كون على بال

جنوح الفتيات بالمغرب بين طبيعة الإتجاهات الدولية وامكانيات الإدماج –

بقلم :

موحى مزيان
*خريج المعهد الملكي لتكوين ألأطر بوزارة الشباب والرياضة
*ماستر في إعادة تربية الأحداث الجانحين والإدماج المهني بكلية علوم التربية بالرباط
باحث في مجال الطفولة والشباب .
*المساهمة في مجموعة من الندوات العلمية المرتبطة بقضايا الطفولة داخل المغرب والخارج ( ندوة بشيكاغو )
* مدير مركز حماية الطفولة عبد السلام بناني

لماذا المقالة ؟
تعد ظاهرة جنوح الأحداث من الظواهر التي تهدد الحياة الإجتماعية على مستوى العالم، ليس لأنه يتعلق
بإرتكاب أفعال وممارسات تخالف القوانين الجنائية والإجتماعية فقط، بل لأن هذه الممارسات تصدر عن
شريحة الأطفال، التي يفترض بها أن تخضع لسياسات تربوية وتأطيرية من كافة مؤسسات التنشئة
الإجتماعية، أبرزها الأسرة والمدرسة.
إن ظاهرة جنوح الأحداث ليست ظاهرة وطنية، تنتشر في أوساط المجتمع المغربي فقط، بل هي ظاهرة
عالمية، توجد في جميع المجتمعات بإختلاف خصوصياتها الثقافية والإجتماعية. كما أنها ليست ظاهرة
حديثة، فالأبحاث العلمية التاريخية والأنثروبولوجية خصوصا؛ تؤكد وجود خرق للقوانين السائدة في حقب
تاريخية معينة من طرف الأطفال. لكنها طُرحت في الآونة الأخيرة بطريقة مختلفة، تهتم بالأبعاد النفسية
والإجتماعية والتربوية التي أكدت عليها القوانين والمواثيق الدولية الأخيرة. ويعتبر المغرب من بين الدول
التي فتحت النقاش بخصوص موضوع جنوح الأطفال بطريقة تحاول أن تنسجم مع مضامين هذه
المواثيق، في محاولة تنزيل بنودها وأجرأتها على أرض الواقع.
على المستوى الإحصائي، فإننا نجد بأن عدد الأطفال المودعين بالسجون ومؤسسات حماية الطفولة التابعة
لوزارة الثقافة والشباب والرياضة في نزاع مع القانون وطنيا بلغ 3724 طفلا موزعة كالتالي : 1224
طفلا بالسجون 1 و2492 طفلا بمراكز حماية الطفولة أما فيما يخص الأطفال في وضعية صعبة فقد بلغ
عدد الأطفال المودعين بمراكز حماية الطفولة 3265 طفلا. 2
يدلنا هذا المعطى الإحصائي على حجم الظاهرة وهولها داخل المجتمع المغربي، كما تفسر النقاش
المجتمعي الدائر حول الموضوع، والذي يدل على مشكل يؤرق المجتمع بمختلف متدخليه، ومستفز للدولة
ومؤسساتها المختلفة والمنظمات الدولية والمجتمع الوطني، كما أنه يسائل السياسات العمومية حول مدى
تفطنها بأهمية الموضوع وإدراجه بالكيفية التي يستحق في البرامج والسياسات المعنية. كما أن التقييم
الإحصائي يحثنا كباحثين أكاديميين في المجالين الإجتماعي والسوسيو-تربوي إلى إقتحام النقاش
بخصوص الظاهرة وتناوله بطريقة تتوخى إيجاد تفسيرات علمية.
في هذا الإطار، تأتي هذه المقالة لبلورة الظاهرة من منظور سوسيولوجي، انطلاقا من مفهوم الإدماج الذي
ينتمي إلى نفس الحقل المعرفي، ومحاولة ايجاد تفسيرات علمية ومعرفية للظاهرة، التي قد تكون إضافة
نوعية إلى حقل علم الإجتماع الأسرة على وجه التحديد.

 

 

1 التقرير السنوي للمندوبية العامة لادارة السجون واعادة الادماج، سنة 2018، الصفحة 140.
2 احصائيات وزارة الشباب والرياضة لسنة 2018.

