معناها اللغوي “النداء”، وعيط في اللغة العربية أي ناد، وتعني النداء بصوت مرتفع حيت المنادي يطيل عنقه ليصل الصوت إلى المنادى عليه، نداء بالجهر بصوت ذو صرير يتوخى منه لفت الانتباه، وهي نداء القبيلة والاستنجاد بالسلف لتحريك واستنهاض همم الرجال واستحضار واستدعاء ملكة الشعر والغناء.
– وعلى المستوى الاصطلاحي، فالعيط عبارة عن مجموعة من الأشعار العامية تنشد في طبقات صوتية مرتفعة وتحمل معاني الاستعطاف والحسرة وطلب المساعدة والعون والتمني. ويعتبر هذا الفن تراثا موسيقيا وتعبيرا ثقافيا وشعريا شفويا، كما يعد أحد التعبيرات التمثيلية الفرجوية المغربية، إذ يمثل وجدان جزء أساسي من المغاربة على امتداد خريطة ممتدة من جنوب البلاد إلى شمالها، كما أنها فرع أساسي من فروع الموسيقى المغربية عموما والموسيقى الشعبية خصوصا، فنا أصيلا ضاربا في جذور التراث الشعبي والثقافة المغربيين.
وتنقسم الأغنية العيطية إلى فترتين مختلفتين:
الفراش: وهي المرحلة الزمنية ذات الإيقاع البطيء.
الغطاء: وهي المرحلة الزمنية ذات الإيقاع السريع ويستدعي أحيانا أن يكون مصاحبا بالرقص.
“ومن الناحية الإيقاعية الصرفة تتشكل العيطة من مجموعة أجزاء مستقلة تسمى “قطيبات” تفصل بينها “حطات”..جمع حطة..وتعمل بمثابة لازمة موسيقية تنهي مقطعا وتعلن عن الدخول في “قطيبة” جديدة..وقد تتعدد فصول العيطة الواحدة فتفوق عشر “عتبات” كما في بعض نماذج العيطة المرساوية. وتختتم العيطة بإيقاع سريع..يشبه “الدريدكة” في الملحون..مهمته الإعلان عن الانصراف النهائي ولذلك يسمونه “القفل” أو “السدة” أو السوسة.. وقد تفتتح العيطة بمدخل يكون عبارة عن تقاسيم أو “مشاليات” يؤديها عازف الكنبري أو العود أو الكمان..ويكون ذلك على سبيل التمهيد لولوج العيطة بمعناها الخاص..وتنتهي ب”تعريضة” وهي فسحة موسيقية راقصة تكون مصاحبة بالأرجل يسمى “الحساب”. (المرجع الباحث الدكتور حسن بحراوي في كتابه “فن العيطة بالمغرب الصفحة 9”).
ونذكر أن هناك مجموعة من أنواع العيطة، سميت حسب المناطق الجغرافية التي نشأت فيها، وهي كالتالي:
العيطة المرساوية، والعيطة الحصباوية التي تسمى أيضا بالعيطة العبدية، والعيطة الملالية، والعيطة الحوزية، والعيطة الجبلية، وقد تفرعت عيوط أخرى حيت نجد العيطة الزعرية وهي تابع من العيطة الحوزية وقد ظهرت خلال ما بعد الاستقلال وهي لا تتميز بصورة التركيب، ومنها انشق صنف الحب أو الحساب الزعري، وهناك العيطة الغرباوية التي تفرع منها الهيت الحسناوي والهيت الغرباوي الحلوفي، والعيطة الشيظمية، كما نجد هناك نوع آخر بمنطقة تافيلالت سجلماسة يسمى بالعيطة الفيلالية الجرفية، وتسمى أيضا بالعيطة الجرفية البلدية، ثم هناك نوع مشترك بن هذه العيوط ويسمى عيطة “الساكن”، التي لها علاقة بالذِكر بألحان روحانية وإيقاع الجذبة، وهذا الأخير “الساكن”، يوجد في جميع أنواع العيطة.


والحديث عن فن العيطة وأنواعها كثير ومتشعب، ونتطرق في هذه المقالة إلى نوع من هذا الفن وهو: “العيطة الجبلية”.
فالعيطة الجبلية: هي عيطة مركبة، أغنية شعبية تتكون من ثلاثة إلى خمسة أجزاء وأكثر، تسميتها تنسب إلى موطنها بمنطقة “جبالة”، هذه المنطقة الجبلية التي توجد في الشمال الغربي والشمال الأوسط للمملكة المغربية، بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وهذا الاسم مرده إلى الطبيعة الجبلية للمنطقة لتعوض بذلك تسميات قديمة ك”الهبط” و”جبال غمارة”، و”جبال الفحص”، و”جبال الزبيب” وغيرها..وتمتد هذه المنطقة على شكل هلال من منابع “ورغة” بإقليم “تازة” محاديا ل”غمارة” إلى أن يطل على البحر الأبيض المتوسط عند قبيلة “أنجرة”، أما من الغرب فيمتد على طول الساحل الأطلسي محاديا قبائل سفيان وبني مالك وحجاوة وأولاد عيسى واشراكَة والحياينة وبني وراين والريف.. وهذه القبائل موزعة على الأقاليم؛ طنجة وتطوان والعرائش وشفشاون ووزان والحسيمة وتاونات وتازة. والعيطة الجبلية لون غنائي عيطي جميل، متميز بالإيقاع البطيء المشكل، وقد تختلف نفس العيطة الجبلية الواحدة مثلا عيطة “البارود”، من قبيلة إلى أخرى بنفس المنطقة، فعيطة “بني سريف” ليست هي عيطة “بني عروس” رغم أن القصيدة هي نفسها لكن تختلف في بعض الأجزاء والزخرفات اللحنية، فهي أغنية شعبية تراثية تتميز بالتراكيب اللحنية والإيقاعية وتغنى في مختلف الطبقات الصوتية. ومعروف عن العيطة الجبلية صعوبة أدائها وطولها الزمني، لذا فهي تتطلب كثرة التدريب والتركيز والنفس الطويل، وتمتد مدتها الزمنية من ربع ساعة إلى نصف ساعة وأكثر.
ونشأ هذا الفن الجبلي مرتبطا بالأرض والمحيط، على ساحل كل من المحيط الأطلسي والأبيض المتوسط، وعلى ضفاف الأودية والعيون المائية وخيراتها، وسط طبيعة جبلية خلابة، بمنطقة “جبالة” الغنية بثرواتها النباتية والمعدنية والحيوانية منها البرية والبحرية، وحزامها الغابوي الأخضر، بين الأراضي الزراعية الخصبة والهضاب والشعاب والوديان، وقد صدحت حناجر البدو بهذا التراث “الجبلي” في البراري وسط المروج الخضراء، ووسط البحر وعلى الشواطىء، ودخل هذا الفن قصور السلاطين ورياضات البشوات والقواد والأعيان الكبار، وأثث الأفراح بالمداشر والدواوير النائية بالجبال، وبالمواسم الكبيرة حيث كانت تضرب الخيام الكبيرة الجبلية”الفراك”، وكانت الحفلات تنظم في الفضاء الطبيعي الفسيح بالغابات أو المروج ، حيث كانت تغنى العيطة الجبلية على طلقات البارود وصهيل خيول التبوريدة وزغاريد النساء الملعلعة .. وتقدم هذه العيطة صورة فنية بديعة عن البيئة الجبلية والساحلية والزراعية والرعوية الخصبة التي احتضنتها ورعت محاولاتها الأولى، وهي عيطة تحريضية ثورية حماسية، نص شعري بمواضيع مختلفة، تؤرخ للشجاعة والحماس والثورة ضد العدو، والجهاد في سبيل الوطن وضد المستعمر، كما توثق الاضطهاد والمس بالكرامة الذي كان يتعرض له الشجعان الجبليين على يد السلطات المخزنية الغاشمة، والعدو المستعمر الظالم، أولائك الأبطال الذين كان يقودهم نضالهم وثورتهم وتمردهم إلى أقبية السجون وساحات الإعدام، كما تتغنى هذه العيطة كذلك بجمال الطبيعة الجبلية وخيراتها، وجمال المرأة والعشق والهيام، وتتناول مواضيع عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية بالمنطقة، ونجدها تشير لبعض مكونات البيئة “الجبلية” التي ترعرعت وسطها كتمجيدها للخيل والفرسان والتغني بالجبل..

