مراكش بين زينب النفزاوية وفاطمة الزهراء المنصوري.. هل سبق الماضيُ الحاضرَ؟

جسر التواصل1 أكتوبر 2026آخر تحديث :
مراكش بين زينب النفزاوية وفاطمة الزهراء المنصوري.. هل سبق الماضيُ الحاضرَ؟

بقلم ـ عبد العزيز الخطابي

هل يمكن أن يكون الماضي. في لحظة من لحظاته. أكثر قدرة على صناعة التاريخ من الحاضر؟
قد يبدو السؤال غريباً. بل مستفزاً. حين يتعلق الأمر بمدينة مثل مراكش؟ مدينة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين. وتعيش في زمن الدولة الحديثة. والدستور. والانتخابات. والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي. لكنها تحمل في ذاكرتها تاريخاً يمتد إلى أكثر من تسعة قرون.
غير أن التاريخ لا يقاس دائماً بعدد السنوات التي تفصلنا عنه. ولا بحجم التكنولوجيا التي نملكها اليوم. فهناك لحظات تاريخية استطاعت فيها مجتمعات. رغم محدودية وسائلها. أن تمتلك رؤية تتجاوز زمنها. وأن تبني مشروعاً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الجغرافيا.
ومن هنا تعود مراكش إلى الواجهة. لا باعتبارها مدينة سياحية عالمية فحسب. وإنما باعتبارها مدينة ارتبط اسمها بواحدة من أبرز التجارب السياسية في تاريخ المغرب والغرب الإسلامي: التجربة المرابطية.
وفي قلب تلك الذاكرة تظهر امرأة استثنائية: زينب النفزاوية.
وفي حاضر مراكش تظهر امرأة أخرى: فاطمة الزهراء المنصوري. التي انتقلت من تدبير المدينة إلى رئاسة الحكومة المغربية. لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
بين المرأتين قرون طويلة، وبين التجربتين اختلاف هائل في طبيعة الدولة والنظام السياسي وأدوات الحكم. لذلك لا ينبغي أن تكون المقارنة بينهما مقارنة مباشرة بين شخصين. وإنما مدخلاً إلى سؤال أوسع عن مراكش نفسها:
ماذا كانت مراكش تصنع بالأمس. وماذا تصنع اليوم؟
وهنا يبدأ السؤال الأكثر إثارة:
هل سبق الماضيُ الحاضرَ؟
زينب النفزاوية.. المرأة في قلب الذاكرة المرابطية
ارتبط اسم زينب النفزاوية بتاريخ المرابطين. وبصورة امرأة كان لها حضور بارز في الروايات التي تناولت صعود الدولة المرابطية وتحولها إلى قوة سياسية واسعة النفوذ.
لكن التاريخ، حين يتعلق بشخصيات صنعتها الذاكرة الجماعية. يحتاج إلى قدر من الحذر.
فلا يصح اختزال زينب النفزاوية في صورة أسطورية. كما لا يصح أن ننسب إليها منفردةً تأسيس مراكش أو بناء الدولة المرابطية. فقد كان قيام الدولة المرابطية نتيجة مسار سياسي وعسكري واجتماعي معقد. شاركت فيه شخصيات وقوى متعددة.
ومع ذلك. فإن حضور زينب في الرواية التاريخية ليس هامشياً.
لقد بقي اسمها مرتبطاً بالنفوذ السياسي وبالتحولات الكبرى التي رافقت صعود المرابطين. فأصبحت في الذاكرة المغربية واحدة من أشهر النساء اللواتي ارتبطت أسماؤهن بالسلطة وصناعة القرار في مرحلة مبكرة من تاريخ المغرب.
وهنا يبرز السؤال:
كيف استطاعت امرأة في مجتمع من العصور الوسطى أن تحتل هذه المساحة في الذاكرة السياسية والتاريخية. بينما ما زلنا في العصر الحديث نحتفل بوصول المرأة إلى مواقع القرار وكأن الأمر ظاهرة مستحدثة؟
ربما لأن التاريخ أكثر تعقيداً مما نتصور.