أي الأسئلة التي يجب طرحها ؟
حسب مقال بعنوان ( دور الأسرة والتعليم في منع جنوح الأحداث ); لأحمد المغلوث، 3 يقدم فيه الدور الذي
تشكله الأسرة والمدرسة في ارتكاب الحدث للفعل الجرمي، حيث يرى على أن الأسرة والمدرسة وجهان
لعملة واحدة؛ كلاهما يساهمان في عملية تطبّع الأطفال بسلوكات معينة، فالحياة الإجتماعية بمختلف
متدخليها تفرض على الذكور والإناث أحيانا الإحتكاك بالآخرين، واكتساب عادات سيئة وتصرفات غير
معقولة.
لكن الحديث عن تأثير الحياة الإجتماعية بما فيها تأثير الأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق…يكاد يقتصر
فقط على الأطفال الذكور، بإعتبار الأنثى لم تكتسب تواجدها ومكانتها الكاملة داخل المجتمع، وهو من بين
العوامل المفسرة لإرتفاع عدد الجانحين الذكور في مقابل الإناث. فظاهرة انحراف الفتاة ظاهرة جديدة من
الناحية التاريخية مقارنة مع الإنحراف لدى الذكور.
وبالنظر إلى الوضع الذي عرفته الفتاة في المجتمع المغربي، فإن التغيرات التي حصلت على مستوى
المجتمع أفرزت عدة عوامل وأسباب جديدة ومتنوعة سمحت ببروز انحرافات لدى الفتاة.
ومن خلال هذه المقالة سنحاول التطرق إلى علاقة الوالدين بالإنحراف وإلى أي حد يحاول الوالدين من
خلال علاقتهم بإبنتهم إما الأخذ بيدها في حالة قيامها بأخطاء تودع بموجبها في إحدى المؤسسات ومحاولة
إعادة إدماجها في المجتمع أو الدفع بها للإستمرار في مسار الإنحراف، بل والتطور إلى مستويات أخرى. 4
وبهذا نتساءل عن طبيعة العلاقة بين اتجاهات الوالدين نحو الفتاة الجانحة وامكانيتها في الإدماج ؟ وإلى
أي مدى يؤثر الفرق بين اتجاهات الأب والأم على حدة نحو الجانحة بإعادة إدماجها ؟ وإلى أي حد يعتبر
المستوى التعليمي للوالدين عاملا في تحديد طبيعة اتجاهاتهم نحو الفتاة الجانحة ؟ وهل يساهم حجم
ونوع الجنحة المرتكبة في تحديد طبيعة اتجاهات الوالدين ؟ وهل لمراكز حماية الطفولة ومؤسسات
الرعاية دور في تحديد طبيعة هذه الإتجاهات وتحقيق الإدماج ؟

التحديدات الإجرائية لمفاهيم المقالة :
الإتجاه مفهوم يتم تداوله في الحقول المعرفية النفسية والنفسية الإجتماعية، ويعود تاريخ استعماله إلى سنة
1962، حيث تم استخدامه أول مرة من طرف عالم النفس Spinser في مؤلفه المبادئ الأولى حيث قال :
إن وصولنا إلى أحكام صحيحة في مسائل مثيرة لكثير من الجدل، نعتمد إلى حد كبير على اتجاهنا الذهني
ونحن نصغي إلى هذا الجدل أو نشارك فيه. وبعد ذلك تم تقديم تعاريف متعددة للمفهوم، أبرزها تعريف
المعجم الموسوعي لعلم النفس، الذي يعتبر الإتجاه هو مجموع الإتجاهات العميقة لوجودنا (اللاشعورية
على الغالب ) التي تقود تصرفنا، ويدل أيضا على الوضعيات الجسمية السلوكات الإجتماعية والحالة
الذهنية. والإتجاه أيضا حسب نفس المعجم يعني الشخص برمته، ماضيه وحاضره، تكوينه وتجاربه، بنيته
النفسية والوجدانية وضغوط المحيط عليه : ضغوط أسرته أول الأمر، أسرته التي يكون تأثيرها حاسما،
وضغوط المدرسة أيضا، والطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها، كلها تعمل بدقة في اتجاه اضفاء التجانس
على اتجاهات أعضائها الذين يميلون من جهتهم ميلا تلقائيا إلى أن يمتثلوا لمعايير جماعتهم. ومثل هذا
العمل يجد تعبيره في درجة اللباس، والعادات والأعراف، والآراء والمعتقدات، بل في الإدراكات. 5
3 أحمد المغلوث، دور الأسرة والتعليم في منع جنوح الأحداث، مقالة منشورة بجريدة الجزيرة الإلكترونية، عدد 16168، بتاريخ 3 يناير
2017، تاريخ التصفح : 11 نونبر 2019 على الساعة الثالثة مساءا.
4 موحى مزيان، علاقة اتجاهات الوالدين نحو الفناة الجانحة بقابليتها للإدماج الإجتماعي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة محمد الخامس،
كلية علوم التربية، الرباط، المغرب، 2013، الصفحة 6.