والعيطة الجبلية، تلك الأغنية الشعبية التراثية الشجية، التي تمثل لوحة تشكيلية تجريدية بديعة تسحر المتخيل، تجعل المتأمل فيها لا يمل، أبدعها فنانون مجهولون جبليون في الأصل، قرويون رعاة ورحل، لوحة تجمع بين جمال طبيعة الجبل، وروعة رقصات النحل، ونشوة الحصاد بالمنجل، وجودة غلة أشجار التين والزيتون والرمان والنخل، ولذة السمن والزيت والعسل، ومتعة فرجة الصيد والفروسية والقنص تشارك فيها المرأة كما الرجل، ونسوة تبدو على وجوههن سمة الحياء والخجل…لوحة متكاملة رائعة مصبوغة بألوان الشروق والأمل….حيث تختلط في متون هذه العيطة الحكمة والبسمة، والنغمة والكلمة..أشعار ذات مضامين بلاغية هادفة، بكلمات ناحبة باكية صاعدة بأنات من حناجر شيخات وأشياخ، كانوا يمثلون صوت من لا صوت له. يصدحون بمجموعة أهازيج وبراويل تتسم بطابع الحزن والأسى والنواح، وأنغامها عبارة عن آهات متحسرة وشكوى تحرك المشاعر وتهيج النفوس، وهي تغنى باللهجة العربية العامية المغربية.. .. وللأسف فرغم روعة وجمالية هذا الفن العيطي الجبلي ظل مهمشا، ولم يُحض بالإشعاع الإعلامي الذي يليق به كسائر بعض الأنواع العيطية الأخرى، فنادرا ما نجد فنانو العيطة الجبلية ببرنامج إذاعي أو بسهرة على أثير الإذاعة أو على قناتي القطب العمومي التلفزيونية، أو على صفحات الجرائد والمجلات..ولم يستفد حتى من المهرجانات التي خصصت لفن العيطة..وبفضل أصالتها الفنية وقوتها الشعرية، ظلت هذه العيطة متألقة تواجه أعدائها من الفنون الموسيقية الدخيلة، وقاومت العيطة الجبلية كل الرياح والعواصف والتقلبات، واستطاعت أن تحافظ على مكانتها وأصالتها في الوسط الفني الغنائي العيطي المغربي، ومن بين العيطات الجبلية الشهيرة التي مازالت رائجة نجد هناك:
عيطة “البارود”، عيطة “أولاد بلادي”، عيطة “زين الجبل”، عيطة “راح الليل”، عيطة “لولاد”، عيطة “عشراني”، عيطة “عوام يالحباب”، ونجد أيضا بعض أصناف العيوط التي تتميز بها العيطة الجبلية لوحدها، وقد تؤدى بدون مصاحبة للآلات الموسيقية، كعيطة “أعيوع”، وأخرى تؤدى على شاكلة معزوفة موسيقية بلا أشعار كعيطة “الرايلة” وتسمى أيضا ب”الكَوالية” وكأن الآلات الموسيقية هي التي تعيط وتنادي …كما نجد أيضا عيطة الساكن، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: “مولاي عبد السلام بن مشيش، مولاي بوشتى المختار، سيدي أحمد الشريف…” وهذه الأخيرة يعني “عيطة الساكن”، كثيرة بكثرة الكم الهائل للأولياء الصلحاء والأضرحة بمنطقة جبالة.
وحسب ما جاء في كتاب الباحث الدكتور حسن بحراوي “فن العيطة بالمغرب”، أن من بين الأسباب الأساسية التي كانت تؤدي إلى الاختلاط والتمازج الذي شهدته متون وإيقاعات العيطة بالمغرب، نجد أنه كان من المعتاد أن يتنقل محترفو هذا الفن من أشياخ وشيخات أفرادا أو جماعات..بين المدن والقرى المجاورة أو المتباعدة..طلبا للعمل أو السياحة والاسترواح أو بمناسبة زيارة مواسم الأولياء..وخلال هذا الانتقال كان يتم الأخذ والعطاء والتبادل المعرفي بين الرباعات المختلفة. وفيما يخص هذا التراث الجبلي نجد أنه يتقاطع ويتشابه في بعض الأجزاء مع بعض من أنواع العيطة المغربية، هذا التلاحم الناجم عن تأثير الجوار والتلاقح وأشكال الاقتباس، والتشبع بأنواع العيطات الأخرى في ثقافة الأخذ والعطاء، والتأثر والتأثير..كما هو الشأن بالنسبة لعيطة “التهليلة” الغرباوية، التي تشبه إلى حد ما عيطة “أعيوع” الجبلية..
والقصيدة العيطية الجبلية في عمقها هي قصيدة ثورية تحريضية حماسية، نداء إلى الجهاد والتمرد على الظلم والاستبداد، ونبد الغدر والخيانة..وقد برعت كذلك في الغناء العاطفي ذو نزعة النواح والبكائية، كما تطرقت كذلك إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية.
وتعرف العيطة عموما بالأغنية الشعبية القايدية، وقد ارتبط فن “العيطة الجبلية”، كباقي الأنواع العيطية الأخرى بالأعيان وكبار القبيلة، حيث ظل هذا الفن حاضرا في مجالسهم الخاصة والعامة في “القصارة” كما في حفلات الزفاف، وفي خرجاتهم إلى مواسم التبوريدة والصيد والقنص..ومثلما نشأت العيطة الحوزية في ظل “القايد العيادي”، قايد الرحامنة الذي كان لها نصيرا وذائدا.. والعيطة الزعرية وجدت الدعم والاحتضان في كل من القايد “التهامي بن عبد الله” والقايد “الحاج المكي”، والقايد “الحاج العربي بن عمر” بمنطقة زعير، ونشأت العيطة العبدية الحصباوية في مجالس القايد عيسى بنعمر، وترعرعت العيطة الغرباوية في كنف قواد من أمثال القايد العوني. نجد كذلك العيطة الجبلية نشأت في رعاية قياد كأمثال القايد عمر بن حدو التمسماني.
وفي الغناء الجبلي، نجد ارتفاع الشعور الذاتي الوجداني لدى الشاعر..حيث نجد المتلقي نفسه أمام فن غنائي قوامه البكاء والنواح والنذب والشكوى الحارقة يصدع بها العشاق والمفجوعين، حيث يطغى أسلوب النواح والبكاء بالتغني على الهجر أو موت المحبوب أو هجره أو غدره، أو غدر الصديق ومكره، أو موت عزيز كأحد الوالدين، أو الأبناء..كما نجد هذا مبين في عيطة” أعيوع”، إذ تبدأ القصيدة بموال حزين في البداية بدون عزف موسيقي ولا إيقاعي، وأحيانا يغنى مصحوبا بصوت ناحب لآلة موسيقية وترية أو نفخية، يذكر فيه المغني مناقب الفقيد أو الغائب ثم يدخل في استهلال عيطة من العيوط الجبلية. فقد كانت هذه العيطة في الأول عيطة ثورية، تُعد نداء للمقاومة واستنهاض الهمم، تمجد الأبطال الشجعان الذين سقطوا شهداء في فترة المقاومة، والمقاومين الذين زج بهم في غياهب السجون، والوطنين الذين أعدموا من طرف المستعمر الغاشم…
وهذا مقطع من عيطة “أولاد بلادي”:
ااااه يا أولاد بلادي بسم الله باش بدينا….وعلى النبي صلينا
المجاهدين طالبين عوين الله…..اااه يا سيادي على سيدنا محمد صلينا
ااااه يا أولاد بلادي هو الشفيع فينا وفيكم…يا أولاد جبالة طالبيع العوين من الله
يا طرطاق البارود سيادي في بلاد جبالة….طالعين لعقبة غزاوة راجين عوين الله
اسيادي في العقبة نرتاحو…مولاي عبد السلام شيخ جبالة….