فالمرأة لم تكن غائبة دائماً عن صناعة السلطة. وإنما اختلفت أشكال حضورها. واختلفت الأدوات التي سمحت لها بالتأثير.
مراكش.. حين تتحول المدينة إلى مشروع تاريخي
تأسست مراكش في العصر المرابطي خلال القرن الحادي عشر. وأصبحت عاصمة للدولة ومركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً مهماً.
ولم تكن المدينة مجرد تجمع عمراني جديد.
لقد تحولت إلى مركز لدولة امتد نفوذها إلى مناطق واسعة من المغرب والأندلس. وأصبحت مراكش عنواناً لمرحلة سياسية وحضارية تركت آثاراً عميقة في تاريخ المنطقة.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
فالمرابطون لم يمتلكوا التكنولوجيا التي يمتلكها إنسان اليوم. ولم تكن لديهم وسائل الاتصال الحديثة، ولا مؤسسات الدولة بالشكل الذي نعرفه. ولا أدوات التخطيط والإدارة التي يوفرها العصر الحديث.
ومع ذلك امتلكوا شيئاً آخر:
القدرة على تحويل الإمكانات المتاحة في زمانهم إلى مشروع سياسي وعمراني يتجاوز حدود المدينة.
وهذا هو جوهر المقارنة.
ليس السؤال: هل كان المرابطون أكثر تقدماً منا؟
فهذا سؤال لا يستقيم إذا قسنا التقدم بمعايير العلم والتكنولوجيا والمؤسسات الحديثة.
السؤال الأدق هو:
هل كانت لديهم. في شروط عصرهم. قدرة أكبر على تحويل الإمكانات المحدودة إلى مشروع تاريخي كبير؟
إذا كان الأمر كذلك في بعض المجالات. فهذا لا يعني أن الماضي كان أفضل من الحاضر. وإنما يعني أن كل عصر يمكن أن يمتلك لحظاته التي يتفوق فيها في القدرة على المبادرة وصناعة التحول.
من زينب النفزاوية إلى فاطمة الزهراء المنصوري
بعد قرون طويلة، تعود المرأة المراكشية إلى واجهة السلطة السياسية. ولكن هذه المرة عبر المؤسسات الدستورية للدولة الحديثة.
فاطمة الزهراء المنصوري ليست زينب النفزاوية. ومراكش الحديثة ليست مراكش المرابطية.
الأولى تتحرك داخل دولة دستورية ومؤسسات منتخبة، والثانية عاشت في سياق سياسي مختلف جذرياً.
ومع ذلك. فإن اجتماع الاسمين في ذاكرة مدينة واحدة يفرض سؤالاً رمزياً يستحق التأمل:
هل تستعيد مراكش. بعد قرون. بعضاً من حضور المرأة في صناعة القرار؟
الفرق أن زينب النفزاوية ارتبط اسمها بزمن كانت فيه الدولة تُبنى بمنظومات مختلفة من البيعة والتحالف والقوة العسكرية والسياسية. بينما تصل فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة من بوابة الدستور والانتخابات والمؤسسات.
وهذا الفرق ليس تفصيلاً؟ إنه الفاصل بين عالمين.
لكن التاريخ لا يهتم بالأدوات وحدها.
إنه يهتم أيضاً بما تتركه السلطة وراءها.
من تدبير المدينة إلى قيادة الحكومة
تحمل فاطمة الزهراء المنصوري في مسارها السياسي علاقة وثيقة بمراكش. التي سبق أن تولت رئاسة مجلسها الجماعي. قبل أن تنتقل إلى مواقع حزبية وحكومية أخرى. وصولاً إلى رئاسة الحكومة.
وهنا تصبح مراكش أكثر من مكان في سيرتها السياسية.
إنها نقطة بداية.
امرأة تولت تدبير مدينة عريقة تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية وطنية مختلفة في حجمها وتعقيداتها: إدارة حكومة تتعامل مع الاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والعدالة الاجتماعية. فضلاً عن العلاقة مع البرلمان والفاعلين السياسيين والاجتماعيين والالتزامات الدولية للمغرب.