 

 

كما جاء باحثون آخرون بتعريفات أخرى، حيث يعتبر Allport الإتجاه " حالة من الإستعداد أو التأهب
العصبي والنفسي منتظم من خلال خبرة الشخص، وتكون ذات أثر توجيهي أودينامي في استجابة الفرد
لجميع الموضوعات التي تستثير هذه التجربة ". 6 فالإتجاهات بذلك وحسب نوعية تكوّنها تكون محددة
للسلوك بحسب خبرة الشخص ومختلف علاقاته وتفاعلاته مع موضوع الإتجاه.
أما Newocomb فقد عرف الإتجاه بكونه تنظيم لمعارف ذات ارتباطات موجبة أو سالبة، ومن وجهة
نظر الدافعية فالإتجاه يمثل حالة من الإستعداد لإثارة الدافع، حيث أن إتجاه المرء نحو موضوع معين هو
استعداد لإستثارة دوافعه فيما يخص هذا الموضوع، وهذا الإستعداد يتأثر بخبرة المرء ومعارفه السابقة
سلبا أو إيجابا.
وعموما، فإن أغلب التعاريف تشترك في تحديد أهم جوانب الإتجاهات بكونها أساسا حالة من الإستعداد
الثابت نسبيا والذي له أثر توجيهي وتحديدي لردود فعل واستجابات الأفراد إزاء بعض الأفراد والأفكار أو
الأشياء، فكثيرا ما يكون الإختلاف في تحديد المفهوم ذو صبغة شكلية، أي من خلال الصياغة اللغوية
الخاصة بكل باحث.
مفهوم الإدماج فهو الآخر تم تناوله من خلال الكثير من التعاريف. وقبل استعراض بعضها نميز بين
مفهومين من المحتمل أن يتم الخلط بينهما في التداول، وهما الإدماج والإندماج، فالإدماج مقابله باللغة
الفرنسية Insertion أما الإندماج فيعني بالفرنسية Intégration ويدل في معانيه على الإنصهار أي
تمكن الفرد أو المجموعة من الإنصهار والإنخراط في سيرورة أخرى أعم وأشمل.
أما الإدماج فهو يعني في إحدى التعاريف مجموعة من التفاعلات بين عناصر مختلفة داخل مجموعة ما
وهو ما يؤدي إلى إحساسها بضرورة التماثل والإنسجام فيما بينها من خلال آليات وطرائق مختلفة
ومتنوعة. ولذلك فإن الإدماج يحيل على وضعية فرد أو جماعة أو شريحة اجتماعية هي في تفاعل مع
أفراد آخرين أو مجموعات أخرى تتقاسم معها نفس القيم والمعايير داخل المجتمعات التي تنتمي إليها.
أما الفتاة الجانحة فإننا نتناولها من خلال هذه المقالة، بكونها الحدث من جنس الأنثى لم تبلغ من العمر
السن المقررة لبلوغ الرشد الجنائي، والتي تمت إحالتها على مركز حماية الطفولة بموجب تدبير قضائي. 7