كما نجد العيطة الجبلية تتغنى بالجمال، جمال الأرض و المرأة كما هو الشأن في عيطة “زين الجبل”:
ااااهلا وسهلا يا أولاد بلادي السلام عليكم…..مرحبا بسيادي أولاد بلادي
وألف مرحبا بكم وعليكم السلام….في أرض اجدادي الخضرا يا سلام
اااه يا ضمان بلادي سيدي الحبيب الوالي…زين بنات بلادي في الجبل العالي
لا لا لا لا لا لا مزين الكَلسة مع لحباب…لا لا لا لا لا خليوني نشوف زين الجبل
شحال يكَدني وأنا نتسنى كواني زين جبالة…يا أولاد بلادي العفو لله
أراولي زين الجبل…..جيبوه بالغيطة والطبل…..

وتقوم “العيطة الجبلية، على إيقاع مركب، غالبا ما يبدأ رتيبا عند الانطلاق، ثم يمضي الإيقاع في التصاعد تدريجيا ثم يعود ويتباطأ من جديد، وقد يقف في بعض العيطات، ويعود تدريجيا من البطء إلى التصاعد ويخبو مرة ثانية ثم يحمى وطيس الإيقاع في صعود وهبوط تماشيا مع العيطة المغناة، ومنها من تتعدى خمسة أجزاء كعيطة “البارود”، التي كان يؤديها الراحل الشيخ “محمد الغياتي”، لتبدو إيقاعات وألحان القطعة العيطية كأنها أسراب خيول هاجمة في عملية كر وفر، وفي بعض العيطات تقف الفرقة الموسيقية عن العزف ويواصل الشيخ الناظم “الكَوال” المنشد الغناء بمفرده وتسمى ب”الفرادي”، ثم تستأنف الفرقة العزف بعد ذلك لتختم العيطة ب”السوسة” وتليها “السدة”، التي غالبا ما تتبعها موسيقى صامتة “الخيلاز”، وتسمى في العيطة الجبلية ب”الكَوالية” أو “الرايلة” مصاحبة بالتصفيق “الرش” ووصلات راقصة فلكلورية من الشيخات أو شيخ راقص ب”الصينية والكيسان” أو الرقص بالسلاح الناري، وأحيانا تُختم ب”علفة” تتغنى بالخيل والفروسية التي عرفت بها منطقة جبالة، وفي هجماتها الثورية وتمردها على العدو. وجرت العادة أن يرافق بعض الرجال أغنية العيطة الجبلية بطلقات الراصاص أو البارود من البنادق والمسدسات في إشارة إلى استعراض للقوة والاستعداد لخوض المعارك والحروب، لذلك يرجح عند البعض بتسميتها ب”الطقطوقة” نسبة إلى الصوت الصادر عن طلقات البنادق “طق، طق، طق”، أو إلى ذلك الصوت الناجم عن الطبل أتناء عزف العيطة.
والرقص في فن العيطة عموما، هو فن حقيقي قائم بذاته، وليس استعراضا للمفاتن فقط أمام الناس، فهو إبداع جمالي ايروتيكي للجسد حيث يصبح جسدا للفرجة، وذلك إذ يصير الجسد الأنثوي خاصة، موضوع فرجة اتجاه المتفرج المتلقي، وهو بهذا يختزل لغته الخاصة التي تكشف عن مفاتنه وتضاريسه الباعثة على الإغراء، كما يتم توظيف الجسد والسفر به إلى ما وراء الغواية، في حركات تعبيرية مختلطة بالطبيعة والفروسية والقوة. ورغم التشابه في هذا الفن العيطي في بعض الأوزان والتراكيب الإيقاعية أو اللحنية، إلا أنها تختلف من منطقة لأخرى، ومن قطر لقطر بل إنها تختلف أيضا داخل القطر الواحد، وذلك حسب الظروف البيئية الجغرافية، إذ يكون لكل بيئة خصائصها وطابعها المميز، وقد يكون هناك بعض التشابه في بعض العادات والتقاليد أو في الوزن الإيقاعي واللحني ،فكذلك نجد التشابه في الرقصات، إلا أن الاختلاف يكون دائما في التراكيب اللحنية وبناء الشخصية وموضوعها، التي يتم التعبير عنها من خلال لوحة راقصة من قبل راقص أو راقصة أو مجموعة من الراقصين معا.
والرقص في العيطة الجبلية له ميزاته الخاصة وله دلالات رمزية، يقوم بها الرجل والمرأة كل في دائرة اختصاصه، حيث كان المجتمع الجبلي مجتمعا محافظا، لا يسمح باختلاط الرجال بالنساء خلال الحفلات والأعراس، بعدها صارت الفرق الموسيقية الجبلية تستقطب فنانات شيخات راقصات من خارج المنطقة الجبلية..وغالبا ما يؤثث سهرة الرجال فرقة موسيقية من الرجال، كما للنساء فرقة موسيقية متكونة من النساء، فنجد الراقص أو الراقصة خلال الوصلات الموسيقية الراقصة “الرايلة”، أو بفترة الموسيقى الصامتة “الخيلاز” والتي تسمى بالمنطقة ب”الكَوالية” يقومون بحركات تمثيلية خلال الرقص تلك الحركات مستوحاة من الأعمال التي يمارسونها سواء منها الزراعية السائدة بالمنطقة أوحركات الصيد البحري والقنص، كطريقة شد المحراث التقليدي أتناء الحرث، أو طريقة نثر وزرع البذور، وكيفية فتح سواقي الأحواض الطينية للماء بالمعول، ثم إلى طريقة حصاد الزرع بالمنجل وتشكيل الغمرة، والدرس بالبيذر”الكَاعة”، وتذرية الزرع..وطريقة نفض الثمار من الأشجار، وكنس الأرض بسعف النخيل، وطريقة طحن الحبوب بالطاحونة التقليدية اليدوية “الرحى”، وطريقة غزل الصوف بالمغزل على الفخذ، وطريقة غسل الصوف على صخور الوادي، وتقليد بعض حركات أرجل الطيور خلال فترة التزاوج المستمدة منها رقصة “القعدة”، وحتى الصياح الذي يصدره المزارعون لفزع الطيور التي تحط وسط المحاصيل، وكذا التصفيق المسترسل” الرش”، المصحوب أحيانا بالزغاريد، وبالنداء والصياح المتتابع كما هو الحال في طريقة فزع طرائد القنص من مخابئها “التحياح”، وإيقاد طرائد القنص من مرقدها بالضرب بالرجل اليمنى على الأرض وكيفية إمساك البندقية في وضعية الرماية، وطريقة رمي السنارة أو الشبكة للصيد في البحر..ومازال هذا كله حاضرا عند الفرقة الجبلية المتألقة فرقة “عزيز الزوهري “..وغالبا ما يتأجج هذا في جزء “السوسة” إلى “السدة” أو ما تسمى ب “القفل”، من العيطة الجبلية…أو في معزوفة “الرايلة” أو ما تسمى ب”الكَوالية” وهي موسيقى صامتة حيث تنطق الآلات الموسيقى بشذى الألحان الجبلية، لتنهال من أجل ذلك على الفرقة المنشطة إكراميات الجمهور”الغرامة” أو ما تسمى ب”التعلاق”.
ومما عرف به الرقص الجبلي، هناك الرقصة المعروفة برقصة “الصينية والكيسان” التي اشتهرت بها بعض المناطق المغربية التي يمارس بها فن العيطة حيث نجدها بالعيطة الحوزية، وكذا بالعيطة الفيلالية، وهي رقصة حكرا على الرجال، في إشارة من الفرقة المنشطة إلى الترحيب بالضيوف والكرم وحسن الضيافة بالمنطقة..وتعبير عن فن جبلي أصيل تنشرح له النفس ويوحي بالسلام والتعايش والأخوة والترحاب والكرم، حيث يرتدي الرجل الراقص زيا نسائيا، ويستوجب أن تتوفر فيه صفات مثل الرشاقة والخفة واستقامة الجسم ومرونته، ولطافة الإقدام ولين المفاصل، وحسن الحركة والتمايل، وأن يكون متناغما مع الإيقاع، وغالبا في العيطة الجبلية ما تكون في مقطوعة “الكَوالية” وهي موسيقى طربية صامتة، حيث أوتار الآلات الموسيقية هي التي تنطق بالنغم..فيقوم الراقص بلوحاته الكوليغرافية بدور انفرادي، إذ ينفصل عن الجماعة حاملا الصينية بها البراد والكؤوس مملوءة بشموع مختلفة ألوانها القزحية، ويتنقل في حركات فنية بهلوانية راقصا متماشيا مع الإيقاع الخفيف المتوسط، يرقص أمامهم في مواجهة الحضور وهو الذي يستقطب بمهارته أنظار النساء المتفرجات من بعيد فيشرعن بالصلاة على النبي ويطلقن الزغاريد من أجله..