لكن الانتقال من المدينة إلى الدولة ليس انتقالاً في العنوان فقط.
إنه انتقال من ملفات محلية إلى سياسات وطنية. ومن تدبير مجال ترابي إلى إدارة أولويات بلد بأكمله.
ولهذا فإن التاريخ قد يمنح لحظة التعيين رمزيتها. لكنه لا يمنحها نتائجها مسبقاً.
النتائج يصنعها الأداء.
وهنا تبدأ مسؤولية رئيسة الحكومة الحقيقية.
حقل الألغام السياسي
رئاسة الحكومة ليست منصباً احتفالياً.
إنها مساحة تتقاطع فيها المصالح والبرامج والانتظارات والضغوط.
هناك الاقتصاد. والتشغيل. والتعليم. والصحة. والاستثمار. والعدالة الاجتماعية. والقدرة الشرائية. والإدارة. والعلاقة مع البرلمان. والتوازنات داخل الأغلبية. فضلاً عن الملفات الاستراتيجية التي تواجه المغرب داخلياً وخارجياً.
ولهذا فإن الحديث عن «حقل الألغام» السياسي لا يحتاج إلى افتراض وجود مؤامرات أو أشخاص مختبئين في الكواليس.
فحقل الألغام موجود أصلاً في طبيعة السياسة.
كل قرار حكومي له كلفة. وكل إصلاح يخلق مستفيدين ومتضررين. وكل اختيار سياسي يفرض ترتيباً للأولويات.
والتحدي الحقيقي أمام رئيسة الحكومة الجديدة لن يكون كونها امرأة.
بل سيكون قدرتها على تحويل الشرعية الدستورية والسياسية إلى حكامة وأداء ونتائج ملموسة.
وهنا بالضبط يمكن أن يلتقي سؤال الحاضر مع درس التاريخ.
فالمرابطون لم يخلدوا لأنهم امتلكوا السلطة فقط. وإنما لأنهم تركوا أثراً في الجغرافيا والعمران والسياسة والثقافة.
والحكومات الحديثة لا تُقاس فقط بمن يترأسها. وإنما بما تتركه وراءها من سياسات ومؤسسات ونتائج.
فهل سبق الماضي الحاضر؟
ربما لا.
وربما السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة.
فالماضي لم يكن أكثر تقدماً من حاضرنا في العلم والتكنولوجيا والمؤسسات. لكن بعض المجتمعات القديمة امتلكت. في ظروفها الخاصة. قدرة هائلة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع كبرى.
وهذا هو الدرس الذي يمكن أن تقدمه مراكش المرابطية لمراكش الحديثة.
لم يكن المطلوب من المرابطين أن يكونوا مثلنا.
كان المطلوب منهم أن يكونوا أفضل ما يمكن أن يكونه عصرهم.
واليوم لا يُطلب من المغرب أن يعيد إنتاج القرن الحادي عشر.
بل أن يكون أفضل ما يمكن أن يكونه في القرن الحادي والعشرين.
وهنا يصبح حضور زينب النفزاوية وفاطمة الزهراء المنصوري في مقال واحد أكثر من مجرد مصادفة تاريخية.
إنهما علامتان على خط زمني طويل. تفصل بينهما قرون. لكنهما تلتقيان عند سؤال واحد:
هل تستطيع مراكش الحديثة أن تصنع في المستقبل أثراً يوازي. في شروط عصرها. الأثر الذي صنعته مراكش المرابطية في شروط عصرها؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
وليس السؤال من كانت أكثر قوة: زينب أم فاطمة الزهراء؟
فلكل واحدة زمنها، ولكل زمن أدواته.
السؤال الأهم هو:
ماذا ستترك فاطمة الزهراء المنصوري وراءها عندما تصبح هي الأخرى جزءاً من التاريخ؟
فالتاريخ لا يسألنا في النهاية من وصل إلى السلطة.
إنه يسأل:
ماذا فعلنا بها حين وصلنا إليها؟

الاخبار العاجلة