علاقة الإتجاهات الوالدية بإدماج الفتاة الجانحة :
عودة إلى الإشكالية الأساسية التي طرحتها المقالة وهي (ما طبيعة العلاقة بين اتجاهات الوالدين نحو
الفتاة الجانحة وامكانيتها في الإدماج ؟);. فإنه بناءا على نتائج دراسة ميدانية صادرة على مؤسسة محمد
السادس لإعادة إدماج السجناء، والتي أجرتها على عدد من الأحداث، من بينهم 20 حدثا من نزلاء مركز
حماية الطفولة بطنجة، وقد توصلت الدراسة إلى نتائج متعددة، من بينها ما يتعلق بالإتجاهات الوالدية،
حيث خلصت إلى أن 69،16 في المئة من المبحوثين ينتمون إلى أسر مفككة ( إهمال الأسرة أولا ثم
الطلاق )، و75.83 في المئة من المبحوثين تعرضوا للطرد من منزل الأسرة لمرات عديدة، و83،50 في
المئة صرحوا بأنهم خائفون إلى حد كبير من فترة ما بعد العقوبة، في حين أن 83،35 في المئة من
المبحوثين ترى أن المجتمع يرفض فكرة الإدماج. 8
5 نوربير سيلامي، السنة 2001، المعجم الموسوعي في علم النفس، منشورات وزارة الثقافة السورية، ترجمة وجيه أسعد، الجزء الأول،
الصفحة : 58-59.
6 مصطفى حدية، قضايا علم النفس الإجتماعي، منشورات المجلة المغربية لعلم النفس، الطبعة الأولى، 2005، الصفحة 79.
7 أحمد شوقي بنيوب، دليل عدالة الأحداث الجانحين، الطبعة الأولى، يوليوز 2006، الصفحة 29.

وتشير هذه المعطيات إلى الخلفيات الإجتماعية والأسرية التي تتوفر عليها هذه الفئة، والتي تساهم بالتأكيد
في مسارهم الجنحي. إضافة إلى أن تعرض أكثر من 75 في المئة من عينة الدراسة للطرد من طرف
العائلة مؤشر واضح على الإتجاه الوالدي لدى هذه الحالات، وهو ما يساهم في جعل بعض الحالات تنظر
إلى المجتمع بكونه يرفض فكرة إدماجهم والتي وصلت إلى أزيد من 83 في المئة.
كما أن نتائج هذه الدراسة تنسجم مع ما توصلت إليه دراسة أقيمت على نزلاء مركز حماية الطفولة عبد
السلام بناني بمدينة الدار البيضاء، وهي دراسة أقيمت على 40 حدثا من الإناث كلهن مودعين بالمركز
لإرتكابهن جنح يعاقب عليها القانون ويتوفرن على والدين. حيث أكدت هذه الدراسة أن نسبة 59 في المئة
من هؤلاء الفتيات يرغبن في الإستقلال عن بيت الأسرة بعد فترة العقوبة بسبب الإتجاه الوالدي السلبي
تجاههن.
حيث أن الأسرة تتبرّء من ابنتها بسبب الجنحة التي ارتكبتها، وخاصة الفساد أو الجنحة الجنسية، وذلك لما
تجلبه من إضرار بشرف العائلة وسمعتها، فالأسرة هنا تخاف من رد فعل المجتمع والمحيط الذي سيظل
يشير بأصبع العار تجاهها جراء الفعل الذي ارتكبته الفتاة، وهذا ما يجعل الأسرة تعاقبها بإبعادها
واضطهادها، حتى وإن كانت مستعدة لتقبل الخطأ الذي ارتكبته.
وحسب الدراسة السابقة فإن 13 من الفتيات من أصل 40 أودعن بمركز حماية الطفولة بسبب ارتكابهن
لجنحة جنسية، ما دفع بأسرهن إلى التخلي عنهن وإحداث قطيعة معهن. كما أن بعض الأسر اضطرت إلى
تغيير السكن سواء بتغيير الحي أو المدينة تجنبا للمضايقات والمشاكل التي قد يتعرضوا اليها من طرف
الجيران. وكل هذه العوامل جعلت من النزيلات يفكرن في الإستقلال بعد فترة العقوبة أو السكن مع أحد
أفراد العائلة أو إحدى الصديقات.
بالإضافة إلى أن البنية الإجتماعية للمجتمع المغربي لازالت غير قادرة على استيعاب جنوح الأحداث
الإناث، بإعتباره الأنثى مركز ومنبعا للعار والشرف، يتوجب على العائلة اخفاؤه والتستر عليه، بل
والتخلص منه في بعض الحالات عن طريق الزواج. فحتى في الحالات التي تكون فيها الجنحة مغايرة
لجنحة الفساد، كالسرقة مثلا فالأسرة تتحفظ بشكل كبير في الموضوع، ويبدو أنها غير متقبلة له، بل غير
مستعدة للدفع بالفتاة نحو تجاوز هذه الخطأ. والأمر يكون مختلفا في حالة جنوح الذكر.
وفيما يخص مدى تأثير الفرق بين اتجاهات الأب والأم على حدة نحو الجانحة بإعادة إدماجها، فإن نفس
الدراسة توصلت إلى أن درجة تفاعل الأب والأم مع موضوع الجنوح يظل مختلفا، لإعتبارات تتعلق
أساسا بالأدوار الطبيعية المختلفة بين الأم والأب، وأيضا حسب الخصوصيات المتعلقة بكل حالة. حيث
تبين على أن الأمهات هن من يزرن النزيلات أكثر من الآباء، كما أنهن هن أكثر اتصالا بالنزيلات،
بالإضافة إلى أن 14 حالة من أصل 40 صرحت بأنها أمرت بأن لا تعود إلى المنزل بعد انقضاء فترة
العقوبة، و7 حالات من 14 كان الأب هو من قام بالأمر، كما أن الأمهات هن أكثر من يعامل الجانحة
بمعاملة حسنة في مقابل معاملة سيئة من قبل الأباء.
ويعزى هذا بالأساس إلى عوامل تتعلق بالخوف من العار والرغبة في الثأر ولو تعلق الأمر بتعذيب
الذات، فالأسر هنا والأباء على وجه التحديد لهم القابلية للإستغناء عن فلذات أكبادهم خصوصا إذا تعلق
الأمر بتعاطي الجانحة للمخدرات، التي تجعل الأسرة ترفض الوقوف إلى جانب الفتاة لتجاوز محنتها.