ونجد كذلك رقصة “حمل السلاح” أو “رقصة التبوريدة”، وتسمى أيضا “رقصة الحركة الجهادية”، وهي موروث فني ثقافي جبلي يؤرخ لشهامة المحارب الجبلي، حيث تؤدى على أنغام “الرايلة”، المعزوفة الصامتة أنواع من الرقصات بشكل جماعي و انفرادي، أذ يكون الرجال الراقصين حاملين لأسلحة نارية، بنادق أو مسدسات، ويستحضرون بها أمجاد بطولات في الحركات الحربية يؤدون وصلات راقصة في حركات ممسرحة راقصة وفي تناسق مع الإيقاع واللعب والاستعراض بالسلاح، ومن بين الفرق المحافظة على هذه اللوحات الراقصة نجد فرقة “عزيز الزوهري”. التي مازالت تواصل عروضها الشيقة في الحفلات والأعراس وبالمهرجانات والمواسم..
وجرت العادة أحيانا عند قبائل جبالة أتناء تأدية العيطة، كما هو الشأن في بعض أنواع العيطة الأخرى ومنها الزعرية والمرساوية والحوزية، والعبدية والفيلالية.. وبالضبط خلال جزء السوسة المصاحبة بالرقص والتصفيق “الرش”، أن يطلق الرجال أصوات الأعيرة النارية من الأسلحة الخفيفة كالبنادق والمسدسات “خرجو البارود”، عندما تشتد حمى الطرب، فيما تتجاوب معها زغاريد النسوة وذلك في إشارة إلى القوة والشجاعة، كما هو الحال في خرجات القنص وصيد الطرائد، ومجابهة الأعداء بالأسلحة النارية في استحضار للبسالة الحربية والاستعداد لخوض المعرك..
كانت العيطة الجبلية، في بدايتها تعتمد على آلات موسيقية بسيطة إلى بدائية، (غيطة وطبل، زمارة وبندير، كَنبري وطبل، ليرة وبندير، قصبة وطعريجة، لتلتحق بالركب الموسيقي آلة الكمنجة، فصارت ترافق الطعريجة والمقص والمهراس، أو تؤدى ب”مزمار” قصبة مشدوة إلى قرن عجل، وطعريجة وبندير)..إذ كانت في البداية هذه العيطة تقتصر على آلات بدائية متواضعة مما يجعل الصوت حاضرا بقوة، وترتكز أساسا على الإيقاع والكلام أكثر من النغم، فهي تعتمد على الكلمة أكثر من اللحن الموسيقي، وليس على الفرجة فحسب، كما يقال: “سر العيطة في كلامها”، إلى أن صارت تمارس كباقي العيوط الأخرى بآلات حديثة، أدخلت عليها آلات غربية وعصرية مختلفة أشكالها وأنواعها، بالنمط الأركسترالي تشكل الجوق العصري بما فيه الآلات الالكترونية معدلات الصوت كما نراه بالفرق العصرية مثلا بأوركسترا “لحسن العروسي”، وأوركستر “محمد الزواقي” وأوركسترا “المختار الجنحي”، وأوركسترا “عبد العالي الوزاني” وأوركسترا “عبدوا لوزاني”، وجوق السمفونية الجبلية .. ومن الآلات التي صارت تستعمل في هذا الفن؛ هناك آلات وترية، ونفخية، وإيقاعية ونقرية. فمن الآلات الوترية نجد: “الكنبري، الوتار، العود، القانون، الكمنجة، البوزق، السنتير، المندولين، البانجو، القيتارة..وفي الآلات النفخية هناك: الغيطة، المزمار، الناي، القصبة الأحادية والثنائية(المكَرونات) الليرة، إلى الساكسفون..وفي الآلات الإيقاعية نجد: البندير، الطبل، الصنج، الدف، الطر، الصينية والكؤوس، والمهراس، والطعريجة بما فيها الكبيرة والمتوسطة والصغيرة “أكوال”، الدربكة، والنويقسات، والمقص، والطمطام إلى “لباتري” العصري..كما نجد أيضا الآلات النقرية كالأركارغيون، والأورغ …
وقد اشتهرت هذه العيطة بمنطقة “جبالة”، التي توجد في الشمال الغربي والشمال الأوسط للمملكة المغربية، بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، تتشكل من مناطق تتميز بطبيعتها الجبلية الخلابة الغناء، عرفت بكثرة وتنوع مغروسات أشجار الفواكه والخضراوات، وانتشار “العرصات” و”الجنانات”، والضيعات الشاسعة: فدادين التين والزيتون، والعنب والرمان، وعُرفت بثرائها الحيواني “الكسيبة”، والثروة البحرية والغابوية، وأراضيها الخصبة الزراعية منها البورية والسقوية، واشتهرت المنطقة بجمال الطبيعة الجبلية، ووفرة العيون المائية ومائها العذب الشافي.. “الماء والخضرة والوجه الحسن”،.. كما اشتهرت المنطقة الجبلية بتضاريسها المتنوعة؛ (سهول، هضاب، وهاد، شعاب، تلال، وديان، شواطئ، غابات، عيون مائية، سواقي…مع وفرة المياه الجوفية والسطحية على امتداد الأودية، بما فيها نهر ورغة، ووادي المخازن اللوكوس، وواد الحاشف، وواد الرمل، وواد النخلة.. كما يعتبر سد الوحدة ثاني أكبر بحيرة اصطناعية بإفريقيا بعد سد ناصر بمصر…. وتبسط هذه العيطة أنغامها على مساحة شاسعة، تضم مجموعة من القبائل موزعة على الأقاليم؛ طنجة وتطوان والعرائش وشفشاون ووزان والحسيمة وتاونات وتازة.. وقد بسطت هذه العيطة أنغامها واكتسحت قبائل وقرى ومدن نذكر منها: ( طنجة، وزان، تاونات، عين مديونة، عين الدريج، بني زروال، تطوفت، مرنيسة، أفراس، بني أحمد، ظهر السوق، غمارة، ملوسة، القصر الصغير، أنجرة، الفنيدق، خميس الساحل، كتامة، عين عيشة، باب برد، تطوان، واد لاو، مارتيل، المضيق، عين الحصن، بني حرشان، أزلا، البغاغزة، بني اسعيد، عياشة، تازروت، بوجديان، ريصانة، أولاد اوشيح، السواكَن، سوق الطلبة، زوادة، العوامرة، مصمودة، زومي، سيدي رضوان، عين بيضاء، المجاعرة، مقريصات، سيدي أحمد الشريف، بني فغلوم، الغدير، الدردارة، الشاون، اهل سريف، بني يسف، بني كرفط، غزاوة، بني عروس، بني دركول، جبل الحبيب، بني يدر، واد الملحة، باب برد، السطيحة، مثيوة، غفساي، بوعادل، بني وليد، تايناست، واد أمليل، الخماس، بني حسان، عين زورة، الحسيمة، تاركَيست، النكور، تازة، واد أمليل، العرائش، أصيلا، سيد اليماني…).
وأقف وقفة احترام للأشياخ والشيخات الذين بفضلهم قام فن العيطة عموما، على امتداد مسيرة طويلة في مختلف مناطق المغرب ببواديه وحواضره، حيت صدحت حناجرهم بأصوات طربية في مناسبات وملتقيات مختلفة، أصوات أشياخ، زجالين، نُظام، ومغنين حفاظ “كَوالين”، حملوا مشعل هذا الفن، وأصوات شيخات “عياطات”، حافظات “طباعات”، زجالات، ناظمات مناضلات..أصوات انبرت لنصرة من لا صوت له، فنانون استمد بفضلهن فن العيطة وجوده الفني وكينونته.. أسماء تركت بصماتها على مدى سنوات، بعضها انتقل إلى دار البقاء الله يرحمهم، والبعض يعاني التهميش ويعيش التنكر، أكثرهم يعاني شظف العيش، لا يعيشون ليحيون بقدر ما يعيشون لكي لا يموتون..والقليل منهم من كان محظوظا وحضي بعيش كريم.