8 مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، مرجع سابق، الصفحة : 4.

كما يلعب المستوى الدراسي والتعليمي للأسرة دورا أساسيا في تفهم الأسرة للسلوك الجنحي الذي ارتكبته
الفتاة. حيث اتضح على أن 21 أب و14 أم من أصل 40 لم يذهبوا قط إلى المدرسة، مما يوضح الخلفية
الفكرية التي من الممكن أن يتوفرا عليها، بالإضافة إلى درجة وعيهم بالوضعية القانونية التي تمر منها
الفتيات الجانحات.
أما الإشكالية المتعلقة بدور مراكز حماية الطفولة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية ودورها في تحديد
طبيعة هذه الإتجاهات وتحقيق الإدماج. فإن هذه الدراسة سجلت أرقاما مهمة، كون 12 فقط من النزيلات
من تقوم إدارة المركز بربط اتصال مع والديها، وذلك لرفض باقي الأسر استمرار الاتصال بفتياتها نتيجة
الجنح المرتكبة من طرفهن أو نتيجة عدم تصريح النزيلات بمعطيات حقيقية حول الأسر وذلك نتيجة
الخوف من ردود أفعال هذه الأخيرة تجاههن. و10 نزيلات من تنظم الإدارة زيارات لها مع والديها، و8
حالات فقط من لها رغبة في الإستمرار في التكوين والدراسة بعد مدة العقوبة. وهو ما يطرح علامة
استفهام كبيرة حول مرحلة ما بعد الايداع.
فمن خلال هذه الارقام يتضح على أن العلاقة المضطربة بين الأسرة والنزيلة تتطلب ايجاد متدخل تكميلي
لما تقوم به مؤسسات حماية الطفولة نظرا لكون الصلة بين المركز والنزيلات تنقطع مباشرة بعد
خروجهن من مؤسسات حماية الطفولة بأمر قضائي ويصبح مصيرهن غامضا، بل تصبح الخدمات
المقدمة لهن من طرف هذه المؤسسات غير ذي جدوى في بعض الأحيان.