وبصفتي شيخ ممارس لفن العيطة، عازف كمنجة “كوامنجي”، ومغني لكثير من المتون العيطية ومنها بعض الأغاني الشعبية الجبلية، وعلى غرار ما يروج بالثقافة “الشيخاوية”، بلسان أهل الحرفة أقر وأعترف أن من لا يعزف أو يغني العيطة العبدية الحصباوية مازالت لم تكتمل بعد مشيخته، ولا يستحق لقب “شيخ”، كما لا تستحق المغنية الشعبية التي لا تؤدي المتون العبدية أن تلقب ب”الشيخة”، هذا بالنسبة للعيطة العبدية أما بالنسبة للعيطة الجبلية فأنا أقول بصفتي ممارس في الميدان العيطي، وأجزم بأنه لا يمكن لأي مغني أو عازف أن يغني العيطة الجبلية أو يعزف موسيقاها، بطريقتها الصحيحة وبأصولها الموروثة عن الأجداد الشماليين، إلا إذا كان أصله ينحدر من تربة جبالة وصوته ملائما للنمط الموسيقي الجبلي، فالطرب العيطي الجبلي له قواعده التي يحسب لها ألف حساب، ولا يمكن لأي مطرب أو فنان موسيقي أن يتمرس في هذا الفن دون أن تكون له خلفية ثقافية تراثية وموسيقية شعبية جبلية، فالعيطة الجبلية هي ذلك الجبل الشاهق الممتنع، الذي لا يمكن لأحد أن يتسلقه ويصل إلى قمته، إلا من كان ابن المنطقة يعرف خباياه ويعرف شعابه ومنعرجاته ومسالكه..
وللعيطة الجبلية أشياخ وأعلام قدامى وجدد، وقد رحل جل شيوخها من الرعيل الأول ممن كانوا يتقنون أدائها وحفظ متونها..وعرف هذا النوع العيطي الجبلي العديد من الفنانين شيخات وأشياخ، إذ يتعذر ذكرهم واحدا واحدا، ونذكر من أشياخ هذا الفن الأصيل على سبيل المثال لا الحصر منهم العازفين والمغنين، ومنهم من جمع بين العزف والغناء:
– الرواد القدامى في مشيخة فن العيطة، أشياخ الرعيل الأول : الشيخ محمد الغياتي، الشيح أحمد الكروطي، الشيخ المفضل الطريرف، الشيخ أحمد بلمكي، الشيخ محمد بن التهامي، الشيخ العياشي الجبلي، الشيخ ابريطل السريفي، الشيخ عبد السلام المساري، الشيخ محمد الإدريسي بن إدريس، الشيخ عبد السلام الحراق، الشيخ الحزومري، الشيخ المختار العروسي، الشيخ علي بداج، الشيخ محمد العيدي، الشيخ عبد الرحمن الخمسي لمفضل، الشيخ أحمد العروسي، الشيخ الحاج أحمد الكَرفطي، الشيخ الحاج محمد العروسي، الشيخ يحيى السريفي، الشيخ عبد السلام اليوسفي، الشيخ محمد المحروق، والشيخ العربي العياشي، وآخرين..
– ومن أشياخ الرعيل الثاني في المشيخة العيطية نذكر: الشيخ حاجي السريفي، الشيخ عبد المالك الأندلسي، الشيخ محمد المصمودي، الشيخ لمفضل الكرفطي، الشيخ بوعلام الصنهاجي، الشيخ محمد الهواري، الشيخ محمد الشريف، الشيخ عبد الرحيم الصنهاجي، الشيخ عبد اللطيف الخمسي، الشيخ لحسن العروسي، الشيخ عبد الحق العروسي، الشيخ عزيز الزوهري، الشيخ بوسلهام المساري، الشيخ محمد الهواري، الشيخ المختار الجنحي، الشيخ محمد الزواقي عمي، وآخرين..
– ومن الأشياخ الجدد نجد، الذين جددوا في فن العيطة الجبلية، وبسطوا إيقاعاتها واختصروا أجزاء منها، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأشياخ: لحسن العروسي، عبد الحق العروسي، عبد العالي التاوناتي، عزيز الوزاني، عبدو الوزاني، مجموعة مصمودة…وآخرين.
وفي نمط الأوركسترا نجد بعض الفنانين الذين غنوا بعض العيوط الجبلية بطريقة عصرية ومنهم : ( بوسلهام المساري، محمد الشريف، عزيز الوزاني، عبدو الوزاني، علي التاوناتي، وجبيلو الملق ب”مول الكمنجة”وآخرين..
وعلينا أن نستحضر دائما الدور الكبير والفعال الذي لعبته المرأة، إلى جانب الرجل في هذا الميدان، وكثيرات هن المبدعات في هذا الفن، يصعب عدهن.. ونذكر من الشيخات اللواتي أبدعن في فن العيطة الجبلية، وتركن بصماتهن في الساحة الفنية ونذكر منهن:
الشيخة منانة الشريفية، الشيخة خديجة الوكيلية، الشيخة سعاد الجبلية، الشيخة فاطمة الزهراء التطوانية، الشيخة ارحيمو الوزانية، الشيخة الباتول السريفية، الشيخة رشيدة العروسية، الشيخة فاطمة الزروالية، الشيخة الادريسية الجبلية، الشيخة زهور الخمليشية، الشيخة سعاد التطوانية، الشيخة السعدية الجبلية، الشيخة هشومة الجبلية، الشيخة كريمة الطنجاوية، الشيخة شامة الزاز، الشيخة مليكة التطوانية، الشيخة لطيفة العروسية، الشيخة مينة لمباركية، . وغيرهن..
لقد سحرت الألحان والأنغام الجبلية، الفنانين الأمازيغيين ولم يغنوا العيطة الجبلية الأصيلة، وذلك راجع لصعوبة تركيب إيقاعاتها وألحانها وطريقة أدائها، لكنهم أدوا أغاني شعبية جبلية ذات إيقاعات خفيفة بسيطة وألحان جبلية شجية مثل “عين زورة”، “أراو لي زين الجبل”، “أرواح أوا نطلعوا لجبالة”.. والكثير من أغاني “الأم” وغيرها ..ومن الفنانين الأمازيغ الذين أدوا الأغنية الجبلية نذكر منهم:
“المغاري ميلود، حمي عاشور، رويشة محمد، نعينيعة المصطفى، أحوزار عبد العزيز، المصطفى أومكَيل، أوشطين، حوسى 46، عزيز خير، أزلماط، لحسن الخنيفري، عبد المجيد القصيبي، وغيرهم…
والفنانات الأمازيغيات اللواتي غنين من الأغاني الشعبية الجبلية نجد الشيخات: حادة أوعكي، خديجة أطلس، الشريفة، ايطو أوفول، الحسنية، الميلودية، سميرة، الحسنية، ومايا… وغيرهن..
أما اللباس الذي يلبسه ممارسو هذا الفن التراثي العبدي، فنجد غالبا الزي التقليدي المغربي: للذكور( الجلباب، والجباور، والسلهام، والكرزية، والعمامة “الرزة” وخاصة الصفراء اللون “الشد الشرقاوي”، ونادرا ما نجد الطاقية أو الطربوش على الرأس، وبالرأجل ينتعلون “البلغة” وخصوصا ذات اللون الأصفر أو الأبيض، وقديما كان الرجال يقومون بوضع حزام من الثوب حول الخصر فوق الجلباب، وكانت تستعمل لوضع الأسلحة البيضاء بما فيها الخنجر والسيف..ويختص المغنيون العيطيين الجبليين بتقليعة تخصهم وتميزهم وهي عادة إخراج اليد اليمنى من فتحت الرأس الواسعة للجلباب بدل الكم أو فتحة اليد..أما النساء الشيخات فنجد: (التكشيطة، والقفطان، والدفينة، والسبنية، والدرة على الرأس والشاشية وهي قبعة مستديرة عريضة الحواف مصنوعة من نبات الدوم وتزين بالخيوط الصوفية القزحية الألوان، و”الحزامة” أو الحزام وتكون أحيانا من المعادن الثمينة كالذهب والفضة “المضمة”، أو من الأثواب والأنسجة الصوفية، وينتعلن الشربيل بالأرجل)، لكن مؤخرا صرنا نجد المجموعات الغنائية تخرج عن العادة وترتدي لباسا عصريا أو إداريا بربطة العنق ولباسا شبابيا بسروال الجينز والقمصان القصيرة والأحذية الرياضية..
وفيما يتعلق بعدد أفراد المجموعة المغنية لفن العيطة الجبلية، قد نجد فردا واحدا داخل حلقة بآلته الوترية “كَنبري” أو كمنجة، أو آلة نفخية “غيطة”..وسط سوق أسبوعي، أو يتجول حاملا آلته الوترية أو الإيقاعية بين المقاهي والمطاعم الشعبية يعزف ويغني بين رواد الموائد يتحفهم بأغانيه العيطية ويتحفه الناس بعطاياهم، وبلغة أهل الحرفة “يجقر”، أو تجده بعرس بأحد المداشر النائية ينشط المكان بالفن الجبلي، ثم تنتقل إلى نمط الثنائي وإلى المجموعة، ثم إلى النمط “الأوركسترالي”، حيث تضم الفرقة عشرات المغنيين والعازفين من الجنسين، ونادرا ما نجد المرأة عازفة على آلة وترية أو نفخية.. وغالبا ما تنطلق العيطة الجبلية بعد فترة التقاسيم على آلة وترية أو نفخية بلحن شجي ناحب يتبعه بذلك أحيانا الموال الحزين، بعد ذلك يحتد الإيقاع واللحن ويميل تدريجيا إلى السرعة عبر الأجزاء العيطية، وقد يقف في بعض المتون، ليردد المغني كلامه بمفرده “فرادي”، كما في بعض أنواع العيطة الأخرى، ويستأنف بعد ذلك العزف، لينتقل تدريجيا في تصاعد ثم يزداد بجزئي كل من “السرابة” و”السدة” وهي قفل وخاتمة الأغنية، ويفصل بين العيطات فترة استراحة تتخللها نكت ومستملحات فكاهية. وتستغرق العيطة الواحدة من ربع ساعة إلى نصف ساعة وأكثر، وذلك حسب الزمان والمكان ونوعية الجمهور، في حين أن الحفلة كانت تبتدأ بعد غروب الشمس وتنتهي عند طلوع الفجر ومن هنا يتبين طول السمر وروعة السهر، والعدد الهائل من القصائد العيطية الجبلية والأغاني الشعبية التي تقدم بالليلة. وكان الجمهور متعطش لسماع هذا الفن، إذ كان الأشخاص يقطعون مسافات طويلة تعد بالكيلومترات مشيا على الأرجل أو راكبين الدواب قادمين من مداشر ودواوير أو قرى بعيدة، يقطعون في طريقهم أودية وشعاب ليحضروا حفلة عرس أو موسم والي صالح، أو مهرجان..
وفي هذا المقال يتعذر ذكر كل الفنانين المبدعين من الجنسين الذين برعوا وتركوا بصماتهم في هذا الفن الجبلي، وسنكتفي بذكر بعض ممن برزوا في الساحة الفنية، وعلى رأسهم الفنان الراحل الشيخ “محمد الغياتي”، المغني والعازف على آلة الكَنبري “الوتار الصغير”، الذي وصلتنا عبره ما تبقى من المتون العيطة الجبلية بطريقتها الأصلية.
وسيذكر بفخر واعتزاز المغاربة رواد وعشاق فن العيطة عموما، وفن العيطة والأغنية الشعبية الجبلية على الخصوص، الشيخ الراحل “الحاج أحمد الكرفطي”، الله يرحمه، ذلك الشيخ الأستاذ، المغني والعازف والمطرب، كان يتقن عزف آلة الكنبري والكمنجة بمهارة، وأتقن أداء التراث الجبلي بصوته الرائع ذو النكهة واللثغة الجبلية العميقة، إنه الفنان الشيخ الذي جمع ما تفرق في غيره من الأشياخ الجبليين، وأضاف عليه وطوره وقدمه في حلة بديعة رائعة، كان له عزف خاص فيما يتعلق بالمعزوفة الصامتة المسماة “الرايلة”، وقد سماها بعض الأشياخ باسمه “الرايلة الكَرفطية”، لتلك الزخرفة اللحنية التي أعطاها لها بتلك المهارة التي يمتلكها في العزف، وكان الله يرحمه شاعرا زجالا وملحنا، وقد اكتشف مجموعة من الأصوات، كما تتلمذ عليه عدد كثير من الفنانين الشعبين الجبليين ومنهم : “عبد الرحمن الخمسي، المختار العروسي، حاجي السريفي..وغيرهم”، منهم من جايله وأسس مجموعته الخاصة به، ومنهم من أخذ المشعل عنه بعد وفاته وأعاد غناء الكثير من إبداعاته، لقد مثل الراحل الفن العيطي المغربي أحسن تمثيل داخل وخارج المغرب، وحصل على مجموعة من الميداليات الذهبية من العراق واسبانيا وفرنسا وايطاليا وبالولايات المتحدة الأمريكية، إنه الفنان الشعبي المغربي الوحيد الذي كان له هذا الإشعاع والحضور والانتشار العالمي بنوع من الاقتدار، لقد ترك لنا رحمه الله إرثا ثقافيا غنائيا، يتمثل في العديد من الأشرطة السمعية والسمعية البصرية، والكثير من السهرات العمومية؛ سواء في الحفلات الخاصة والأعراس والمهرجانات.. وأبدع روائع فنية في الأغنية الشعبية مازالت حناجر الفنانين المغاربة تصدح بأغانيه إلى يومنا هذا.
وسيبقى التراث العيطي عموما والجبلي خصوصا، شاهدا خلال سنوات الستينات والسبعينات، على روعة الأداء والصوت الشجي الجميل للفنان الوسيم ذلك الشاب الشيخ “عبد الرحمن الخمسي “لمفضل”، هذا الفنان الذي أعطاه الله جمال الصورة والصوت، حيث كان شيخا عيطيا مبدعا في أغانيه بما فيها التراثية العيطية والشعبية، يؤديها في روعة مصحوبا بفرقته الكبيرة المتكون من العازفين الماهرين، سيظل هذا الفنان رمزا للطرب الجبلي الأصيل، ولأن في ذلك الوقت كان المجتمع الجبلي مجتمعا محافظا يمنع الاختلاط، ولا ترقص النساء أمام الرجال، حيث كان يُستحيى أن تغني المرأة الجبلية أو ترقص وسط حشد من الرجال، فكان الشيخ عبد الرحمن الخمسي السباق إلى تقليعة “ستيل” جديدة، على مستوى شكل العرض، حيث كان يرتدي الزي التقليدي النسائي تشبها بالشيخة المرأة، يغني ويرقص وبيديه الآلة المعدنية “النواقس”. وقد اقتبسها عنه في العيطة المرساوية الشيخ “بوشعيب البيضاوي”، وفي العيطة العبدية “الشيخ فاضل العبدي” وفي العيطة الفيلالية الشيخ “محمد باعوت”، والشيخ المحجوب وآخرين…تماما مثلما كان يفعل رواد المسرح المغربي في تلك الفترة، فحينما كان يتعذر عليهم إيجاد امرأة تقوم بتمثيل دورا نسائيا، كانوا يعمدون على إلباس الرجال ملابس نسائية ويجملونهم ليقومون بالأدوار النسائية ويقلدون أصواتهن على الخشبة. وستظل صورة الفنان الشيخ “عبد الرحمان الخمسي” ماثلة لوقت طويل في مخيلة المغاربة عامة، وعشاق الطرب الجبلي خاصة من جيل الستينات والسبعينات، من الذين استهواهم هذا الفنان بقامته الفارهة وعوده الرشيق وملامحه الوديعة، وفنه الجبلي الأصيل وأدائه المتميز بلكنته ذات اللثغة الشمالية المحببة، أطال الله في عمر فناننا المحبوب.
وسيظل فن العيطة الجبلية، مدينا بالكثير للشيخ “الحاج سي محمد العروسي”، الله يرحمه، على فضله الكبير، ذلك الفنان الهرَم الشاعر الزجال، والملحن والمغني، والعازف المتمكن من ألته الكمنجة “فيولا”، والذي وصلنا عبره نماذج العيطة الجبلية وفنون الغناء الشعبي الشمالي، بكل الاحترافية والالتزام بالأصول عبر نبرات صوته الشجية، وكلماته العميقة ذات البعد الحضاري، منها العاطفية والوطنية والاجتماعية، ذات النكهة الفكاهية الكوميدية والإيقاع الخفيف، وتلك اللكنة الجبلية العروسية، ولقبه الحقيقي هو “سي محمد ولد اطريريف”، نسبة إلى والده الذي كانت حرفته اسكافيا “خراز” بمعنى “طراف” بلهجة المنطقة. غنى رحمه الله الجمال، جمال المرأة وجمال الطبيعة الجبلية، غنى عن الوطن والأرض، وغنى لآلام الفلاحين والمقهورين، غنى عن الهجرة وعن الأم، وغنى للعرسان أجمل الأغاني بأروع الألحان بطرب خالد يرتقي إلى الألحان العاطفية الراقية..لقد كان فنانا وطنيا مقاوما عاشر الحركة الوطنية وهو شاب خلال فترة المقاومة، ومجاهدا بفنه حيث تعرض للاعتقال جراء القصيدة الغنائية الهجائية في حق القبطان الفرنسي المعمر “صولي”، والتي كان يغنيها مركبة كلماتها على ألحان عيطة جبلية، والتي يقول مقطعها:
باسم الله باش بديت…سيادي على نبينا صليت
على القبطان “صولي” غانيت….مع البون قطعو علينا حتى الصابون
ااخوتي مكاين باس…كيعطيونا ربعي للراس
شحا لدا الناس ماتو بالجوع…أيا القبطان صولي يقول جيبو الحولي
وأنا كَالس في الباب…صولي عبا لينا التيران
أنا كَالس في القيطون…صولي عبا لينا الزيتون
أنا كَالس في البيت…صولي عبا لينا الزيت
الله يدلها دعوى…صولي عبا لينا حتى الصلغوا
لقد كان رحمه الله فنانا فريدا من نوعه، له خصوصياته تميزه عن غيره، ابتسامة دائمة على الوجه، أناقة في الهندام.. بفضل عزفه المتميز على آلة الكمنجة التقليدية ذات الأوتار الجلدية المعوية “المصران”، وإبداعه في وصلات الموسيقى الصامتة “الخيلاز”، أو ما تسمى باللهجة الجبلية المحلية، “الكَوالية” أو “الرايلة”، أعطى إبداعا في العزف والعيط والكلمات..وقد عمد إلى الاقتباس من معزوفاته كبار الفنانين الشعبين المغاربة عرب وأمازيغ، وكان مصدر إلهام للعديد منهم في الأغاني الشعبية الجبلية، إضافة إلى حرصه على “الحطة” مظهر الفرقة الراقي بما في ذلك أناقة أزياء الأشياخ وسلوكهم داخل الحفل.. وقد اشتهر بحفظه وأدائه للتراث العيطي الجبلي الموروث عن الأسلاف.. إضافة إلى أغانيه المستحدثة ذات الطابع الغنائي المرح الساخر، الخفيف الايقاع وتبليغ الخطاب إلى المتلقي بطريقة مشوقة، أشعاره تحمل في ثناياها معاني مشفرة مبطنة زاخرة بانطباعات الحياة اليومية لأهل الجبل ولكل المغاربة..تلك الأغاني الخالدة التي لقيت انتشارا واسعا على الصعيد الوطني، والتي مازالت تغنى إلى يومنا هذا.. لقد أثرى رحمه الله الساحة الفنية المغربية بإبداعه وتجديده في هذا الفن، من خلال دوره الكبير في النقلة النوعية التي أعطاها لهذه العيطة، حيث جعلها تنافس باقي العيوط، وقد جعل الفن الجبلي يصل إلى المركز بما في ذلك سهل الشاوية ودكالة ليستهوي جميع الأذواق، بعدما كان محدود الانتشار، إبداعاته ستبقى خالدة من جيل إلى جيل …لقد أبدع وأمتع وأقنع إلى أن وافقته المنية بتاريخ 14/02/2014، عن سن ثمانين سنة بعد معاناة مع المرض، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جنته.
وسيذكر عشاق الموسيقى الجبلية وممارسيها، بفخر وحنين أهرام هذا الفن الرائع، الذين نقلوا لنا العيطة الجبلية حسب الأسلوب الجبلي التقليدي الموروث عن الأسلاف، ومن بين هؤلاء الفنانين الكبار الأشياخ الأولين نجد؛ الشيخ “المختار لعروسي، وحجي السريفي، ومحمد المصمودي..”، وآخرين من الذين حافظوا على ما بقي من التراث الجبلي ونقلوه لنا وللأجيال القادمة في حلته الأصلية.
أما عن دور المرأة الجبلية الشمالية في هذا الفن الأصيل، فإذا كانت الراحلة الشيخة فاطنة بنت الحسين، سيدة العيطة العبدية الحصباوية، والراحلة الشيخة المخلوفية رائدة العيطة الحوزية، والشيخة خديجة البيضاوية نجمة العيطة المرساوية، والشيخة مليكة الغرباوية، نجمة العيطة الغرباوية، والشيخة نجمة العيطة الفيلالية، والشيخة عيروطة نجمة العيطة الملالية، والشيخة زهرة خربوعة نجمة العيطة الزعرية،..فسيظل المغاربة عشاق العيطة الجبلية وراودها يذكرون بفخر واعتزاز الشيخة، رائدة وأيقونة العيطة الجبلية الشيخة “شامة الزاز” وهي شيخة متمكنة من فنها ، تلك الفنانة خمرية البشرة، بزيها التقليدي الجبلي المحتشم، ذات الصوت النائح الصافي العذب المتميز ..صوت له مميزات لا توجد إلا في نبرات “شامة”، انخرطت وهي يافعة في الميدان الفني بعدما عجزت عن تعب الفلاحة، وقد بدأت فنانة مرددة في الأول فمغنية، ثم طباعة. وكانت في أيامها وصولتها أيقونة العيطة الجبلية بامتياز، فنانة قوية وشيخة “طباعة”، طبعت تاريخ العيطة الجبلية والأغنية الشعبية بصوتها الرخيم الناحب الباكي، وأدائها المتميز..، وهي التي اكتسحت مواويلها وأغانيها السهل والجبل، لسنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ومثلت فن التراثي الجبلي أحسن تمثيل إلى أن هدها المرض، وهي الآن تقضي شيخوخة صعبة، تعيش منسية مقصية تعاني الفقر والعوز والإهمال إلا من جود بعض المحسنين، فرغم شهرتها وعطائها الفني الكثير لم تنل حظها في التكريم والاحتفاء..أعطت الكثير ولم تجن سوى القليل..وعرفت الساحة الفنية الجبلية، شيخات فنانات، شاعرات، عياطات وطباعات، أمثال: الشيخة منانة السريفية، والشيخة ارحيمو الوزانية، والشيخة خديجة لوكيلية، والشيخة رشيدة العروسية، والشيخة لطيفة العروسيةوغيرهن..
وقد شهدت نهاية التسعينات وبداية الألفية الثالثة فترة توهج من جديد للتراث الجبلي، حيث ستأخذ العيطة الجبلية منعطفا فنيا جديدا مع مجموعة من الأشياخ والشيخات “الربايع”، ونذكر منهم على سبيل المثال: الفنان الجبلي الشمالي الكبير ومجموعته، الشيخ “عبد المالك الأندلسي”، هذا الفنان الشاعر الزجال والعازف والملحن، المجدد في العيطة الجبلية بين الأصالة والحداثة، وإبداعاته الجميلة والراقية في الأغنية الشعبية الجبلية، إذ يعتبر أحد الفاعلين اللامعين في أدائها والمحافظين عليها بطريقة عصرية، ولازال محافظا على نماذج العيطة الجبلية، إذ قدمها للجمهور في حلة جديدة وأنيقة بكل الاحترافية والالتزام بالأصول عبر صوته الرخيم بنبراته الشجية، وقد أمتع الجمهور العريض ومازال يشنف أسماعنا وأبصارنا بتسجيلاته السمعية، والسمعية البصرية، وألف عدة أغاني لمجموعة من الفنانين الجبليين.
كما يجب أن ننوه بالمجهودات الكبيرة التي قام بها أشياخ هذا الفن حاملي المشعل الذين أزاحوا طابع الجمود عن هذا الإرث، ونذكر منهم: الفنان الشيخ “محمد الشريف”، عازف ماهر على آلة الكمنجة، والفنان “بوسلهام المساري”، والفنان “عزيز التاوناتي”، والفنان “الحسين العروسي، والفنان “عبدو الوزاني”، وغيرهم..
لقد كان أشياخ وشيخات العيطة في السابق بمثابة جنود بلا بنادق، سلاحهم في ذلك النغمة والكلمة، بذلك يصيبون الهدف ويساهمون بفنهم في تحقيق النصر..ولكن للأسف نجد بعض أشباه الأشياخ الذين حوروا هذه العيطة، وجعلوها من نص شعري يتغنى بالأمجاد والمقاومة والجمال، ومباهج الليل ومحاسن الخيل، والتغني بالأولياء والصالحين والزوايا، إلى قصائد مبتذلة متهتكة.. وذلك بتركيب كلمات سوقية دونية تتغنى بالعشق والسمر والخمر، وتركيبها على اللحن الأصلي، قصد طمس الهوية الثقافية أو من أجل التسويق التجاري المربح.. والعيطة عموما هي شعر شفهي م يتم توثيقه، ولم يتم تسجيل النص العيطي الحقيقي تسجيلا قانونيا رسميا، لذلك فهي أشبه ما تكون بالرواية المفتوحة التي يظل موضوعها عرضة للتحوير والزيادة والنقصان، ويهيمن عليها الارتجال حيث يزيده الناظمون تراء، ويفرغون فيه ما يعترض حياتهم من مآسي وأفراح..ولذلك من العسير الوقوف على المؤلفين الحقيقيين للعيطات المتداولة.
والشكر لهؤلاء الفنانين المناضلين الذين لم ينالوا حقهم في الوسط الفني المغربي ولم تطالهم يد الدعم والمساعدة، يساهمون ويضحون بوقتهم ومن أموالهم الخاصة للحفاظ على هذا المورث الثقافي، شكرا للذين ساهموا في نفض الغبار على هذا الكنز الثمين وظلوا متشبتين بأصالتهم وبهذا الفن الذي يسافر بالمتلقي إلى كل ماهو جميل…
إن أصالة فن العيطة عموما تكمن في امتداده التاريخي، وهو يشكل جزءا من هويتنا الثقافية، ومن أجل الحفاظ على هذا الفن وصونه من الضياع، علينا أن نكثف الجهود، وأن نحمل المشعل إلى الأجيال القادمة، ولكي نضمن استمرارية هذا النمط من الغناء الأصيل، نحن في أمس الحاجة إلى تبصير الشباب بجذور هذا الفن وألوانه وموضوعاته، كل منا من موقعه “ممارسين، باحثين، إعلاميين، جمعيات، مؤسسات وصية…”، كما يتوجب علينا توثيق ذلك المتن القليل الذي وصلنا منه، بصفة فن العيطة إرثا مشتركا، وهو إنتاجا فنيا قام بالتعبير عن هموم وأفراح الإنسان الشعبي خلال فترة حاسمة من تاريخه، وسجل لنا مظاهر حية من معيشه وطقوسه وأحلامه.. فقد حان الوقت لسبر أغوار هذا التراث الأصيل على أسس علمية لإعادة الاعتبار إليه. ولما لا نبدع ونخلق عيطات جديدة قد تصل إلى مستوى أو تقارب ما تركه أجدادنا.
وعلينا دائما أن نجدد الشكر والتحية للسيدات والسادة الدكاترة والأساتذة الباحثين والإعلاميين.. الذين اشتغلوا على فن العيطة والتراث الشعبي وأناروا لنا الطريق في هذا المنحى، فأنا كاتب هذه المقالة فنان شعبي عاشق ومولع بهذا الفن، ممارس ومهتم، موسيقي “كومنجي” ومغني لفن العيطة، أجتهد وأبحث كي أرقى إلى مستوى شيخ للعيطة، وأنقل ما وصل إلى علمي للمتلقي وللناشئة، وأكرر قولي أنني لست باحثا، لأن كلمة باحث هي كلمة كبيرة في عمقها وتعريفها الأكاديمي، وقد شقا الباحثون سنين طويلة، وأنفقوا من أموالهم وأوقاتهم للوصول إلى مراجع ومستندات علمية منها التي كانت مطمورة، ومنهم باحثون أكاديميون محنكون يجب دائما التذكير بأعمالهم والتنويه بها كنوع من التكريم، والترحم على الأموات، لهذا أعيد خلال كل مقال أكتبه عن فن العيطة أن أذكر وأشكر وأنوه بفخر واعتزاز هؤلاء الذين نبشوا وهبشوا، ونفضوا الغبار عن هذا الكنز المشترك بين المغاربة، هذا الموروث الثقافي اللامادي، رحم الله الأموات منهم وزكى في عمر الباقين الأحياء، وأذكر منهم الراحل رائد البحث والتحري العيطي محمد بوحميد، الله يرحمه، وحسن نجمي، وادريس الإدريسي، وحسن بحراوي، ومحمد شقير، وأبو بكر بنور، ومحمد أقضاض، ومحمد الولي، وصالح الشرقي، وعبد العزيز بن عبد الجليل، وعبد الفتاح السليماني، أحمد عيدون، وعباس الجيراري، وأحمد الصبيحي السلاوي، وعلال الركوك، وعبد الكريم الجويطي، وسعيد فاضلي، وعزيز خمريش، وسالم اكويندي، ومضمون محمد، والتهامي الحبشي، وسالم عبد الصادق، وعبد السلام غيور، والغازي عبد الله، ونسيم حداد، والسهامي رشيد، وعلي المدرعي والمصطفى حمزة ولطفي محمد، والمصطفى مشيش برحو.. ومنهم كذلك باحثون أجانب جذبتهم أنغام العيطة من قارات أخرى، كالباحثة الأمريكية “ديبورا كابشن”، التي أنجزت عملا هاما في موضوع العيطة ضمن بحث كلفت به من جامعتها ب”تيكساس”، والباحثة الموسيقية الايطالية “اليسندرا توتشي” الموفدة من جامعة أمريكية لدراسة هذا الفن موسيقيا وأكاديميا.. شكرا لهؤلاء جميعا، وغيرهم من الذين لم تسعفني ذاكرتي على تذكرهم فمعذرة منهم.
وجزيل الشكر لجمعية “أطلس أزوان”، في شخص رئيسها الأستاذ الباحث والخبير الموسيقي “ابراهيم المزند”، صاحب “أنطولوجيا العيطة”، عمل ثقافي أدبي توثيقي يتضمن كتابين باللغتين العربية والفرنسية، وأقراصا مدمجة مسجل عليها العديد من الأغاني العيطية بأصوات خيرة الشيخات والأشياخ من مجموعات عيطية غنائية من مختلف مناطق المملكة المغربية.
يجب رد الاعتبار إلى هذا التراث الموسيقي الغنائي، بإحيائه وصونه، كما لا ينبغي لنا أن نركن إلى التقليد والتمجيد من أجل التخليد، بل علينا تطوير هذا الفن بالخلق والإبداع والتجديد مع الحفاظ على الأصالة المغربية، إذا نحن أردنا أن نذهب به إلى بعيد.

الاخبار العاجلة