خلاصات :
إن كل النتائج والمعطيات والأرقام التي تحدثنا عنها سابقا، تؤكد فكرة واحدة، هو فشل هذه المنظومة
المتعددة المتدخلين في إعادة إدماج الأنثى الجانحة. بداية من الأسرة وانتهاءا عند المؤسسة، أي مركز
حماية الطفولة، وغياب سياسة واضحة تهدف الى إعادة ادماج هذه الشريحة بعد انقضاء مدة الايداع
بالمركز. فالأسرة مازالت لم تتسلح بالأسلحة الكافية التي تجعلها تدفع بمصلحة ابنتها فوق كل اعتبار اخر،
كما أن مراكز حماية الطفولة لاتزال تعاني من ضعف العنصر البشري والمورد المادي الكافي وغياب
مؤسسة تكمل عمل مؤسسات حماية الطفولة في مرحلة ما بعد الخروج.
كل هذه المعطيات تدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من الأمور على مستوى الأسرة، وأولها المستوى
التعليمي للأب والأم الذي يعلب دورا مهما في طريقة التعامل مع الفعل الجنحي للفتاة وخصوصا لدى
الأب، بالإضافة إلى العامل الإجتماعي الذي يمارس سلطة رمزية وضغطا اجتماعيا قويا على أسرة الفتاة
الجانحة، والتي تصل إلى القطيعة من طرف الجيران جراء الوصم الاجتماعي الذي يستمر حتى بعد
انتهاء فترة العقوبة. فكل هذه العوامل تدفع الأسرة إلى التخلي عن ابنتها وأمرها بعدم العودة إلى المنزل
بعد العقوبة، بل قد تغير الأسرة مقر السكن وقد تغادر المدينة.

إن كل الإجراءات التدخلية التي وجب اتخاذها بشأن هذه الوضعية، يجب أن تبدأ بسياسة توعوية واسعة،
تهدف إلى مواجهة الأفكار التي تعتبر الجنوح وصمة عار ملازمة للأسرة، واعتباره خطأ ارتكبته طفلة

في سياق معين وجب تكثيف الجهود من أجل الدفع بها نحو تجاوزه. إضافة إلى تدعيم حملات محاربة
الأمية، وتوفير المواكبة الإجتماعية والنفسية مع أسرة الطفلة.
كما أننا نؤكد بأنه حتى يتسنى لمراكز حماية الطفولة تحقيق الأهداف الموكولة إليها والمتمثلة في الحماية
والتأهيل والإدماج؛ فالأمر يتطلب خلق مؤسسات تكمل عمل هذه الأخيرة وتفعل أدوار مجموعة من
المؤسسات الأخرى (مؤسسات الوسط الطبيعي ومؤسسات الرعاية اللاحقة) حيث تقوم بمواكبة النزيلات
بعد خروجهن من مراكز حماية الطفولة، من أجل ضمان عدم انقطاع النزيلة عن التكوين المهني أو
الدراسي، وبالتالي تسهيل إدماجها أو إعادة إدماجها في المجتمع.

لائحة المراجع :

 نوربير سيلامي، المعجم الموسوعي في علم النفس، منشورات وزارة الثقافة السورية، ترجمة
وجيه أسعد، الجزء الأول، 2001.
 مصطفى حدية، قضايا علم النفس الإجتماعي، منشورات المجلة المغربية لعلم النفس، الطبعة
الأولى، 2005.
 أحمد شوقي بنيوب، دليل عدالة الأحداث الجانحين، الطبعة الأولى، يوليوز 2006.
 مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، جنوح الأحداث : دراسة ميدانية بمدينة طنجة،
شمال المغرب، ماي 2011.
 موحى مزيان، علاقة اتجاهات الوالدين نحو الفناة الجانحة بقابليتها للإدماج الإجتماعي، رسالة
ماجستير غير منشورة، جامعة محمد الخامس، كلية علوم التربية، الرباط، المغرب، 2013.
 التقرير السنوي للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج، سنة 2018.

 إحصائيات وزارة الشباب والرياضة لسنة 2018.
 أحمد المغلوث، دور الأسرة والتعليم في منع جنوح الأحداث، مقالة منشورة بجريدة الجزيرة
الإلكترونية، عدد 16168، بتاريخ 3 يناير 2017، تاريخ التصفح : 11 نونبر 2019 على
الساعة الثالثة مساءا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى